ضد التيار... محاولات برلمانية حثيثة لتجريم التطبيع في موريتانيا

الأربعاء 6 يناير 202101:58 م

داعيةً إلى سنّه والمصادقة عليه "في أقرب الآجال"، تقدمت ثلاثة أحزاب من المعارضة في موريتانيا إلى البرلمان باقتراح لمشروع قانون "يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني ويحرمه".


أفادت وكالة الأخبار الواسعة الانتشار في موريتانيا بأن الفرق البرلمانية لأحزاب: الصواب التقدمي، والتحالف الشعبي التقدمي، والتحالف من أجل العدالة والديمقراطية، تقدمت ببيان مشترك إلى البرلمان لأجل "الموافقة على لجنة صياغة اقتراح يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني ويحرمه".


"تطهير البلاد من دنس العلاقة الشائنة"

وأضافت أن التجمع البرلماني الذي يقوده النائب عبد السلام ولد حرمة نشر بياناً أفاد فيه بتقديمه المقترح التشريعي إلى الجمعية الوطنية لغرض المصادقة عليه "في أقرب الآجال". 

 

وحثّ النواب في بيانهم بقية الفرق البرلمانية على "بذل جهد تشريعي عاجل يؤكد حقيقة الإجماع الوطني التاريخي الدائم منذ قيام الدولة الموريتانية حول دعم قضايا التحرر العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية".


برّر النواب دعوتهم بأن "جريمة التطبيع عدا كونها خروجاً على إجماع شعوب العالم المحبة للسلم والتحرر ومناهضة الاستعمار، هي اعتراف بكل الجرائم التي قام على أساسها الكيان الغاصب ولا يزال يرتكبها يومياً" بحق الشعب الفلسطيني .

تخوفاً من الضغوط والإغراءات… الفرق البرلمانية لثلاثة أحزاب معارضة في موريتانيا تقترح مشروع قانون "يجرم التطبيع مع الكيان الصهيوني ويحرمه" وتناشد المصادقة عليه "في أقرب الآجال"

واعترفوا ضمنياً بوجود ضغوط على بلدهم للتطبيع في ظل اتساع دائرة التطبيع مع إسرائيل من قبل دول عربية عديدة أخيراً كانت الإمارات، أولاها ولحقت بها البحرين والسودان والمغرب. أورد البيان: "في ظل اتساع دائرة التطبيع ووصول موجته إلى منطقتنا المغاربية والأفريقية، لم يعد خافياً أن هناك ضغوطاً كثيرة يمارسها مروجوه علناً وفي الخفاء لإلحاق مزيد من الدول بقطاره المشؤوم".

 

ولفتوا إلى أن "التحام كل مكونات وأطياف الشعب الموريتاني وتصميمها الجماعي على رفض العلاقة مع الصهاينة" أدى إلى "تطهير البلاد من دنس العلاقة الشائنة التي أقامها النظام السابق"، زاعماً أن تطبيع نظام الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز مع إسرائيل  كان "من أهم أسباب بُغضه والخروج عليه والقضاء على وجوده في النهاية". 


وانتقل الحكم في موريتانيا من ولد عبد العزيز إلى سلفه محمد ولد الغزواني في حزيران/ يونيو عام 2019 عقب انتخابات رئاسية اتهم معارضون النظام بتزويره لصالح رجلهم، الغزواني، لكن سرعان ما دب الخلاف بين ولد عبد العزيز والغزواني عقب ما قيل إنه إصرار من الرئيس السابق على التدخل في شؤون الحكم.


موريتانيا بين التطبيع والمقاطعة

نهاية تسعينات القرن الماضي، كان الرئيس الموريتاني آنذاك معاوية ولد سيدي أحمد الطايع أول من بدأ التطبيع مع إسرائيل في محاولة منه لإيجاد تحالف يدعم حكمه المستبد عقب تخلي فرنسا عنه.

حثّ النواب في بيانهم بقية الفرق البرلمانية على "بذل جهد تشريعي عاجل يؤكد حقيقة الإجماع الوطني التاريخي الدائم منذ قيام الدولة الموريتانية حول دعم قضايا التحرر العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينية"

أخذت هذه العلاقة شكلها الرسمي عام 1999 لتصبح موريتانيا البلد العربي الثالث الذي يطبّع رسمياً بعد مصر والأردن، وتنوعت مجالات التطبيع اقتصادياً ودبلوماسياً وأمنياً وبلغت أشدها في عهد ولد عبد العزيز.


في العام 2009، وكردّ فعل على العدوان الإسرائيلي على غزة، أعلن ولد عبد العزيز تجميد علاقات موريتانيا مع إسرائيل، قبل قطعها رسمياً في العام التالي وإغلاق السفارة الإسرائيلية في العاصمة نواكشوط.


وفي حين أشيع أن الخطوة أتت رضوخاً لضغط الشعب الموريتاني، قال بعض المحللين السياسيين في موريتانيا إن الرئيس السابق خضع لإغراءات القطريين آنذاك، وقرر تجميد العلاقات الموريتانية الإسرائيلية. وجهت اتهامات بالفساد والخيانة العظمى لولد عبد العزيز حديثاً على خلفية قضايا عديدة، بينها تبادل هدايا باهظة مع حاكم قطر السابق الأمير حمد بن خليفة.

كانت موريتانيا ثالثة الدول العربية التي طبّعت مع إسرائيل نهاية تسعينيات القرن الماضي، وبلغت العلاقات التي تنوعت دبلوماسياً واقتصادياً وأمنياً أشدها في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز قبل أن تُجمّد تعاطفاً مع الشعب الفلسطيني عقب العدوان على غزة عام 2009

عام 2016، انتشرت تكهنات بأن ولد عبد العزيز الذي كان قد أنهى تودده إلى قطر آنذاك، كان على وشك استئناف التطبيع مع إسرائيل بعد تعديل وزاري أدخل فيه الرئيس كلاً من سفير نواكشوط السابق في تل أبيب أحمد ولد تكدي، الذي عُرف بـ"رجل إسرائيل القوي"، والمحاسب السابق للسفارة الإسرائيلية جا مختار ملل، إلى حكومة الوزير مولاي ولد محمد الأغظف، إذ اعتبر ذلك إشارة إلى عودة العلاقات الموريتانية الإسرائيلية. عُيّن الأول سفيراً لدى واشنطن، والثاني وزيراً للتعليم الأساسي، قبل ترقيته أميناً عاماً للحكومة في أرفع منصب حساس يمكن أن يوكل لرجل خدم إسرائيل.


وتعددت التقارير عن احتمال انضمام موريتانيا إلى قائمة الدول العربية المطبعة، مع تأكيدات بوجود إغراءات و/ أو ضغوط من الولايات المتحدة وحلفائها وعلى رأسهم الإمارات. ما أثار الريبة أكثر هو تعليق وزارة الخارجية الموريتانية عقب إعلان التطبيع الإماراتي إذ أعربت في بيان عن "ثقتها المطلقة" بحكمة قيادة الإمارات ومراعاتها "مصالح الأمة العربية خاصة الشعب الفلسطيني  في أي موقف تتخذه"، معترفة لأبو ظبي بـ"السيادة المطلقة، والاستقلالية الكاملة في تسيير علاقاتها وتقدير مواقفها وفق مصالحها الوطنية".


لكن الصحافي والناشط الموريتاني محمد الأمين ولد الفاضل، على سبيل المثال، يرى أنه بحسابات العقل والتحليل "موريتانيا كانت أكثر قرباً إلى التطبيع في الأسابيع الماضية منها في الوقت الحالي أو المستقبل القريب" لتكون بين "الدفعة الأولى من لائحة المطبعين"، لافتاً إلى أن أية ضغوط مستقبلية لن تكون بحجم سابقتها.


واعتبر أن بلاده "تمكنت من تجاوز الضغوط القوية" من إدارة الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب ومن الإمارات و"النجاة من شر التطبيع" إذ ليس لديها ما تُساوَم عليه مثل المغرب الذي فاز باعتراف أمريكي بمغربية الصحراء الغربية المتنازع عليها مقابل تطبيعه مثلاً.


ويبدو أن النواب الموريتانيين خشوا من الضغوط والإغراءات المزعومة فآثروا اتخاذ الخطوة الاستباقية بالدعوة إلى تجريم التطبيع. وليس واضحاً بعد مصير هذا القانون المقترح وفرص تشريعه وتفعيله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard