"هذه الشجرة تقطر ذهباً"... نبتة الضرو التي غيرت حياة أصحابها في تونس

"هذه الشجرة تقطر ذهباً"... نبتة الضرو التي غيرت حياة أصحابها في تونس

الأربعاء 23 ديسمبر 202004:10 م

على سفوح الجبال وهضابها وأخاديد الأودية في الشمال الغربي لتونس تنتشر نبتة الضرو، المعروفة بخضرتها وانتشارها الفوضوي، الذي يرسم لوحة طبيعية رائعة. يسابق سكان منطقة فرنانة في محافظة جندوبة الزمن من أجل جني ثمار هذه النبتة، واستخراج زيتها اللذيذ (يفوق في قيمته المادية أضعاف ثمن زيت الزيتون والعسل).

لهذا الزيت مكانة خاصة لدى سكان المنطقة؛ استعمالاته عديدة وفوائده متنوعة، إذ غيّر من نمط حياة عائلات وشباب/شابات وشقّ لهم حياة جديدة.

اللافت أن هذه النبتة لم تكن يوماً ضمن اهتمامات أهالي المنطقة، ولطالما كان يقطعها السكان للتدفئة، وكحطب لطهو خبز القمح والشعير، وكعلف للأغنام، قبل أن تتحول إلى كنز ثمين يتصارع من أجله الرجال والنساء للظفر بزيتها، الذي يباع بأكثر من 30 دولاراً للتر الواحد.

تنمو هذه النبتة في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط، ويراوح طولها بين مترين وستة أمتار، وتكون ثمارها على شكل عناقيد من الحبيبات البيضاء، التي تتحول بعد فترة إلى اللون الأحمر ثم تنتهي باللون الأسود، وهو ما يعني جاهزيتها للقطف.

"الشجرة تقطر ذهباً"

الساعة تشير إلى الخامسة والنصف صباحاً، تقوم الخالة عائشة (45 عاماً) لإعداد فطور الصباح، والاستعداد للالتحاق بمكان عملها، الذي يبعد ثلاثة كيلومترات عن منزلها في منطقة الفروحة التابعة لمحافظة جندوبة، تبعد 170 كلم عن العاصمة تونس.

توقظ عائشة ابنتها الكبرى لتقدّم لها التوصيات اللازمة، المتمثلة في إطعام إخوتها قبل الالتحاق بمقاعد الدراسة ثم الاعتناء بنظافة المنزل، وتحضير طعام الغداء.

تجمع مستلزمات العمل اللازمة، وتنطلق صحبة زوجها محمد، تحثّ خطاها كي تلحق إلى المكان المقصود قبل أن يصل إليه أناس آخرون.

تخلى فوزي عن عمله لأن العمل في المكاتب "صار مملاً ومقرفاً"، يقف شامخاً وهو ينظر إلى شجيرات الضرو، ويقول: "لست قلقاَ بشأن مستقبلي، هذه الخيرات لا تنتهي"

تفرش الخالة عائشة بساطاً من القماش على الأرض كي تضع فوقه الحبات التي سيتم جنيها، لكن قبل ذلك يجب أن "تعدل رأسها"، كما تفصح لرصيف22، عبر كأس من الشاي يتم تحضيره على نار، التي تشعلها لهذا الغرض.

تقول: "هذه الشجرة تقطر ذهباً، هي حياتنا وسندنا، منها درّسنا أبناءنا، ومنها نوفر مؤونة الشتاء، إضافة إلى قيمتها الصحية، لا أتذكر يوماً أني حملت أطفالي إلى المستشفى، خاصة فيما يتعلق بنزلات البرد، والتهاب الحلق، والسعال، والجروح، وغيرها".

يدعمها زوجها محمد (52 عاماً) عامل بناء، يقول: "زيت القضوم "أو الضرو" أصبح مطلوباً أكثر من العسل لفوائده العديدة، فهو مرهم لجروحنا، وصحّي، إضافة إلى ما يوفره لنا من مال، فقد تخليت هذه الأيام عن العمل في حظيرة البناء لألتحق بزوجتي في جني القضوم، لأن ما نحصل عليه هنا في أسبوع أحصل عليه في البناء خلال شهر".

وتعمل عائشة منذ سنوات في جني القضوم، وقد أصبحت معروفة لدى بعض التجار، الذين يطلبون منها كميات متفاوتة مع اقتراب موعد الجني، وقد ساعدها ذلك في ترويج منتوجها بسرعة، وربح المال والوقت.

وتؤكد أنها تعمل على تقديم زيت ذي جودة عالية، من خلال تحضيره بالطريقة التقليدية البسيطة من دون استعمال الآلات الحديثة كي لا يفقد مذاقه وطعمه، ويكون صحياً وفعالاً، وهو ما جذب لها التجار، والباحثين عن زيت القضوم الرفيع.


"لم نر الراحة يوماً"

على مقربة من الخالة عائشة، تقطف خدوجة (47 عاماً) وابنتها حبات القضوم السمراء من الأغصان المتمايلة وصولاً إلى قمة الشجرة.

تقطع خدوجة مسافة طويلة من مسكنها الريفي حتى تصل إلى الغابة لجني حبات القضوم. هناك تقضي يوماً شاقاً، تارة تتسلق الشجيرة اللينة بعناية شديدة، حتى لا تسقط، وتارة تصارع الأغصان الغليظة، وتارة تجمع ما تناثر من الحبات على الأرض.

تقول خدوجة وهي أرملة: "مر هذا العمر في الشقاء والعناء، ولم نتمتع يوماً بالراحة، نحن منسيون في هذا العالم، لا أحد يلتفت إلينا من المسؤولين".

"نحن منسيون في هذا العالم".

تمضي هي وابنتها يوماً كاملاً في الغابة للظفر بكميات من القضوم، قد لا ترضيهما في النهاية، لأن العمل لن ينتهي عند ذلك الحد، بل ستعود إلى المنزل وتنطلق في عجن الحبات التي جمعتها لتحويلها إلى زيت، تبيعه آخر الأسبوع في السوق ثم تعود مجدداً إلى الغابة.

تساند مريم (25 عاماً) كلام أمها، قائلة: "هذا العمل متعب جداً، ويأخذ من وقتنا وجهدنا الكثير"، مضيفة أنها تتمنى أن تجد عملاً يحميهما من برد الصباح، ويبعدهما عن حياة التعب والشقاء، التي رافقتهما منذ الصغر، خاصة أن والدتها تتقدم في العمر، ولم تعد قادرة على مجاراة نمط الحياة اليومية الصعبة.

"الوظائف مملة ومقرفة"

لزيت القضوم موسمه بين شهري كانون الثاني/ ديسمبر وكانون الأول/ يناير إذ يكون ذا جودة عالية، وأكثر إنتاجاً لأن نضجه يكتمل، وهو الوقت الذي يهب فيه سكان المناطق المتاخمة للجبال، فيظفرون بما تجود به شجرة الضرو عليهم من خيرات.

تجارة زيت القضوم ضاربة في القدم. كان يزاولها الأجداد من أجل الغذاء، وفيهم من ينزل بها إلى الأسواق الأسبوعية، وثمة من يتنقّل إلى المدن الكبرى المجاورة ليبيعه لعائلات ثرية، دأبت على اقتناء هذا الزيت بأسعار مشجعة.

"هو مرهم لجروحنا، وصحّي، ومطلوب أكثر من العسل لفوائده، إضافة إلى ما يوفره لنا من مال، فقد تخليت عن العمل في البناء لألتحق بزوجتي في جني القضوم"

يقف فوزي (37 عاماً) شامخاً، وهو ينظر إلى شجيرات الضرو مبتسماً، وقد بدت عليه صلابة الحياة الريفية، وبساطتها، وتواضعها، رغم أنه خريج كلية الحقوق، وكان الأجدر أن يعمل في وظيفة مرتبطة بما تعلمه. يقول لرصيف22 : "لست قلقاً بشأن مستقبلي"، مشيراً إلى الغابة الواسعة، ويضيف: "هذه الخيرات لا تنتهي، والرزق بيد الله"، مؤكداً أنه تخلى عن وظيفته، إذ كان يعمل في مكتب محاماة لأن العمل في المكاتب والأماكن المغلقة "صار مملاً ومقرفاً، لأنه لا يمنحك هامش الحرية، وتبقى مكبلاً بين جدران العمارات الفخمة، تعد الساعات متى تنتهي، وقد يساهم ذلك في مرضك بالدم، والسكري، والسمنة"، بحسب قوله.

"هذا العمل غير مجرى حياتي إلى الأفضل".

لا ينكر فوزي أن هذا العمل صعب لكنه أصبح اليوم مشجعاً، نظراً لارتفاع سعر زيت القضوم، وتعدد مسالك توزيعه، مؤكداً أن هذا العمل ساعده في فتح محل لبيع الفواكه الجافة، وشراء عشرة صناديق لخلايا نحل، وانطلق في بناء منزل خاص به، يقول باختصار:"هذا العمل غير مجرى حياتي إلى الأفضل".

ويلفت فوزي إلى أن عملية تحضير زيت القضوم سهلة جداً. تبدأ بجني حبات الضرو يدوياً، ثم تنقيتها، وغسلها، ووضعها في كسكاس (وعاء به ثقوب كثيرة) على نار هادئة لتتبخر، ويصبح ملمسها رطباً. فيما بعد تأتي مرحلة العجن والطحن عن طريق حجر الرحى، وفي المرحلة الأخيرة توضع العجينة بقطعة من القماش، ويتم تعليقها، ووضع تحتها وعاء كي ينزل به الزيت.

وتؤكد اختصاصية التغذية، سندة بالحاج، في حديث لرصيف22 أن لزيت الضرو فوائد جمة أثبتتها الدراسات والبحوث، فهو يعالج الحروق والالتهابات، ومفيد لأمراض اللثة والأسنان، ومزيل لرائحة الفم الكريهة. عدا أنه مرطب للشعر، ومقاوم فعال للسعال والبلغم، ويدخل في العديد من الوصفات التجميلية لتنظيف البشرة وترطيبها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard