"حلفاء الضرورة"... الترتيبات المصرية للتعامل مع جو بايدن

الأربعاء 30 ديسمبر 202012:24 م

"تجعل منّا الجغرافيا جيراناً، ويجعل منّا التاريخ أصدقاء، ويجعل منا الاقتصاد شركاء، وتجعل من الضرورة حلفاء" (جون كنيدي).

حلفاء الضرورة. ربما هو أفضل وصف للعلاقة بين النظام المصري والولايات المتحدة. فالضرورة أو البراغماتية خلقت الشراكة بين البلدين. أنشأ النظام المصري علاقات عبر الزمن مع واشنطن تهدف إلى تحقيق مكاسب في دعم أدوات القوة التي يمتلكها، بشرط تحييد ومنع أي تأثير ثقافي أو قيمي من القيم السياسية الأمريكية على الداخل المصري.

لدى المصريين خطة بسيطة ومباشرة: نحكم بسلطوية شديدة تمنع نمو أي معارضة من أي نوع يهدد استمرار الحكم العسكري، وفي نفس الوقت نحتفظ بصداقة مع الولايات المتحدة والغرب دون أن تتأثر طبيعة الحكم بهما.

ولدى النظام المصري تكتيكات فعالة لتحقيق هذه الخطة تأخذ شكل صفقات أسلحة سخية، وتعاون أمني نشط في جنوب المتوسط، وقدرات جيدة على مغازلة اليمين الحاكم في أوروبا والولايات المتحدة.

تدعم النظام المصري في هذا التوجه أحزاب ذات توجه يميني تشارك النظام المصري والرئيس عبد الفتاح السيسي رؤيته بأن الديمقراطية ليست حقاً يتساوى فيه البشر عبر العالم، أو على حسب قول السيسي، هنالك فجوة حضارية بين مصر والغرب تستتبعها معاملة تفضيلية للإنسان في الغرب عن الإنسان في الشرق.

لكن اليمين تعرّض لانتكاسة كبيرة في الولايات المتحدة بهزيمة ترامب، الحليف المفضّل لدى "الديكتاتور المفضّل". جعل ذلك النظام المصري في مواجهة غير مستحَبّة مع رئيس أمريكي لديه قاعدة كبيرة تضغط عليه لصناعة سياسات تنحاز إلى "القيم الأمريكية" وبناء التحالفات الديمقراطية ومواجهة خطر السلطوية في العالم.

لكن حتى مع تراجع اليمين وهزيمة ترامب، لا يملك النظام المصري ترف إنهاء شراكته مع الولايات المتحدة خاصة في العلاقات العسكرية والأمنية. فمصر ثاني أكبر متلقٍّ للمعونة الأمريكية بعد إسرائيل، بإجمالي 1.4 مليار دولار سنوياً، تُخصص نسبة 89% منها للتعاون العسكري و11% فقط للتعاون الاقتصادي، ما يوحي بعسكرة كبيرة للمعونات وبدعم لا يمكن الاستغناء عنه للمؤسسة العسكرية، لتدعيم قدراتها العسكرية والسياسية.

تضاعفت أزمة عدم الثقة أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة حين غرد الرئيس الأمريكي المنتخَب جو بايدن بعد الإفراج عن المصري الأمريكي محمد عماشة: "لا مزيد من الشيكات على بياض لديكتاتور ترامب المفضّل"، قاصداً السيسي.

فما هي سياسات وتكتيكات نظام السيسي في البيئة الدولية والتي تهدف إلى احتواء حالة عدم الثقة المحتملة مع الإدارة الأمريكية القادمة؟

بناء شبكة تحالفات وسيطة

لم يكتفِ النظام المصري بتحالفاته مع إدارة ترامب، بل أسس شبكة من التحالفات الوسيطة استخدم فيها ما يمكن أن نسمّيه "دبلوماسية المناورات العسكرية" ووجّهها في عدة محاور.

المحور الأول كان المحور الأورو-متوسطي والذي حاول من خلاله تشكيل تحالف له هدفين: أولاً، تأمين خطوط الطاقة في شرق المتوسط وساعدته في ذلك السياسات المتهورة لتركيا في المنطقة؛ ثانياً، التعاون في منع الهجرة غير النظامية في البحر المتوسط. أسهم هذا التوجّه في تشكيل تحالف يضم مصر واليونان وقبرص وفرنسا وإيطاليا وصولاً إلى المملكة المتحدة وبدرجة ما الإمارات التي تحاول أن تمارس ضغوطاً على تركيا على أكثر من جبهة.

نشطت دبلوماسية المناورات المصرية في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بشكل ملحوظ. ففي الرابع منه، أقامت مصر مناورات بحرية في شمال المتوسط مع فرنسا، وفي 12 من الشهر نفسه شاركت مصر مع المملكة المتحدة في مناورات T-1 البحرية، وفي الأول من كانون الأول/ ديسمبر شاركت في مناورة "ميدوزا" البحرية في شرق المتوسط والتي ضمت بجانب مصر كلاً من قبرص، اليونان، فرنسا، والإمارات.

بخلاف تحالفات المتوسط، تدشّن مصر تحالفات عربية تستخدم فيها نفس دبلوماسية المناورات ولكن مسرحها البحر الأحمر وقاعدة محمد نجيب، في محاول لاستغلال التهديد الإيراني لدول عربية خليجية وغير خليجية في أكثر من جبهة بما فيها البحر الأحمر والخليج ومناطق أخرى.

ففي تموز/ يوليو 2019، شاركت الولايات المتحدة ومصر والمملكة السعودية والإمارات في مناورات "تحية النسر" البحرية في البحر الأحمر، وفي كانون الثاني/ يناير 2020 انطلقت مناورات مورجان 16 البحرية في البحر الأحمر بين مصر والسعودية، وفي تشرين الثاني/ نوفمبر أيضاً نفّذت القوات المسلحة لكل من مصر والسعودية والإمارات والسودان والأردن والبحرين مناورات "سيف العرب" في قاعدة محمد نجيب العسكرية، شمال غرب مصر.

تشابكت خطوط التحالف المصري بكثافة، ما يصعّب على أي إدارة أمريكية مستقبلية ممارسة ضغوط كبيرة على النظام المصري، نظراً لما لديه من علاقات لها جانب أمني مع حلفاء مهمين للولايات المتحدة مثل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والدول الخليجية، وما يمثّله النظام المصري من نقطة توازن في الصراعات الأمريكية المحتملة مع كل من تركيا (بدرجة قليلة) وإيران (بدرجة أكبر).

"لدى المصريين خطة بسيطة ومباشرة: نحكم بسلطوية شديدة تمنع نمو أي معارضة من أي نوع يهدد استمرار الحكم العسكري، وفي نفس الوقت نحتفظ بصداقة مع الولايات المتحدة والغرب دون أن تتأثر طبيعة الحكم بهما"

وفطن النظام المصري لذلك، فعزز علاقاته بنظام يميل يميناً مثل نظام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي كان السيسي أوّل مَن مدّ له يد العون لتحسين صورته بعد حملات المقاطعة الأخيرة لفرنسا، وذلك في زيارة مُنح السيسي فيها أعلى وسام فرنسي وأُكّد فيها على عمق التحالف بين الرئيسين ذوي الميول اليمينية، كل على طريقته.

التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب

ربما أكثر ما يقلق نظام السيسي من الإدارة الأمريكية القادمة هو عدم اتفاق بايدن مع الرؤية التي تضع الإسلاميين كلهم في سلة واحدة، بداية من القاعدة وداعش حتى الإخوان المسلمين، بما يستلزم استهدافهم جميعاً بنفس السياسات الأمنية العنيفة.

هذه هي المقاربة التي تبنّتها الإمارات، والسعودية، ومصر وحلفائهم. ولكن بايدن والحزب الديمقراطي لا يحبّذانها بشكل عام، إذ يضع الرئيس الأمريكي المنتخَب خطوطاً فاصلة بين ما يسميهم بالإسلاميين غير الجهادين والإسلاميين الجهادين.

هذا الاختلاف لا يجعل إدارة بايدن تتجاهل حقيقة وجود إرهاب جهادي راديكالي يهدد المصالح الأمريكية بشكل كبير في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا وفي إقليم الساحل جنوب الصحراء. هذا التهديد يجعل التنسيق الأمني مع الجانب المصري الذي يخوض مواجهة طويلة مع أحد أذرع داعش في سيناء أمراً لا بدّ منه للإدارة الأمريكية.

ينتمي بايدن نفسه إلى مدرسة كلاسيكية في السياسة الأمريكية التي تفضّل الاحتفاظ بمستبدين يمكن التنسيق معهم عوضاً عن فتح أبواب التغيير على احتمالات راديكالية، وهو ما ظهر في موقفه من الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في كانون الثاني/ يناير 2011.

فوفقاً لمذكرات الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، كان بايدن وهيلاري كلينتون والأعضاء الأكبر سناً في الإدارة يتوجسون من صعود الإسلاميين والتخلي عن مبارك وكانت التجربة الإيرانية حاضرة في أذهانهم وكانوا يخشون أن تستنسخ مصر تجربة الثورة الإيرانية.

لا يشارك بايدن وإدارته مقاربة السيسي نحو الإسلاميين لكنه لن ينزعج كثيراً من قمعهم، بشرط ألا يكون هذا القمع على نطاق واسع.

التلويح بالتحالفات البديلة

تبدي الولايات المتحدة انزعاجاً متزايداً من التقارب المصري الروسي بشكل كبير. ورغم الاعتراضات الأمريكية، اتمّت مصر صفقة شراء الطائرة الروسية المتطورة سوخوي 35. وبحسب المصادر الأمريكية، لوّحت الولايات المتحدة بتطبيق عقوبات على مصر إلا أن الأمر لم يتجاوز مرحلة التلويح.

وأخذت مصر علاقتها بروسيا إلى مستوى آخر حين شاركتها في مناورة بحرية في البحر الأسود تحت عنوان "جسور الصداقة 3".

"ينتمي بايدن نفسه إلى مدرسة كلاسيكية في السياسة الأمريكية التي تفضّل الاحتفاظ بمستبدين يمكن التنسيق معهم عوضاً عن فتح أبواب التغيير على احتمالات راديكالية، وهو ما ظهر في موقفه من الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك"

ومن جانب آخر، فإن العلاقات المصرية الصينية هي الأخرى تعمقت إلى شراكات تجارية وصفقات تسليح. وتُعتبر الأخيرة نموذجاً يحتذى به للنظام المصري الذي تستهويه بحكم طبيعته الشديدة السلطوية نماذج تنموية ترتكز على أسس قمع سياسي وانفتاح اقتصادي وتخطيط مركزي.

تفضّل النظم الأوتوقراطية دعم بعضها البعض لذا فهذه النظم أقرب إلى النظام المصري من الغرب من ناحية التقارب الإيديولوجي، لكن الأخير يعلم أن هذه النظم ليس لديها الكثير لتقدّمه على مستوى الدعم الاقتصادي الكبير مثل ذلك الدعم الذي يتلقاه من الولايات المتحدة.

ويظل التلويح بتعميق العلاقات مع روسيا والصين أحد أهم تكتيكات النظام المصري في التعامل مع الولايات المتحدة.

التنسيق الأمني مع إسرائيل

بعد تموز/ يوليو 2013، اتّخذت العلاقات المصرية الإسرائيلية منحى آخر، فقد أكدت دوائر إسرائيلية أن السيسي شريك لإسرائيل، ودافع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو عن النظام المصري لدى إدارة أوباما-بايدن ودعا إلى دعمه كبديل عقلاني عن حكم الإسلاميين الذين يشكّلون خطراً على أمن إسرائيل.

يمارس نتانياهو ضغوطاً مضادة على صناع القرار والمشرعين في الولايات المتحدة حتى يخففوا من مطالبات الإصلاح الديمقراطي أو الحقوقي وهو الخطاب الذي أقنع حتى أوباما في أواخر أيامه في البيت الأبيض.

يخلق التنسيق المصري الإسرائيلي معطيات تجعل من الصعوبة تصعيد ضغوط شديدة على مصر دون تدخل إسرائيل لتحفيف حدة وحجم هذه الضغوط.

إعادة بناء دور الوسيط

يحاول النظام المصري إعادة بناء دور الوسيط الذي يستثمر في الحلول السياسية أكثر من العسكرية ويبتعد تدريجياً عن المقاربة الإماراتية التي تريد أن تفرض وضعاً أمنياً وإقليمياً باستخدام القوة العسكرية والتحالفات الأمنية، لا بالدبلوماسية والحلول السياسية.

وهنا، تظهر ليبيا كمثال هام، إذ استغل النظام المصري التوجس الأمريكي من الحضور الروسي هنالك ليفتح تواصلاً علنياً جديداً مع حكومة الوفاق ويحاول أن يستعيد دوره كوسيط بين الفرقاء بعدما فشل المشير خليفة حفتر، كما توقّع المصريون من قبل، في حسم الصراع عسكرياً، بل أدى فشله إلى زيادة الحضور التركي في ليبيا.

تحاول مصر إعادة ترميم علاقتها مع الغرب الليبي بعد زيارة الوفد المصري الأخيرة لطرابلس في 27 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وهي زيارة ترسل أكثر من رسالة ليس فقط إلى الغرب الليبي لكن أيضاً إلى القوى الإقليمية والدولية، مفادها أن مصر ليست الإمارات.

تختلف لغة الحملات الانتخابية عن لغة اتخاذ القرار. وتغريدة بايدن ضد "ديكتاتور ترامب المفضّل" ربما تجعل العلاقات غير دافئة بالقدر الكافي في بداية حكم إدارة بايدن، لكن حتماً ستكون للغة المصالح كلمة النهاية في رسم هذه العلاقات.

نجح النظام المصري في أن يضع نفسه في قلب شبكة تحالفات يصعّب على الولايات المتحدة تجاوزها وتصعيد الضغط عليه. نعم، سيتعرّض بايدن لضغوط من جماعات تدعم الديمقراطية أكثر من الضغوط التي تعرض لها ترامب الذي لم يكن يدين لهذه الجماعات بشيء في وصوله إلى الحكم، وسيستجيب بايدن لبعض هذه الضغوط ليكون النظام المصري أكثر حذراً في ممارسة القمع على نطاق واسع، خاصة مع الأجانب ومنظمات المجتمع المدني التي ترتبط بعلاقات مع الغرب ومع شرائح من النخب المعروفة دولياً، مع استجابة لبعض المطالب التي تهدف إلى تحسين شروط القمع لا منعه تماماً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard