قاعة المرايا... مسرح بن سلمان لاستعراض قوته الناعمة

الأربعاء 6 يناير 202107:50 م

في شمالي غربي المملكة العربية السعودية، تقع منطقة العلا التي تُعد موطناً للكنوز الأثرية والجمال الطبيعي والآثار الرائعة منذ آلاف السنين، وهي على طريق البخور القديم الذي يربط بين جنوب شبه الجزيرة العربية ومصر، وكان مركزاً للتبادل التجاري والثقافي.

أصبحت العلا حالياً مركزاً للقوة الناعمة في المجال الفني والثقافي، بعدما دعم إطلاقها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتجميل صورة بلاده التي عُرفت بالتشدد، جاذباً إليها العديد من مشاهير العالم لأداء أعمالهم.

في قلب العلا، أنشأ ولي العهد السعودي "مسرح المرايا" أو "قاعة المرايا"، وهو مبنى ضخم تمت صناعته من الزجاج على شكل مرآة، وبات معروفاً حتى في الأنشطة السياسية، لا سيما مؤخراً بعد استضافته القمة الخليجية الـ41 التي شهدت توقيع اتفاق المصالحة مع قطر.

وأنشأ بن سلمان هيئة ملكية في العلا، يرأس بنفسه إدارتها في سبيل تطوير المنطقة حضارياً ضمن رؤية 2030.

المرايا

تقع قاعة المرايا في وادي العلا، وهو منطقة طبيعية ينتشر فيها عدد من الواحات، ومنازل قديمة مبنية داخل نتوءات من الحجر الجيري، ذات واجهات منحوتة وأنيقة.

ويتخذ تصميم مسرح مرايا الذي يقع في وادي عشار، بالقرب من سفح حرة عويرض، والمزود بأحدث النظم الصوتية المسرحية والأوبرالية، شكلاً مكعباً ضخماً ومغطّى بمرايا عاكسة من جهاته الأربع.

يعود تصميم هذا المعلم في العلا لكل من المهندس المعماري ماسيمو فوغلياتي وفلوريان بوجي من فريق استوديو "جيو فورما" العالمي في مدينة ميلانو الإيطالية، ولم تُعرف تكلفة المبنى الضخم الذي أُعيد بناؤه مرتين.

بحسب صحيفة "سبق" السعودية، تم إنجاز المبنى كمرآة "حتى لا ينافس جمال بيئة العلا، وإنما يسهم في إبرازه، من خلال تجربة فريدة للضيوف توحّدهم مع البيئة".

وبالعودة إلى تفاصيل التصميم، فإن الهيئة الملكية للعلا صممت قاعة مرايا للحفلات الموسيقية كي تتسع 500 شخصاً ومساحتها 9740 متراً مربعاً.

يعود التصميم لكل من المهندس المعماري ماسيمو فوغلياتي وفلوريان بوجي من فريق استوديو "جيو فورما" العالمي في ميلانو، ولم تُعرف تكلفة المبنى الضخم الذي أُعيد بناؤه مرتين... كواليس بناء قاعة المرايا التي استضافت القمة الخليجية 

ويضم هذا المبنى منطقة خاصة لكبار الشخصيات وصالة عرض لأهم الفنون العالمية، ومنطقة استقبال الضيوف، وغرف استعداد الفنانين وفرقهم قبل الصعود إلى المسرح.

وهناك ما يقرب من خمس قاعات صغيرة تتسع لـ60 فرداً، إلى جانب قاعة مساحتها 800 متر والتي تعرض التكوينات الصخرية، وتضيء في الليل وتنتج انعكاسات ملونة.

صناعة الزجاج

عندما بدأت الهيئة الملكية للعلا بطرح إنشاء القاعة، حصلت على تصميم أولي، نال بعض التقييمات الإيجابية، لكن لم تكن راضية عن المظهر لأنه لم يعكس شكل المرآة، بينما أرادت الحصول على شيئ أكثر جاذبية واستمرارية واستدامة.

تعاقدت الهيئة مع شركة "Guardian Glass" في إفريقيا والشرق الأوسط، والتي صنعت ما يقرب من ثلاثة آلاف لوح زجاجي من عناصر معدنية فريدة.

اقترح الفريق الجديد تغيير التصميم ليكون مظهر القاعة على شكل مرآة فعلاً، واقترحوا استخدام أحد أنواع الزجاج العاكس من مخازن الشركة، مدعين أنه يوفر جودة صورة فائقة، وخصائص عاكسة خالية من التشويه، لكن تفاجأوا أيضاً أن هذا الزجاج ليس الأفضل لأن المطلوب كان زجاج مرآة مناسب للاستخدام الحقيقي.

وعليه، فإن المطلوب كان إنشاء مرآة عملاقة للغاية في صحراء شاسعة، وهو لغز تقني ولوجستي ضخم في حد ذاته، كما أن الهيئة المالكة طالبت بإنجاز هذا المشروع خلال ثلاثة أشهر فحسب، لأنهم شرعوا في حجز المغنيين وبيعت التذاكر بالفعل لحفل الافتتاح.

حينما بدأوا في العمل، ابتعد المطورون تقليدياً عن استخدام المرايا الحقيقية لبناء واجهات خارجية لعدد من الأسباب. أولاً، لأن متانة المرآة الحقيقية ضعيفة، ويمكن أن تؤدي الأشعة فوق البنفسجية والأشعة تحت الحمراء إلى تآكل طلائها، ما يؤدي إلى خطر سقوط الألواح الزجاجية في أي لحظة.

وثانياً، يبرز خطر جمالي في المرآة التقليدية، إذ من المرجح أن تتسبب الشمس والرطوبة في أكسدة الألواح وتشويهها وتغيير لونها.

لهذين السببين وأسباب تقنية أخرى، طورت الشركة في نهاية الأمر مرآة نحاسية جديدة بطبقة واقية للاستخدام الخارجي، إذ من المعروف أن المعادن النحاسية من أشد العناصر صلابة.

وكانت عملية التطوير معقدة، إذ تمت الاستعانة بمواد خام وشركات أخرى ومعالجين جدد بالحرارة وخبراء تقطيع وطلاء كي ينتجوا مرآة صالحة للاستخدام الخارجي في نهاية الأمر.

وهكذا، نجحوا في إنتاج المظهر الذي تخيلوه في وسط الوادي الذي انعكس على ألواح الزجاج الشفاف، في شكل جذاب ومبهر.

وكان تصميم المرايا هو المفضل في جوائز +Architizer A لعام 2020، عن فئة الهندسة المعمارية والزجاج، وسجّل رقماً قياسياً عالمياً في موسوعة غينيس لأكبر مبنى عاكس.

أحداث فنية

في نهاية عام 2019، أزاحت السعودية الستار عن الواجهة الاستثنائية الجديدة لمسرح مرايا، في حفل أقامته الهيئة الملكية لمحافظة العلا خلال الموسم الثاني من مهرجان شتاء طنطورة.

كانت عملية تطويرها معقدة، إذ تمّت الاستعانة بمواد خام ومعالجين جدد بالحرارة وخبراء تقطيع وطلاء كي ينتجوا مرآة صالحة للاستخدام الخارجي في نهاية الأمر... لفتت قاعة المرايا التي استضافت القمة الخليجية الأنظار منذ افتتاحها، فكيف جرى العمل عليها؟ 

ودعا المسؤولون إلى حفل الافتتاح الذي اعتبره المهندسون تجريباً عدداً من الفنانين العرب من بينهم محمد عبده وماجدة الرومي، مع تقديم عرض "هولوغرام" تجسيمي للراحلة أم كلثوم، وحفلات للموسيقار المصري عمر خيرت.

وعلى المستوى العالمي، تمت دعوة المايسترو الإيطالي أندريا بوتشيلّي، والملحن اليوناني ياني، وعازف الكمان الفرنسي رينو كابيسون وعازف البيانو الصيني لانج لانج.

منتجع جديد

بموازاة ذلك، كشفت الهيئة الملكية عن التصاميم الأولية لمشروع آخر أكثر ضخامة وفي ذات المنطقة، وهو إنشاء منتجع في إحدى وديان محمية شرعان في العلا.

بحسب المهندس المعماري جان نوفيل الذي يعمل في الهيئة الملكية، فإن مصممي المنتجع لجأوا إلى أنماط جديدة في الهندسة المعمارية جرى استلهامها من العمارة النبطية، فبدلاً من البناء فوق المناظر الطبيعية، يتم النحت فيها لينتج عن ذلك عمل فني هو جزء من الطبيعة المحيطة.

وقالت الهيئة على موقعها: "سنقدم لهم تعريفاً جديداً للفخامة والرفاهية، يعتمد على مصادر الطاقة الخالية من الانبعاثات للحد من التأثير البيئي الناتج عن المنتجع"، مشيرة إلى أن المنتجع سيلعب دوراً أساسياً في استراتيجية تطوير العلا، وتسويقها كوجهة عالمية للثقافة والتراث والسياحة المستدامة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard