"كابوس بايدن القادم"… العراق يواجه انهياراً اقتصادياً وشيكاً فما هي العواقب؟

الثلاثاء 15 ديسمبر 202009:19 م

من المحتمل أن يتعرّض العراق قريباً لانهيار مالي، فكل المؤشرات توحي أنه في الطريق إليه، ما يهدد بانهيار النظام السياسي المتهالك أساساً، وفتح الباب أمام حرب أهلية للمرة الثالثة تجر دولاً إقليمية أخرى.

يتوقع محللون نفاد النقد الأجنبي من خزينة الحكومة العراقية، وهو ما يجعلها غير قادرة على دفع معظم التزاماتها، خصوصاً رواتب العاملين الذين سيتوافدون على الشوارع بالآلاف في مشهد غير معروف العواقب.

الانهيار الوشيك

في تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، يعتبر الكاتبان فرهاد علاء الدين وكينيث بولاك أن سيناريو انهيار ثالث للعراق هو آخر ما يحتاجه الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن، ويشيران إلى أن الوضع في العراق سيكون أول مشكلة عليه أن يواجهها في السياسة الخارجية.

بحسب التقرير، فإن الحكومات العراقية الضعيفة والمتواطئة والشمولية تشكلت من أحزاب سياسية لا تعمل لصالح البلد، ولكن كشبكة محسوبيات ضخمة وآلات فساد تمتص عائدات النفط من خزانة الدولة، وتمررها إلى جمهورها في شكل وظائف وعقود وامتيازات.

نتيجة التعيينات الناتجة عن المحسوبيات، أصبحت الحكومة العراقية الآن أكبر رب عمل، إذ تعتمد نسبة كبيرة من السكان على الدولة لكسب عيشها، إما بشكل مباشر من خلال الرواتب والمعاشات التقاعدية، أو بشكل غير مباشر من خلال العقود أو توفير السلع والخدمات.

حتى الشركات الصغيرة في العراق، تعتمد في النهاية على الحكومة لأن الكثير من عملائها - خاصة في المدن الكبرى - يتلقون رواتبهم من قبل الحكومة بشكل مباشر أو غير مباشر أيضاً.

علاوة على ذلك، لا تزال الحكومة العراقية توفر "سلة غذاء" شهرية عبر نظام التوزيع العام، والتي تظل عنصراً مهماً في الحياة اليومية للطبقة العاملة والفقراء العراقيين.

ليس من المستغرب أن يشهد العراق زيادة بمقدار ثلاثة أضعاف في عدد العاملين في القطاع العام منذ عام 2004، ما يجعل الحكومة تدفع رواتب تزيد بنسبة 400٪ عما كانت عليه قبل 15 عاماً.

والنتيجة هي أن بغداد تحتاج إلى 5 مليارات دولار شهرياً لدفع الرواتب المباشرة والمعاشات التقاعدية، بالإضافة إلى ملياري دولار أخرى لتغطية الخدمات الأساسية وتكاليف التشغيل.

ومنذ ظهور وباء كورونا وانهيار أسعار النفط التي توفر حوالي 90% من الإيرادات الحكومية، تراجع الدخل الشهري للعراق إلى ما بين 2.5 و 3.5 مليار دولار، وهذا يعني أن بغداد تعاني من عجز شهري يتراوح بين 3.5 و 4.5 مليار دولار.

في تشرين الأول /أكتوبر الماضي، صرّح وزير المالية العراقي علي علاوي، في مقابلة تلفزيونية، أن "احتياطيات البنك المركزي العراقي تبلغ 53 مليار دولار". في ذات الوقت، أقر مجلس النواب قانون العجز في التمويل الذي مكّن الحكومة من اقتراض 10 مليارات دولار لدفع الرواتب حتى كانون الأول/ ديسمبر الحالي.

وبذلك، وصل إجمالي الدين العراقي إلى 80 مليار دولار، ما أجبر بغداد على تخصيص أكثر من 12 مليار دولار من الميزانية السنوية للفوائد، وسداد أصل هذه القروض، وكل ذلك يؤدي إلى تفاقم نقص رأس المال الحكومي.

نتيجة التعيينات الناتجة عن المحسوبيات، أصبحت الحكومة العراقية الآن أكبر رب عمل، إذ تعتمد نسبة كبيرة من السكان على الدولة لكسب عيشها، إما بشكل مباشر من خلال الرواتب والمعاشات التقاعدية، أو بشكل غير مباشر من خلال العقود وتوفير السلع والخدمات

بحلول صيف عام 2021، قد تكون احتياطيات العراق من العملة الصعبة منخفضة بشكل خطير، إذ يتوقع علاء الدين وبولاك احتمالية نفاد النقد الأجنبي، بحيث تصبح الحكومة غير قادرة على دفع معظم التزاماتها الحالية.

ووفقاً لمسؤولين عراقيين، فإن الحكومة مجبرة على طباعة النقود لدفع ثمن القروض التي تغطي الرواتب وتكاليف التشغيل، ما يعرضها لخطر التضخم المتفشي أصلاً في البلاد.

وبسبب مخاطر التضخم الجامح، قد تضطر بغداد قريباً إلى خفض قيمة الدينار، وهذا ينطوي أيضاً على مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة. إذ يحذر كل من علاء الدين وبولاك من أن تخفيض قيمة العملة دون إصلاحات اقتصادية ترفض القوى السياسية العراقية النظر فيها، سوف يشل الواردات، ويُقوّض المدخرات، ويزيد من الأزمة.

وقال علاء الدين وبولاك إن تبخّر العملة الصعبة يعني أن العراق قريباً لن يكون قادراً على دفع ثمن واردات المواد الغذائية والسلع، مشيرين إلى أن العراق يستورد كل شيء تقريباً باستثناء النفط، فإذا انخفضت تدفقات الأموال وانخفضت قيمة الدينار، ستصبح السلع نادرة وسترتفع أسعارها.

ومن المحتمل أن ينخفض ​​الدينار في غضون ستة أشهر إذا استمرت الحكومة في سحب الأموال المتبقية في البنك المركزي العراقي.

يأمل بعض المسؤولين في الحكومة العراقية أن تؤدي الزيادة المتوقعة في أسعار النفط في الربيع المقبل إلى إنقاذهم. ومع ذلك، فإن معظم التوقعات تشير إلى أن أسعار النفط سوف تزيد عن 10 إلى 15%، وهو رقم ضئيل للغاية لحل أزمة العراق التي تلوح في الأفق، ويمكن أن لا يكون هناك أية زيادة بسبب احتمال عودة ضخ الليبي والإيراني في السوق.

سيناريو سقوط الكاظمي

دق رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ناقوس الخطر، في مؤتمر صحافي في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، محذراً من حدوث مشكلة في دفع الرواتب في كانون الثاني/يناير المقبل، قائلاً: "أنا أحذركم الآن".

يُعتبر الكاظمي تكنوقراطاً من دون قاعدة سياسية في البرلمان، لذا لم يتمكن من دفع الأحزاب السياسية العراقية لمعالجة الأزمة أو حلها.

وأصدرت حكومة الكاظمي "كتاباً أبيضاً" للإصلاح، في 13 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ومع ذلك، فإنها لم تبدأ في تنفيذ البنود المطروحة. ونتيجة لذلك، لا يوجد أي جهد لخفض الرواتب، أو تقليص أعداد موظفي الحكومة، أو حتى التخلص من مئات الآلاف من الموظفين الوهميين الذي يحصلون على رواتب، وذلك خوفاً من إغضاب القادة السياسيين المهمين.

عندما تولى السلطة، حظي الكاظمي بتأييد شريحة واسعة من العراقيين والآلاف من المحتجين في الشوارع، ومن المؤسسة الدينية الشيعية في العراق، ومن الأحزاب السياسية الشيعية المعتدلة، ومن العديد من السنة، وحتى من الأكراد، فكانوا يُنظرون إليه على أنه ذكي، وغير سياسي، ونشيط وقادر على الموازنة بين اللاعبين الخارجيين في العراق.

ومع ذلك، هناك خوف متزايد في جميع أنحاء البلاد من أن الكاظمي لا يستطيع إصلاح النظام العراقي المكسور، وقد تكون الأزمة الاقتصادية التي قد تنجم عن نفاد خزينة العراق بمثابة المسمار الأخير في نعش حكومته.

في هذه الحالة، سيكون الكاظمي فقد مصداقيته تماماً، وسيحاول العديد من الأحزاب السياسية الفاسدة في العراق جعله كبش فداء لتجنب رد الفعل الشعبي، كما سيحاول الإيرانيون المعارضون للكاظمي استغلال الفوضى لإعادة تأكيد نفوذهم على الحكومة العراقية.

سيناريو الفوضى

من المحتمل أن تؤدي الأزمة المالية إلى اندلاع تظاهرات واسعة النطاق في الشوارع، حيث يطالب العراقيون مرة أخرى بتغيير الحكومة، وسيكون من الصعب على الحكومة الحفاظ على النظام إذا لم يتم دفع الرواتب.

وتوقع الكاتبان علاء الدين وبولاك أن الجماعات والقبائل المسلحة، بما في ذلك الميليشيات المسلحة المدعومة من إيران، ستحاول ملء الفراغ واغتصاب دور قوات الأمن النظامية في العراق. وسيحاولون السيطرة على الموارد المدرة للدخل مثل حقول النفط والموانئ والمعابر الحدودية والشركات الكبيرة والأراضي الزراعية والممتلكات الخاصة.

حتى إقليم كردستان لن يكون في مأمن من المشاكل الاقتصادية الداخلية ما لم يتمكن من توسيع قاعدة موارده، لأنه أيضاً يعتمد مالياً على بغداد. ربما تكون كركوك وحقولها النفطية أكثر هدف للأكراد للسيطرة عليها، وهذا لن يؤدي إلا إلى إشعال الصراع بين أربيل وبغداد، خصوصاً أن الميليشيات الشيعية ستقاوم مثل هذه الخطوة بقوة.

قد يتكرر سيناريو الفوضى والحرب الأهلية الذي شهدته العراق من 2005 إلى 2007، ومن 2014 إلى 2017، مع تدخل الدول المجاورة لتأمين مصالحهم.

بحسب علاء الدين وبولاك، ستشعر تركيا بالتهديد من تحقيق الأكراد أي مكاسب، لا سيما إذا استعاد إقليم كردستان مدينة كركوك، وستشعر أنقرة بأنها ملزمة بالدفاع عن الأقلية العرقية التركمانية هناك ومنع الأكراد من إحياء حلمهم بالاستقلال.

وستعمل إيران على تعزيز نفوذها في بغداد، كما أن طهران لا يمكن أن تتحمل خسارة عائدات التجارة العراقية التي تبلغ حوالي 12 مليار دولار، ويُعتبر العراق ممراً يسمح لها بالوصول إلى الأسواق المالية الدولية في ظل العقوبات الدولية.

"يُتوقع أن تقوم المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ودول الخليج العربي وحتى بعض الدول الأوربية وشرق آسيا بدفع بعض الأموال للحكومة العراقية في ظل رغبة بايدن بقيادة العالم مرة أخرى"... العراق يواجه انهياراً اقتصادياً والمخاوف من العواقب السياسية والأمنية تتزايد

كذلك سيتحرك السعوديون ضد أي نفوذ إيراني من خلال دعم الجماعات والقبائل السنية بالتمويل أو بالأسلحة للدفاع عن أنفسهم، وعليه، يمكن للعراق بسهولة الانزلاق مرة أخرى في حرب أهلية بين الطوائف المحلية، مع تدخل القوى الإقليمية ضد بعضها البعض.

دور جو بايدن

في رأي علاء الدين وبولاك، فإن خطورة الوضع وأهمية العراق للمنطقة وسوق النفط الدولي، لن تسمحا للولايات المتحدة والمجتمع الدولي بالوقوف مكتوفي الأيدي.

خلال الأشهر الستة الأولى من إدارته ومع انتشار وباء وأزمة اقتصادية ضخمة في الداخل، لن يكون بايدن قادراً على جعل هذا الأمر على رأس أولوياته، ولكن التصرف السريع يمكن أن يمنع العراق من الانهيار، وفق الكاتبين اللذين يتوقعان أن تقوم المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ودول الخليج العربي وحتى بعض الدول الأوربية وشرق آسيا بدفع بعض الأموال للحكومة العراقية في ظل رغبة بايدن بقيادة العالم مرة أخرى.

سيحتاج العراق إلى المال لمنع انهيار نظامه المالي، فإذا كانت الولايات المتحدة تريد المساعدة فربما تقدم مليار دولار، وتجمع حزمة أكبر من دول أخرى تتراوح من 5 إلى 10 مليارات دولار.

يطالب الكاتبان أيضاً بإجراءات إصلاحية في العراق منها تشجيع الحكومة على التقشف والادخار، وإجراءات صارمة لمكافحة الفساد، ودمج أفراد الميليشيات بشكل كامل في الجيش العراقي كأفراد، وليس كميليشيات.

وبحسب الكاتبين، أظهر الكاظمي مراراً وتكراراً أن لديه النوايا والأفكار الصحيحة، لكنه يفتقر إلى القوة السياسية والعسكرية للمتابعة، لذلك فإن وضع مليارات الدولارات تحت تصرفه لكن بشروط صارمة من شأنه أن يمنحه الموارد اللازمة في مواجهة الأحزاب السياسية والميليشيات والأحزاب الفاسدة في العراق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard