"مين بده يدير باله عليهم بعدي؟"... قصص انتصرت على مرض السرطان من الأردن

الأربعاء 24 يونيو 202001:56 م

ما إن استلمت ورقة تقريرها التي صاحبتها ابتسامة للطبيب وعبارة "الحمد لله على سلامتك"، حتى قررت نسرين زريقات أن تسدل الستارة بيدها، لتضع حداً لستة شهور من الصراع من أجل البقاء، لتزين على ذات اليد التي أسدلت فيها تلك الستارة حروف كلمة حاربت بكل ما أوتي لها من حلم وأمل من أجل التمسك بها، ألا وهي: "حياة".

تنظر نسرين إلى يدها وتعبر بأصابعها بحركة رقيقة على وشمها "حياة"، وهي تتحدث لرصيف22، عن معركتها مع السرطان الذي اجتاح عينها في العام الماضي، ذات العين التي أمضت حوالي العشرين عاماً وهي ترصد بها هنا وهناك، بحثاً عن أي انتهاك بحق أي إنسان يعيش على الأرض الأردنية، فتلك العين هي الوسيلة التي جعلت من المحامية نسرين زريقات، واحدة من أهم المدافعات عن حقوق الإنسان في الأردن، ولعل مقاعد ومجالس محافل دولية متخصصة بحالة حقوق الإنسان في العالم، تشهد ما قدمته عيون نسرين التي وثقت الكثير، وساهمت بالأكثر في تحقيق حالة حقوق إنسان تسعى لترسيخها في بلدها الأردن.

تتجرد نسرين زريقات عن تلك الهالة التي صاحبتها طوال مسيرتها المهنية، وهي تروي قصتها لرصيف22، وللأمانة المهنية، فإن فكرة إعداد تقرير حول قصص ناجيات وناجين من مرض السرطان كانت فكرتها هي، فبحسب رأيها: "نحن نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلاً، وأكيد هناك من هم/ن بحاجة لنصائح من أصحاب أقسى التجارب الحياتية حتى يعرفوا قيمة نعم هذه الحياة... هل هناك أصعب من السرطان؟".

تعود نسرين زريقات لمشهد إعلامها بخبر إصابتها بمرض السرطان في عينها، وتقول: "أول ما خرج من لساني بعد ما سمعت نبأ الطبيب: نشكر الله، بعدها لم أعد أركز لما استكمله الطبيب من حديث، وجدتني أنظر إليه وأرى شريط حياتي، منذ الطفولة للشباب لمرحلة فقدان والدي لأول حب لأول فرحة لمرحلة فقدان أخي، لأمي وتجاعيد أمي، ولنسرين التي ترفض أن تكره النهايات ولن تسمح لشيء أن يقرّبها من نهايتها".

حتى تاريخ الحديث عن هذه التجربة لم تنهر نسرين كما تقول، وتضيف: "رغم أنه وبعد مرور ستة شهور على تجربتي، إلا أنني عندما أفكر أن ما مررت به يمكن أن يمر به شخص غال عليّ أنهار، له ولها وليس لأجلي"، وعن أصعب جزء لمصاب السرطان تقول: "أن تتقبلي بأنك مصابة بالسرطان، لكن سرعان ما يتحول هذا التقبل إلى تحد البقاء".

"كنت أعتقد أن السعادة هي النجاح في العمل، وتبين أن الأمر ليس كذلك بتاتاً، اكتشفت أن التفاصيل الصغيرة في هذه الحياة هي التي تحقق السعادة... الحياة تطحننا طحناً دون أن ندرك ذلك!"

لا تنكر نسرين، في سياق حديثها عن تشبثها بسلاح الأمل خلال معركتها مع مرض السرطان، أنها وقعت أكثر من مرة في فخ الإحباط، لكن كلما كانت تشعر أنها اقتربت من اليأس كانت تعيد "شحن" ذاتها، لتعود واقفة صامدة لاستكمال معركتها، "أنت تواجهين عدواً، وليس هناك أكثر من العدو يمكن أن تشعري بالكره تجاهه، لذا قبل أن يقضي عليك يجب أن تجابهيه بصفعة أنك ستبقين حية رغماً عن أنفه"، تقول نسرين، وتنتقل وحدها إلى محور تغير الأولويات وترتيبات سلم الحياة.

وتقول: "في السابق، كانت مهنتي هي شغلي الشاغل، أما اليوم فأهم شيء هو أنا، فلم تعد المشاريع لتحسين نفسيتي من ضغط العمل مشاريع مؤجلة، بل أصبحت أولوية، حتى عواطفي التي لم أكن أجد وقتاً لتقديرها أو حتى الطبطبة عليها، باتت مهمة جداً لي اليوم لأعتني بها، كنت أعتقد أن السعادة هي النجاح في العمل، وتبين أن الأمر ليس كذلك بتاتاً، اكتشفت أن التفاصيل الصغيرة في هذه الحياة هي التي تحقق السعادة... الحياة تطحننا طحناً دون أن ندرك ذلك!".

حتى مساحات الشر في داخلنا تختفي، تقول نسرين وتعود لتنظر لوشم يدها "حياة"، وتضيف: "هناك مقولة كنت أسمعها دائماً وعرفت معناها في مرحلة مرضي، أن المرء يشفى بأصدقائه، وأنا حرفياً شفيت من مرض السرطان بفضل الله وفضل أصدقائي، وهنا أقدم رسالة لكل مصاب بالسرطان: واجه مرضك بقوتك أولاً وأنت محاط بأصدقائك ثانياً".

وقبل أن نختم الحديث، قالت نسرين: "أنا امرأة قوية وبسبب الظروف القاسية التي مررت بها طوال حياتي استطعت أن أغلب المرض"، وقبل أن تكمل جملتها التي تبين أنها تريد أن تقول إنها "لن تستسلم" باغتتها دموعها، هنا سألتها وأنهينا بجوابها الحوار: "أي أغانٍ كنت تسمعينها أثناء فترة مرضك؟"، أجابت: "كنت أستمع لأغاني محمد منير".

"بتعرفوا شو صار؟ طلع معي سرطان"

"سأخبرك بقصة ممكن تكون ليست مهمة، لكن أنا امرأة تحب البرم وأريد إخبارك بها، قالت لي الدكتورة سلمى النمس، وهي الأمينة العامة للجنة الوطنية لشؤون المرأة، والتي حين علمت بإعدادي لهذا التقرير تحمست لمشاركة رصيف22 بتجربتها، أخبرتني تلك القصة التي اعتقدت أن ليس لها داع، دون أن تدرك أن تلك القصة ستكون مفتاح لاستعراض تجربتها في انتصارها على مرض السرطان.

تعود تلك القصة لذاكرة الدكتورة سلمى عندما كانت طالبة في الجامعة في التسعينيات، تلك الفتاة التي كانت معروفة بشعرها "الكيرلي" والطويل جداً، حيث في إحدى المرات وهي تشاهد فيلماً بصحبة رفيقتها في السكن الجامعي في بريطانيا، جاء مشهد في الفيلم لامرأة قاضية في عمر الأربعين، كان شعرها قصيراً جداً وليس "كيرلي"، وقتها التفتت سلمى لصديقتها وأوصتها: "ذكريني لما أصير في الأربعين أقص شعري قصير".

ليست صديقة الدكتورة سلمى هي التي ذكرتها بأن تقص شعرها قصير عندما تصبح في الأربعين، بل مرض السرطان الذي أصيبت به وهي تودع عامها الـ39، في أواخر العام 2010، واستقبلت دخولها عمر الأربعين بوداع آخر ما تبقى على رأسها من خصل شعر، استبدلتها بكميات من "التوربان" بمختلف الألوان والأشكال.

اللافت في حديث النمس عن تجربتها، عبر اتصال هاتفي لرصيف22 استغرق أكثر من ساعة وخمس دقائق، كمية الفرح والضحك الذين لم يفارقوا الاتصال لحظة، ولم يصطدموا بـ "جو الدراما"، بالعكس حتى عند المرور في الحديث عن أقسى المواقف التي تعرضت لها خلال معركتها مع السرطان كانت تضحك، وتثبت أن هذه النفسية كانت تلازمها في مراحل كثيرة من فترة المرض، بإعطاء أكثر من مثال منها: "أعود وأكرر أنا امرأة برامة، كنت أتحركش بالناس وأنا في طابور السوبر ماركت، أو وأنا أنتظر خروج أولادي من المدرسة بصحبة أمهات وأقول لهن: بتعرفوا شو صار؟ طلع معي سرطان".

الصعوبة الكبرى في مرحلة مرض سلمى الذي اكتشفته بالصدفة، أنها تزامنت مع عام قاس مر على عائلة زوجها، بسبب إصابة شقيق زوجها بمرض السرطان، هو ذات العام الذي كان بداية نهاية معركة خاضها أربعة أعوام مع مرضه، وتقول: "كنت مثل غيري من نساء العائلة، نقضي أغلب وقتنا في مركز الحسين للسرطان، حيث كان شقيق زوجي على سرير المرض هناك، وفي يوم وبالتزامن مع حملة الفحص المبكر لسرطان الثدي، قررنا، نحن نساء العائلة، أن نستغل وقتنا بالمركز ونقوم بإجراء ذلك الفحص، أذكر أننا دخلنا ثلاث نساء وبقيت وحدي، عندما طلب مني أن أبقى لإجراء فحص آخر بعد فحص الماموغرام، بسبب ظهور شكوك لدى الطبيبة بعد أن خرجت نتائج تقريري".

وبينما كانت تنتظر سلمى نتائج فحص الألترا ساوند في ذات ذلك اليوم، استغلت الوقت لإخراج كتاب "هكذا تكلم زرادشت" من حقيبتها واستكمال قراءته، هو ذات الكتاب الذي تلعنه كل يوم، تقولها وهي تضحك: "كنت أقرأ وإذ بالطبيبة تخبرني أن هناك حاجة لأخذ خزعة، مازحتها: خدي اللي بدك إياه... ومن هذه اللحظة أعلنت عن معركتي لمرض السرطان قبل خروج نتائج الخزعة"، تقول سلمى.

وباعتبار أنها اعتادت على البحث و"التنكيش" بحكم طبيعة عملها وبحكم شخصيتها أيضاً، اكتشفت سلمى، قبل محاولات العبارات التجميلية من الأطباء ومراوغات زوجها الحاصل على شهادات عليا في علوم الهرمونات السرطانية للثدي، أن الورم في ثديها من النوع الخبيث، وتقول: "عندما تأكدت أصبت بحالة من التلبد في المشاعر، وكل ما شغل ذهني منذ تلك اللحظة حتى مراحل العلاج والعمليات وجلسات الكيماوي وسقوط شعري هما ولدايّ... مين بده يدير بالهم عليهم بعدي؟".

تعيدنا سلمى النمس في ذاكرتها في إحدى الليالي التي كانت تحجر فيها نفسها في غرفة خاصة في المنزل، حرصاً على ألا يتضرر ولداها نفسياً من "مظهرها" أيام مرحلة العلاج الكيماوي، وبمساعدة أهلها وأهل زوجها على إلهائهم، وتقول: "فكرت في ذلك اليوم أن أسجل شريط فيديو لولديّ، أعلمهم من خلاله كيف عندما يكبرون في العمر أن يحترموا النساء مثل ما فعل أبوهم معي، حتى قبل أن يتزوجوا، كيف عليهم أن يلغوا العنف من قاموس حياتهم، وأن يقدروا أي امرأة تمر في حياتهم"، هل سجلت الفيديو؟ سألتها، أجابت: "بصراحة عجزت، لأنني شعرت أنني أحتضر وأنا لا أريد أن أموت".

ومن المواقف التي تحب مشاركتنا بها سلمى النمس من تجربتها، عندما وضعت لأول مرة شالاً على رأسها ليكون بديلاً عن شعرها الذي سقط، وتتابع: "أول مرة وضعته على رأسي، ذهبت إلى مدرسة أولادي لأخذهم بعد انتهاء الدوام، وأنا بانتظار خروج ولدي الأكبر من غرفة صفه، خرج قبل زميله في الصف ونظر إلي خائفاً ثم سألني: تك شعرك؟ أجبته: آه تك، بتحب تشوفه؟"، أي امرأة في تلك اللحظة من الطبيعي جداً أن تنهار في ذلك الموقف، ما عدا سلمى النمس الذي زرع فيها ذلك الموقف الشعور بالطمأنينة، وتقول: "ارتحت جداً، لأنني أخيراً علمت أن ابني يفضفض لأصدقائه ويعبر عن مشاعره، فصمته أمامي كان يرعبني".

سلمى النمس اليوم وهي في شعرها القصير الذي بات يتحدث عن شخصيتها الجديدة، رغم انتصارها على السرطان، لم تقتصر الدروس التي تعلمتها من تجربتها بوداع "ستايل الكيرلي" لشعرها فقط، ولا معرفة قيمة تعلم الماكياج للمرأة الذي تعرفت عليه لأول مرة في حياتها في سن الأربعين، عندما كانت تهزم وجهها الشاحب من جراء الكيماوي، بالبودرة الحمراء ورسم الحواجب، بل تعلمت أيضاً وكما تقول: "اكتشفت أنني لم أكن بطلة في معركتي، كنت إنسانة محظوظة بمحبيها، كأنها أصيبت بالأنفلونزا، أمام بطلات عاشرتهم حاربن السرطان وحدهن بعد أن تخلى عنهن أقرب الناس".

وتستشهد بمثالين: "أذكر تلك السيدة التي تعرفت عليها في المستشفى، ذات يوم تخلى عنها زوجها بعد أن علم إصابتها بالسرطان وأصبح ابنها ذو الـ15 عاماً سندها بدل زوجها، وأذكر سيدة أخفت إصابتها بالمرض أمام أهل زوجها خوفاً من أن يزوجوه بامرأة غيرها، تخيلي كانت طوال فترة مرضها ترتدي الحجاب في المنزل عندما كان يزورها أهل زوجها، واستمرت، وحتى أيام جلساتها للكيماوي، على عادة عزيمة الغداء يوم الجمعة لأهل زوجها"، وتختم سلمى: "أين البطولة خاصتي أمام تلك السيدات؟".

 "أول مرة وضعت الشال على رأسي، ذهبت إلى مدرسة أولادي لأخذهم بعد انتهاء الدوام، وأنا بانتظار خروج ولدي الأكبر من غرفة صفه، خرج قبل زميله في الصف ونظر إلي خائفاً ثم سألني: تك شعرك؟ أجبته: آه تك، بتحب تشوفه؟"

"قصتي مع السرطان"

ربما من يسمع عن قصة الشاب وجيه يعقوب، 28 عاماً، يسأل نفسه: "يا ترى هل علمت من كسرت قلبه في مرضه أن الله عوضه بالأحسن؟"، هو ذات السؤال الذي يسأله وجيه لنفسه، ويواسي نفسه بنفسه وهو يتحدث مع رصيف22، ويقول: "الحمد لله، الله عوضني بالأحسن والأطيب منها، وإن شاء الله تمام عرسي بعد فترة قصيرة يكون على خير".

تعرفت على الشاب وجيه من خلال آلاء عابدين، وهي امرأة أردنية أنشأت صفحة على موقع الفيسبوك اسمها "قصتي مع السرطان"، وذلك بعد وفاة أبيها بالمرض، وسعياً منها لتشجيع مصابي ومصابات السرطان، ببث الأمل والطاقة الإيجابية، ولغير المصابين/ات بالسرطان، حتى "يستنشقوا رائحة حب الحياة"، كما تقول.

حتى وجيه، وهو ناج من سرطان في القفص الصدري، نصح بقراءة تجربته التي نشرها على الصفحة، ويقول: "لا أريد أن أذكر مواقف أسعى إلى عدم قولها وأكتفي فقط بكتابتها، لا أريد أن أذكر منظر والدي وهو يقاوم نعاسه الذي يغلبه وينام على كنبة صغيرة بجانب سريري في المستشفى، حتى شعري الذي سقط في ثاني مرة لإصابتي بالمرض، أفضّل أن ألغيه من ذاكرتي، أما عن قلبي الذي انكسر لأن من وعدتني بأن يتكلل حبنا بالزواج، نكثت الوعد فور علمها بمرضي، فهناك من ملأت قلبي حباً أتمناه لكل شخص".

أختم التقرير باستكمال لإجابة نسرين زريقات عندما قالت إنها كانت تستمع لأغان محمد منير في فترة مرضها، حيث قالت: "تحديداً أغنية علي صوتك بالغنا لسى الأغاني ممكنة، ولو في يوم رح تنكسر لازم تقوم واقف كما النخل باصص للسما".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard