بين ليلة وضحاها... كيف يعمل البعض على تحويل التطبيع من "وصمة" إلى "واجب"

الثلاثاء 24 نوفمبر 202011:40 ص
Read in English:

In A Blink of An Eye, Normalization Goes from Stigma to “Normal”

الصورة التي نُشرت للممثل المصري الأشهر محمد رمضان مع المطرب الإسرائيلي عومير آدام كانت كفيلة بفتح نيران جهنم عليه، ليس فقط من جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، بل أيضاً من إعلاميين محسوبين على النظام مثل أحمد موسى الذي وصف الصورة بأنها مصيبة.

منذ أن وقّع الرئيس المصري محمد أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978، والتي اتّهمته الدول العربية على أثرها بالخيانة، وحتى أعوام قليلة مضت، كان التعامل مع إسرائيل تهمة شائنة ووصمة عار تلاحق مُقترفها.

مرّت عقود وتبدّلت أسماء ومواقف، وها هي العواصم العربية تعلن الواحدة تلو الأخرى دخولها في ركب "السلام" الذي أدانت "مقترفيه" سابقاً. لكن ما لم يكن ليخطر على بال أحد هو أن يتحوّل التطبيع بين ليلة وضحاها من "وصمة" إلى "واجب"، وأن يطالب البعض بالتوقف عن معاقبة المطبعين في الأقطار العربية أو بسنّ قوانين تعاقب مَن "يعرقل" التطبيع… فسبحان مغيّر الأحوال.

قانون بوكر-بورتمان

في خطوة بدت مفاجئة لكثيرين، تقدّم عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي كوري بوكر وروب بورتمان بمشروع قانون "تعزيز الإبلاغ عن الإجراءات المتّخذة ضد تطبيع العلاقات مع إسرائيل".

ويطالب المشروع وزير الخارجية الأمريكي بتقديم تقرير سنوي عن الحالات التي قامت فيها الحكومات العربية بملاحقة المطبعين مع إسرائيل.

وذكر مشروع القانون أنه في الوقت الذي ترسل بعض حكومات الدول العربية إشارات إيجابية بشأن تعزيز التعاون مع إسرائيل على المستوى الحكومي، يواصل معظمها اضطهاد مواطنيها الذين أقاموا علاقات شخصية مع إسرائيليين في المنتديات غير الحكومية، وذلك من خلال مزيج من الإجراءات القضائية وإجراءات عقابية أخرى خارج نطاق القانون.

وحتى الآن، ما زالت بعض الدول العربية تحتفظ ببعض القوانين المناهضة للتطبيع والتي تعاقب مواطنيها على علاقاتهم الشخصية مع إسرائيليين، بعقوبات تشمل السجن وإسقاط الجنسية وقد تصل إلى الإعدام، فضلاً عن اتهامات لهم بالخيانة في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة، ووضعهم على القوائم السوداء ونبذهم مجتمعياً.

مشروع القانون المذكور لن يلزم وزير الخارجية الأمريكي بمراقبة ورصد أي تضييقات حكومية على المطبعين في البلدان العربية فحسب، بل سيسعى إلى العمل على تنقية القوانين العربية من كل ما هو معادٍ لإسرائيل أو للتطبيع، مثل قانون 1975 في مصر الذي يُسقط الجنسيه عن كل مَن تجنّس بالجنسيه الإسرائيلية، أو قانون 69 في الكويت الذي يعتبر أي تعامل مع إسرائيل خيانة، وغيرها من قوانين شتى في بلدان عدة تتحرك في نفس المسار.

المفارقة المدهشة هنا أن المشروع الأمريكي جاء مستنداً على الطرح الذي تقدّم به وفد "المجلس العربي للتكامل الإقليمي" خلال زيارته للجمعية الوطنية الفرنسية في شباط/ فبراير 2020، والذي يضم أسماء عربية بارزة مثل النائب المصري محمد أنور السادات ووزير الإعلام الكويتي السابق سامي عبد اللطيف النصف.

السؤال هنا: ما هو "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"؟ وما قيمته حتى يستند مشرّعون في الكونغرس على طرحه في فرنسا لسنّ قوانين؟

للإجابة على هذا السؤال، علينا أن نعود قليلاً إلى حزيران/ يونيو 2017، حين نجحت جهة غير معلومة في اختراق بريد سفير الإمارات لدى واشنطن يوسف العتيبة الإلكتروني، وسرّبت بعض محتوياته لموقع "The Daily Beast"، وقيل حينها إن عملية الاختراق هذه أتت رداً على اختراق وكالة الأنباء الرسمية القطرية ونشر تصريحات محرجة للأمير تميم بن حمد تتعلق بالتعامل الأمريكي "العدائي" تجاه إيران، ودعم بلاده لحزب الله.

"المنطقة تشهد تحوّلات دراماتيكية. فمنذ أعوام قليلة مضت لم يكن أحد يجرؤ على ذكر كلمة التطبيع بإيجابية على الملأ، أما اليوم فهنالك مَن يذهبون بأرجلهم وأمام عدسات الكاميرا إلى عواصم غربية للمطالبة بوقف ملاحقة المطبعين، وتنقية قوانين بلادهم مما هو ضد التطبيع"

وبعيداً عن خلفيات الصراع الخليجي-الخليجي والاختراقات المتبادلة، ما يهمّنا هنا هو أن تسريبات رسائل يوسف العتيبة الإلكترونية احتوت على مراسلات بينه وبين دنيس روس، المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط، أشارت إلى رغبة الإمارات في التحرك قدماً صوب تطبيع علاقاتها مع إسرائيل ودعم المراكز البحثية التي تعمل في هذا الاتجاه.

قيمة دنيس روس هنا لا تكمن في كونه دبلوماسياً سابقاً كان مسؤولاً عن ملف الشرق الأوسط ولعب دوراً حيوياً في اتفاق أوسلو-2 للسلام فحسب، لكنها تكمن أيضاً في منصبه الحالي كمدير مركز اتصالات السلام، وهو المركز الذي سيلعب دوراً بالغ الأهمية في مسار التطبيع لاحقاً.

مركز اتصالات السلام

في نيسان/ أبريل 2019، وبعد مضي أكثر من عامين على مراسلات دنيس روس ويوسف العتيبة عن التطبيع ونشر السلام في منطقة الشرق الأوسط، تأسس مركز جديد في لندن تحت اسم "مركز اتصالات السلام" وعُيّن دنيس روس مديراً له.

الهدف الأساسي للمركز المعلن على موقعه الرسمي هو: العمل على تعزيز ثقافة الاندماج والمشاركة بين الشعوب و"ردع" الإيديولوجيات المحرّضة على الانقسام. بالطبع لا يوجد تصريح واضح حول جهة تمويل المركز، لكن المؤشرات كلها تشي بأننا إزاء تمويل إماراتي سخي.

"ما لم يكن ليخطر على بال أحد هو أن يتحوّل التطبيع بين ليلة وضحاها من ‘وصمة’ إلى ‘واجب’، وأن يطالب البعض بالتوقف عن معاقبة المطبعين في الأقطار العربية أو بسنّ قوانين تعاقب مَن ‘يعرقل’ التطبيع… فسبحان مغيّر الأحوال"

بجانب دنيس روس، هنالك فريق عمل متنوع الجنسيات، لكن الاسمين الأبرز بينهم هما جوزيف براودي، رئيس المركز، وهو باحث أمريكي يجيد العربية والفارسية بجانب العبرية، وله كتاب يحمل عنوان "الاسترداد" يتحدث فيه عن كيفية وضع استراتيجية تعمل على إيقاف الرسائل المعادية للسامية في وسائل الإعلام العربية، والصحافي المصري مصطفى الدسوقي، مدير تحرير مجلة "المجلة" العربية الصادرة من لندن.

ومركز اتصالات السلام يعمل على ثلاثة برامج أساسيه:

الأول: برنامج النشر، وهو المنوط به نشر مقالات وأبحاث وكتب، تتحرك كلها في إطار فلسفة المركز.

الثاني: برنامج جيمينا-العربية، وجيمينا بالأصل هي منظمة يهودية تأسست عام 2001 في سان فرانسيسكو وهدفها إحياء الحركة اليهودية الثقافية والاجتماعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفریقیا.

الثالث، وهو الذي يهمنا أكثر هو: "المجلس العربي للتكامل الإقليمي"، وجرى تدشين هذا المجلس في مؤتمر عُقد في لندن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 بحضور نحو 30 شخصية من 15 دولة عربيه بجانب شخصيات إسرائيلية، وفيه أعلن عن أهداف المجلس التي تتمحور بالأساس حول مبدأ عدم إقصاء أي دولة في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، من جهود التعاون والشراكة في مختلف المجالات.

مؤتمر إطلاق المجلس العربي للتكامل الإقليمي (الصورة منقولة عن صفحة المجلس على فيسبوك)

ومن أبرز الأسماء العربية التي تشارك في عضوية المجلس سامي النصف، وزير الإعلام الكويتي السابق، البرلماني المصري محمد أنور السادات، والصحافي الجزائري سامي باعزيز.

مبادرة المجلس لحماية "صنّاع السلام"

تحرك وفد من المجلس العربي للتكامل الإقليمي وذهب إلى باريس ليدلي أعضاؤه بشهاداتهم أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، ويعلنوا عن مبادراتهم الجديدة التي توصي بتوفير وسيلة تشريعية لحماية المطبّعين العرب مع إسرائيل من الملاحقات، ومواجهة ما يُسمّى بـ"قوانين مكافحة التطبيع". وقد نجحوا في الحصول على دعم 16 نائباً في البرلمان الفرنسي أصدروا بياناً أعربوا فيه عن دعمهم المطلق للمبادرة .

هذه المبادرة تحديداً هي التي استند عليها عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي كوري بوكر وروب بورتمان ليتقدّما بمشروع قانون يلزم وزير الخارجية الأمريكي بمراقبة أي تضييقات حكومية على المطبعين في البلدان العربية، ويحثه على دفع الحكومات لتنقية قوانينها من كل ما هو ضد التطبيع.

لا أحد يمكنه التنبؤ بما سيحدث لهذا المشروع، خاصةً في ظل تغير الإدارة الأمريكية، لكن المؤكد أن المنطقة تشهد تحوّلات دراماتيكية مدهشة. فمنذ أعوام قليلة مضت لم يكن أحد يجرؤ على أن يذكر كلمة التطبيع بإيجابية على الملأ، أما اليوم فهنالك مَن يذهبون بأرجلهم وأمام عدسات الكاميرا إلى عواصم غربية للمطالبة بوقف ملاحقة المطبّعين، وتنقية قوانين بلادهم من كل ما هو ضد التطبيع... فسبحان مبدّل الأحوال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard