"قد يدفعهن إلى الانتحار"... نساء يلجأن إلى "محرري الصدمات" بدلاً من الطبيب النفسي؟

الأحد 3 يناير 202103:50 م


في مشهد يشبه ما نراه في أفلام السينما: إضاءة خافتة، فتاة معصوبة العينين ممددة على شيزلونج، تبدو مستسلمة، تنبش في ذكريات قديمة، وتتلمّس آثار صدمات لم تشف منها بعد.

المعالج هنا ليس طبيباً نفسياً، إنه شخص عادي حصل على دورات، والمريض هو شخص سليم عضوياً، لكنه يعاني نفسياً من آثار وقائع وصدمات قديمة، كان بطلها أو ضحيتها في مرحلة ما من حياته. وقائع مثل الاغتصاب، التحرّش الجنسي، التنمّر، الإفلاس، الفقدان المفاجئ لشخص عزيز، وكذلك الخيانة والطلاق.

تحرير الصدمات أو "اللايف كوتشنج"  والتنمية البشرية، مصطلحات أصبحت شائعة على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت منصة الانطلاق للباحثين\ات عن إثبات ذواتهم في هذا المجال المستحدث، والمستنسخ عن وظيفة الطبيب النفسي، بهدف كسب ثقة المتابعين/ات، باعتبارهم زبائن محتملين، خصوصاً أن الفكرة تعتبر بديلاً مقبولاً عند طيف واسع من المجتمع المصري مقارنة بزيارة الطبيب النفسي، إذ يرى البعض أن التردد على تلك العيادات يحمل وصمة اجتماعية.

في جلسات تحرير الصدمات، وعن طريق أسئلة بعينها، يستطيع المعالج أن يعيد المريض سنوات للوراء، واسترجاع مشاعر توّهم أنها لم تعد موجودة، يحكي لأول مرة عن أكثر أوجاعه وهزائمه، ليس رغبة في تدوير مخزون الحزن، ولكن لتحرير الروح، ويصل الأمر للبكاء والصراخ، في محاولة لتجديد القدرة على الشعور بالاطمئنان، والعيش بدون خوف، بحسب من تحدثت معهم رصيف22.

"أمي هي السبب"

رانيا (اسم مستعار) ربة منزل، تقول: "كنت أصاب بنوبات من الهلع والهلاوس، وأشعر بالاختناق كأنني في لحظات الموت الأخيرة، أعيش باستمرار هذه المشاهد المؤلمة. ترددتُ على أطباء وشيوخ دون جدوى، وعندما اتخذت قرار الذهاب لمحرر صدمات، شعرت أن الأمر حقيقي وأنني أقترب من أصل المشكلة. وبعد عدة جلسات اكتشفت أن أمي هي المسؤولة عما وصلت له حالتي النفسية، فقد كانت تحدثني كثيراً عن عذاب القبر، منذ أن كان عمري 7 سنوات، وكانت تخيفني من كل شيء تقريباً، لدرجة أنني كنت أخاف من المشي في الشارع".

بعد خضوع رانيا لجلسات محرّر الصدمات، المهنة التي لا يعترف بها الأطباء النفسيون المختصّون، كرهت والدتها أكثر، بسبب حديثها عن عذاب القبر وهي صغيرة

وتوضح رانيا في حديث لرصيف22: "كنت أضمر لأمي كراهية شديدة، فالأمر لم يكن مقتصراً على مشاهد الخوف التي كنت أعيشها، ولكن بعد زواجي كنت أشعر أثناء الممارسة الحميمة مع زوجي أنني أرتكب فعلاً غير أخلاقي، وكنت أصاب بنوبات من التشنج ظلت تلازمني حتى بعد مرور 10 سنوات على زواجي".

وتابعت: "بعد مرور عام على لجوئي للعلاج بطريقة تحرير الصدمات (مازلت أخضع لجلسات علاجية، مرة أسبوعياً) وجدت مبرراً لما كانت تفعله أمي معي، سامحتها وتفهمت أن حبها الشديد لي وخوفها الزائد علي، جعلاها تخيفني من الواقع، وهو ما دفعني لاتباع أسلوب مختلف تماماً عن طريقة أمي في تربية أبنائي".

الجلوس أمام محرر الصدمات، حسب وصف رانيا، "مرهق جداً، ولم يكن وقتاً للدردشة والتسلية مع شخص يدفعني للغوص في أعماقي"، مضيفة: "عندما كنت أتذكر بعض الأحداث، وأدخل في عالم ما يسمى بـ(المصفوفة) أنفصل عن الواقع، وأصاب أحياناً برعشة وأحياناً بحالة إغماء".

ريم لبيب، مهندسة ديكور، تسكن في الإسماعيلية (34 عاماً)، تعرضت في الصغر للتنمّر وسخرية بعض المحيطين منها، وسماعها للكثير من التعليقات السلبية، حتى من والدها الذي كان ينتقدها بصورة دائمة ولا يحترم رغباتها طوال فترة الطفولة والمراهقة، وهو ما أفقدها ثقتها بنفسها وجعلها تصدق كل ما يقوله المحيطون بها عنها.

تشكو ريم كثيراً من طريقة معاملة أهلها لها، كانت ترى آباء وأمهات أصدقائها وأقاربها يتعاملون مع أبنائهم بشكل مختلف، تقول: "كنت أتمنى أن يعاملني والدي بنفس الطريقة، لكنت تربيت على أن قيمتي لا يحددها رأي الآخرين، وفي سبيل ذلك، بذلت جهداً أرهقني وفاق قدراتي بهدف الحصول على إعجاب المحيطين".

وتابعت: "بعد الجلسات تعلمت كيف تصبح أهدافي لذاتي، وهو أمر جعلني سعيدة وراضية، وتقبلت نفسي كما هي وزادت ثقتي بها أكثر، وسامحت والدي".

توجز ريم تجربتها مع محرر الصدمات، قائلة: "كانت مفيدة بالنسبة لي".

"مجرد تخاريف"

آلاء محمد، موظفة في بنك، تسكن في القاهرة (32 عاماً) كانت تعاني من فوبيا التلامس الجسدي، تقول: "بعد خضوعي لجلسات تحرير الصدمات، شعرت بأن هناك تغيراً، ذهبت لأبي، وطلبت منه أن يحضنني، واستمتعت كثيراً بهذا الحضن، وشعرت أنني كنت أفقد مثل هذا الشعور".

الحقيقة أن آلاء اكتشفت أن كراهيتها للتلامس وخوفها من اقتراب أحد منها، كانت مجرد حيل دفاعية، لأنها اعتادت في طفولتها على سماع جمل مثل "متقربيش منى"، "ابعدي شوية".

أما نوسة صبري، تعمل في تصميم الديكور، فتقول لرصيف22: "ذهبت لمحرر الصدمات بعد وفاة أمي، التي توفت بعد أبى بـثلاثة شهور، شعرت حينها بعدم الرغبة في الحياة، وافتقدت شعوري بالشغف، خصوصاً أنني غير متزوجة وأعيش بمفردي في المنزل، وأحياناً كثيرة كنت أشعر بالحنين لهما والرغبة بالحديث معهما".

عرفت نوسة محرري الصدمات من فيسبوك، وتواصلت مع المدرب. كانت تعاني من صدمة الفقد، واكتشفت أنها تكره منزلها، وأنه سبب تعميق إحساسها بالوحدة.

عن فعالية محرري الصدمات، تقول: "تحرير الصدمة لا يعني زوال الذكرى، ولكنه يزيل الشعور بالصدمة".

وعن أجواء الجلسات، تقول نوسة: "من الصعب وصفها، لأنها تختلف حسب منهجية محرر الصدمات ونوع الصدمة، وإمكانية إجراء الجلسات عبر التليفون أمر يضيف سهولة ومرونة"، حسب وصفها.

من ناحية أخرى، تعتبر زيزي محمود، ربة منزل، تسكن في القاهرة (60 عاماً)، الأمر بأنه "مجرد تخاريف"، تقول إنها وشقيقاتها وكل صديقاتها مررن بصدمات نفسية وعاطفية في فترات عمرية مختلفة، ورغم ذلك كن يتجاوزن أثرها، خاصة بالتمسك بالدين، و"الرضا بما كتبه الله، وعدم الانغماس في المشاعر السلبية والذكريات المؤلمة".

التصالح مع الحوادث الأليمة

أيمن فتيحة، لايف كوتشينج، وأحد أشهر محرري الصدمات، يقول لرصيف22: "دوري مساعدة الشخص على الرجوع للحادث المؤلم ومعايشته مجدداً، من خلال تقنيات بسيطة واحترافية، فتتحرر مشاعره، ليعود بعد ذلك لحالته الطبيعية قبل الصدمة، ويجد نفسه متصالحاً تدريجياً مع الحادث، عندما يتذكره أو يتحدث عنه".

وأضاف فتيحة: "الاهتمام بتقنية تحرير الصدمات بدأ ينتشر في مصر والعالم العربي"، مؤكداً على ضرورة حصول محرر الصدمات على شهادات من جهات معتمدة، وخضوعه للتدريب على تقنيات عدة. وكلّما حرص على تطوير ذاته، أصبح أكثر احترافية في التعامل مع الصدمات والشخصيات المختلفة.

وعن أسعار الجلسات ووصف البعض لمهنتهم بأنها "مجرد بيزنس"، يقول فتيحة: "نعم، جزء من الموضوع مرتبط بالماديات، والحصول على أجر مقابل الجلسات أمر طبيعي، لأنني أقدم خدمة تساعد الناس على تطوير حياتهم للأفضل، فالأمر لم يعد رفاهية".

"مدة الجلسة الواحدة ساعة، وغالباً تكون مرة واحدة في الأسبوع، وعدد الجلسات يختلف من حالة لأخرى، وحسب عمق الصدمة وتاريخها، خاصة وأن بعض الحالات لديها مقاومة داخلية، وهنا يجلس المريض ويغمض عينه، ويبدأ في استعادة الموقف بنفس أحاسيس وقت حدوثه، وهنا قد يدخل الشخص في نوبة بكاء أو يتنهد بشكل واضح".

تحرير الصدمات

تحرير الصدمات عن طريق تقنية الـ "peat"، وسيلة تستخدمها نور بكري في مجال علاج العلاقات ومشاعر المرأة، تلك التقنية أسسها البروفيسور زيفورا دسلافينسكي، ممارس الطب النفسي عام 1999، وهي مجموعة تقنيات تعمل على إعادة الاتزان وإزالة الصدمات من العقل الباطن، بحسب بكري.

وعن الفارق بين محرر الصدمات والطبيب النفسي، تقول نور لرصيف22: "الطبيب رجل أكاديمي متخصص يعالج أمراضاً نفسية، مثل الفصام والاكتئاب الحاد والوسواس القهري، ويستخدم الدواء المناسب لكل مريض، ويلجأ للقياسات النفسية، بينما يتعامل محررو الصدمات مع مشاكل حياتية وتجارب وصدمات في الماضي".

"النجاح في هذا المجال لا يعتمد على الشهادات التعليمية".

وتلفت نورا إلى أن النجاح في هذا المجال "لا يعتمد على الشهادات التعليمية، بقدر اعتماده على المهارات الشخصية، كالذكاء العاطفي، وأن يكون المعالج سوياً نفسياً"، بحسب تعبيرها.

وعن الصعوبات التي تواجهها، تقول نورا لرصيف22: "البعض ليس لديه القدرة الكافية على التواصل مع مشاعره، ويرفض التعبير عنها بسبب سخرية الآخرين منه في مواقف سابقة، بسبب التعبير عن رأيه، وفي هذه الحالة أساعده في التعبير عن نفسه، وأحرص على أن تتم الجلسة في أجواء من الخصوصية".

وتصف تقنية الـ"بيت" بأنها بسيطة، ويستطيع الشخص تطبيقها على نفسه، ويمكن استخدامها مع الأطفال أيضاً. نفس الطريقة تستخدمها دعاء كامل، مدربة الوعي ومحررة الصدمات، والتي ترى أن العلاج بتلك التقنية لم ينتشر بالشكل المناسب حتى الآن.

"محررو الصدمات و اللايف كوتشنج وغيرها مسميات مستحدثة، تستخدم في خداع الناس، واستغلال أمراضهم النفسية، واللجوء إليهم قد يدفع المريض إلى الانتحار أحياناً"

وعن أهم مواصفات محرر الصدمات، الصبر والقدرة على التفهم، عدم تصنيف الناس واستيعاب اختلافهم، ومهارة توجيه الأسئلة، بحسب حديث دعاء لرصيف22.

وعن آراء المشككين في جدوى تحرير الصدمات، تُعزي دعاء ذلك لمن وصفتهم بـ "المشعوذين والنصابين، ممن يعتمدون على الفهلوة"، حسب وصفها.

"دخلاء على مهنة الطب".

ويختلف معها الدكتور توفيق ناروز، استشاري الطب النفسي، وزميل الجمعية الأمريكية للطب النفسي، وزميل الكلية الملكية للأطباء النفسيين بإنجلترا، إذ اعتبر "محرري الصدمات" و "اللايف كوتشنج" مسميات مستحدثة، تستخدم في خداع الجمهور واستغلال أمراضهم، مشدداً على أن "ممارسيها ليست لديهم أي دراية بالأمراض النفسية ودخلاء على مهنة الطب".

وحذّر زميل الجمعية الأمريكية للطب النفسي من استخدام تقنيات تعود بالمريض إلى الماضي، وتذكره بأمور في اللاوعي، مثل الاعتداءات الجنسية وغيرها، ما قد يؤدي إلى دفعه للانتحار أحياناً، لافتاً إلى أن "هذه الجلسات لا تتم داخل عيادات طبية ولا تكون تحت الإشراف الطبي، وقد تتم في المقاهي، وأحياناً في المطاعم".

وأشار ناروز إلى أن محرر الصدمات لا يحصل على أي شهادات علمية، ولكنه يحصل على دورة تدريبية على الإنترنت، مدتها 6 أسابيع، وأحياناً 6 ساعات فقط، وهو ما يتطلب تصدّي الجهات الرقابية لهؤلاء.

وينهي ناروز حديثه قائلاً لرصيف22: "الطب النفسي الحديث مبني على الدراسات والأبحاث العلمية، ويستخدم العلاج المعرفي السلوكي المعترف به دولياً، لعلاج الاكتئاب النفسي والقلق والوساوس القهرية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard