"ماما نويل" الموصل و"بابا نويل" غزة واليمن وسوريا... ماذا يُخبرون عن التجربة؟

الاثنين 28 ديسمبر 202008:53 م

في الطفولة، لم يتركنا حلم أن يطرق بابا نويل بابنا كي يعطينا هدية أو يحقق لنا أملاً. ومع تدهور الوضع في المنطقة العربية بفعل الحروب والدمار وثم انتشار وباء كورونا والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والذي انعكس على الأطفال بشكل كبير، أصبح بابا نويل واحداً من الرموز القليلة التي تزرع الفرح والأمل لدى جزء كبير من الأطفال. 

"هو رمزٌ للفرحة"، بتلك الكلمات تصف أستاذة علم الإجتماع في جامعة عين شمس نوران فؤاد صورة بابا نويل، قائلة إنه بنظرها كان دائماً الرجل العجوز الوحيد الذي وجد أنه سيقضي العيد بمفرده فقرّر أن يقوم بتوزيع الهدايا على الأطفال وأن يلقي بها من النوافذ، وهي فكرة تعود في أصلها للقديس سانتا كروز الذي عاش في مدينة ميرا في آسيا الصغرى، لكنها برمزيتها المجتمعية الأولى هي ألا تقضي العيد أو تحتفل به بمفردك.

وتشير فؤاد، في حديثها لرصيف22، إلى أن الجو العام شهد اتجاهاً لكسر الصورة النمطية لبابا نويل، فلم تعد محصورة بالرجل، إذ ظهرت نساء بدور ماما نويل، في المولات التجارية أو المناطق التي يرتادها الأطفال، وبدأ هذا الاتجاه في كوريا واليابان حتى وصل إلى العالم العربي، كما في العراق، فتحوّل بابا نويل من فكرة للسعادة والبهجة لرسالة مساواة بين الجنسين.

"ماما نويل الموصل"

استيقظ أطفال مدينة الموصل العراقية على صوت دراجة تحمل فتاة ترتدي الأحمر يصدح صوتها بالغناء، ليكتشفوا أنها "ماما نويل" جاءت مصطحبة الهدايا لتخفف عنهم آلام الحرب.

الناشطة شيماء العباسي هي صاحبة شخصية ماما نويل، وتقول: "أخي كان سر معاناتي"، وذلك في معرض حديثها عن الدافع الذي جعلها تقوم بهذا الدور، مبينة أنها ابنة أحد مخيمات النزوح من جبل سنجار الذي شهد وحشية تنظيم داعش.

تشكو شيماء أنها حُرمت من أن تعيش طفولتها كما ينبغي، وتعرضت لانتهاكات عدة عندما كانت في الـ16 من عمرها، إضافة إلى ذلك تقول إن أخاها كان من حوّل طريقتها تجاه الأطفال لأنه كان مصاباً بمتلازمة داون، وهي ربّته واستخدمت معه أسلوباً خاصاً للتعامل معه، وخلال فترة النزوح انضمت لمنظمة "أنقذوا الاطفال".

تروي شيماء، في حديثها لرصيف22، أن الفكرة جاءتها في نهاية عام 2014، عندما طرحت على المنظمة خلق فقرة ترفيهية يوزعون خلالها الهدايا على الأطفال، وتقوم هي فيها بدور "ماما نويل". وقتها أعجبتهم الفكرة لكنها لم تطبقها عن طريق المنظمة، لأنها كانت تحتاج لتقارير ووقت أكبر وكان الوقت قد اقترب على رأس السنة، فطبقتها عبر فريق تطوعي جمعت من خلاله التبرعات ووزعت الهدايا على الأطفال مرتدية زي ماما نويل.

استيقظ أطفال مدينة الموصل العراقية على صوت دراجة تحمل فتاة ترتدي الأحمر، ليكتشفوا أنها "ماما نويل"... شيماء كانت واحدة من بين آخرين لجأوا في دول عربية عدة إلى شخصية بابا نويل لتخفيف آلام الأطفال، فكيف انطلقت الفكرة لديهم وما الصعوبات التي واجهوها؟ 

كان ذلك منذ أربع سنوات، واستمرت في القيام بذلك لسنتين دون علم عائلتها، بسبب ظروفها وكونها كما تقول امرأة منفصلة مع كل ما يفرضه المجتمع من قيود على النساء في وضعها.

وفي عام 2018، وافقت على التصوير لتحصل على دعم أكبر وتساعد أطفال أكثر، وبعد هذه الواقعة تعرضت لضغوط كبيرة من الأهل وللتنمّر الإلكتروني لاستخدامها الدراجة في الطواف على الأطفال.

بعد انتشار وباء كورونا، لم تعد تستطيع جمع عدد كبير من الأطفال، فأصبحت تولي أهمية للتوعية حول الفيروس وأهمية التباعد الاجتماعي، كما توزع الكمامات ومواد التعقيم وتقص قصصاً على الأطفال.

كانت المحطة الأصعب في عمل شيماء هي المدينة القديمة في الموصل، حيث لا تزال تعمل خلايا نائمة لداعش، لكنها قرّرت أن تهزم الخوف لأن الأطفال هناك يعانون بشكل مفرط، فأقامت فعالية في المدينة، وحالياً تقوم بفعاليتين يومياً وتوزع ما بين 80 و100 هدية، وتقود فريقاً نسائياً من 184 فتاة تتراوح أعمارهن بين 14 و25 عاماً، حتى بات هناك الكثيرات من "ماما نويل" في عدد من المحافظات العراقية.

تقول شيماء إن مفاجأتها لهذا العام كانت وصول شجرة عيد الميلاد للموصل لأول مرة منذ عام 2013، كما أنها تجهز برنامجاً تلفزيونياً للأطفال في إحدى المحطات العراقية يحمل اسم "ماما نويل".

"بابا نويل غزة"

"النضال من أجل السلام لا يتحمله إلا الأقوياء"، بتلك الكلمات وصف "بابا نويل غزة" الناشط محمد أبو حجر دوره، مبيناً أن الفكرة بدأت بقرار ترامب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، والقدس فيها كنائس للفلسطينيين المسيحيين، لكن الإعلام ركز على المسجد الأقصى، رغم أن القرار سيعمل كذلك على سيطرة إسرائيل على الأماكن المقدسة للمسيحيين.

وقال أبو حجر، لرصيف22، إن المسيحيين في غزة يعيشون ظروفاً صعبة ولا يمكنهم الانتقال من القطاع للضفة الغربية لأداء شعائرهم الدينية عبر معبر إيريز، وحركة حماس تمنعهم من أداء احتفالاتهم الدينية في الشوارع العامة وتُضيّق عليهم، حتى أن عمليات قتل وذبح بالسكين وقعت ضدهم ولم تتم متابعة القضايا ضد المجرمين.

وعاد "بابا نويل غزة" في حديثه إلى عام 2017، حين توجه إلى الحدود الشرقية للقطاع مع إسرائيل، مرتدياً زي بابا نويل حيث رفع علم فلسطين ووزع لعباً وهدايا على الأطفال، وتحدث عن الحفاظ على المقدسات المسيحية والإسلامية في القدس، وذلك في وقت كانت حماس قد منعت فيه من تنظيم أية فعالية على الحدود.

وقتها، كما يقول محمد، تجاوب الناس معه وشجعوه، لكنه تعرض لإطلاق عيار ناري متفجر أصاب ركبته اليسرى، ومع ذلك يفرحه أن في عدد من الكنائس ذُكر اسمه بعد إصابته وارتفعت دعوات لشفائه العاجل في الصلوات الصباحية، وتم تكريمه لاحقاً.

يقول محمد إن جولاته استهدفت الأطفال الذين وزّع عليهم الهدايا التي اشتراها من دخله الشخصي، والفواكه كالتفاح الذي لا يجده الأطفال بسهولة في القطاع، وغرس فيهم قيم التسامح وزاد من وعيهم بأن المسيحيين لهم حق في الحياة.

وفي السنة التالية، كما يروي "بابا نويل الغزي"، أقام فعالياته أثناء مسيرات العودة، لكن عناصر من حماس اعتقلوه وجلدوه وقالوا له "يا كافر"، كما هدّدوه بالقتل في حال عودته لتلك الفعاليات.

يُعدّد محمد أسباب ملاحقة حماس له بالقول إنه ناشط معارض لحكم الحركة للقطاع، وعندما ارتدى زي بابا نويل غطّت وكالات أنباء عالمية الخبر، ما أضرّ بصورة "قطاع غزة المسلم" التي تتبناها الحركة.

يؤكد الشاب الغزي أنه لم يستسلم بعدها، ونظّم فعالية زار خلالها مخيم نهر البارد في غزة، وهو أحد أفقر مخيمات القطاع، حيث وزّع الهدايا على الأطفال، واحتفل بعيد الميلاد معهم.

هذا العام، منعت حماس كل الاحتفالات والطواف بزي بابا نويل، فاقتصر الأمر على الدعاية الإعلانية، كما فعل أصحاب مطاعم جعلوا نادلاً لديهم يرتدي زي بابا نويل كإعلان أو دعاية للمطعم.

"بابا نويل السوري"

"حاولنا تخفيف آثار الحرب"، بتلك الكلمات استهلت ماغي خزام، وهي صاحبة فكرة "حملة بابا نويل التطوعية" في سوريا، كلامها، مُبيّنة أن شخصية بابا نويل اعتاد عليها السوريون جيلاً بعد جيل، فهي شخصية رمزية لها أبعاد روحية، وهي في النهاية تنشر الفرح بين الأطفال.

وفي سوريا ولبنان، اعتادت عائلات أن تستأجر شخصاً يقوم بدور بابا نويل، يدفعوا له نقوداً ويأتي ليلة العيد حاملاً هدايا للأطفال، يكون الأهل قد اشتروها بشكل مسبق.

وتقول ماغي، في حديثها لرصيف22، إن مشروعها يحمل اسم "المملكة السورية"، وكان قد بدأ عام 2015 بمبادرة طبية اسمها "مريضاً فزرتموني"، وساهمت بفحص حوالي 5 آلاف طفل عند أطباء. 

بعدها تطورت الحملة إلى تقديم العلاج كذلك لمن يحتاج، إضافة إلى توزيع حصص غذائية وملابس، وهنا جاءت فكرة ارتداء زي بابا نويل أثناء تقديم المساعدات.

من ماما نويل الموصل إلى بابا نويل غزة وسوريا واليمن... شبان وشابات استخدموا الشخصية لمساعدة أطفال ظلمتهم ظروف الحرب والتهجير والمرض، لكنهم واجهوا تضييقاً واضطهاداً من محيطهم، فماذا يقولون عن هذه التجربة؟

توضح مؤسسة الحملة أن في أول سنتين لم يتمكنوا من تغطية كل المناطق المتضررة من الحرب، لكن بعد ذلك انتشرت الحملة في 108 مناطق في ثماني محافظات سورية خلال الميلاد، حتى أنها وصلت إلى لبنان حيث أصبح هناك "المملكة اللبنانية"، وهي تعتمد على خمس حملات في العام، أبرزها حملتي عيد القيامة وتسمى "حملة أطفال القيامة"، و"حملة عيد الميلاد" التي يجول فيها بابا نويل لتوزيع الهدايا والملابس.

تقوم الحملة بتخفيف معاناة الحرب عن الأطفال، عبر رعاية أطفال من عمر شهر إلى 18 عاماً، بتقديم الملابس مرتين في الصيف والشتاء، ومستلزمات المدارس، والحصص الغذائية للأطفال الأيتام، ورعايتهم عبر أطباء من مختلف التخصصات، وتقديم المساعدة للطفل الذي يحتاج لعملية جراحية أو نظارة أو حذاء طبي لرفع جزء من الأعباء عن أسرته، وتحديداً في المناطق المتضررة التي كانت تسيطر عليها المعارضة، إذ توجد فرق من حمص والغوطة وريف حماة، بحسب ماغي.

وتُبيّن ماغي أنها تختار الفريق من أبناء القرية أو المدينة، ثم ترسل إليهم الأموال وهم يقومون بدورهم بتنظيم الفعاليات، وبتلك الطريقة يتم تخفيف مخاطر التنقل، موضحة أنها لا توزع في مناطق السلفيين المتشددين مستندة إلى آية في الكتاب المقدس تقول "لا ترموا بدرركم للخنازير"، بحجة أن هناك مناطق تصل من التخلف لعقاب طفل إذا تسلم هدية من بابا نويل.

وتردف ماغي أن الصعوبات التي تواجهها من بعض المحسوبين على النظام والذين يريدون توزيع الهدايا على أساس طائفي أو وضع صورة الرئيس وزوجته في الحملة.

"بابا نويل اليمن"

"تحدينا الوضع والظروف"، بتلك الكلمات يبدأ ميسر حديثه عن شخصية بابا نويل في اليمن، والتي قامت في الأساس من أجل إسعاد أطفال عانوا من ويلات الحرب لسنوات. 

جمع ميسر شباباً معه، ينزلون مع حلول رأس السنة إلى الشوارع والمراكز بشكل عشوائي ويوزعون مناشير كتبوا عليها "لا للطائفية".

ويوضح "بابا نويل اليمن" أنهم جمعوا تبرعات من بعض الأصدقاء والجيران، وقاموا بتغليفها على شكل هدايا، ووجدوا قبولاً للفكرة في الشارع، بينما كان أملهم الأكبر إسعاد الأطفال وإبعادهم من جو الحرب، ولذلك شملت الجولات مركز السرطان ومركز الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

ويقول ميسر إن أصعب موقف واجهه كان مركز للسرطان عندما كان يوزع الهدايا داخل إحدى الغرف، حين شاهد الطبيب يحاول إنعاش طفل وهو يقول لأمه "مافيش فائدة الابن راح".

ويُبيّن ميسر أن التضييق على نشاطه كان من الحوثيين، ففي البداية ارتدى البدلة كاملة من دون ذقن ووجهه كان ظاهراً، لكن في السنة الماضية كان في الزي اليمني بينما يغطي وجهه بذقن بابا نويل، لكن هذه السنة أوقفوا كل الفعاليات ومنعوا كل شيء، مثل وضع شجرة أو التجوّل بزي بابا نويل، حتى الفنادق أُجبرت على الإغلاق عند منتصف الليل كي لا يتم تنظيم أي حفل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard