"إلى أين نذهب؟"... تضييق على "بائعات الهوى" في تونس

الأحد 9 أغسطس 202004:07 م
يلاحظ الزوار الأوفياء للمدينة العتيقة في تونس العاصمة، أو المارون منها باستمرار، شبه خلو غير معتاد في نهج زرقون، أو "عبد الله قش" كما يعرفه كثيرون، والذي يوجد فيه أكبر ماخور مقنن في البلاد، بعد أن كان يعجّ بالزبائن الذين يأتون خصيصاً لممارسة الجنس، بأسعار رخيصة وظروف مضمونة صحياً وأمنياً.

صارت الحركة طفيفة، خاصة وسط الأسبوع، رغم أنه لا يزال مرخصاً قانونياً إلا أنه بدأ يفقد زواره شيئاً فشيئاً، ما أثّر بصفة مباشرة على مداخيل عاملات الماخور.

لكل فتاة تعمل هناك أسبابها الخاصة التي دفعتها للعمل كبائعة هوى، حيث يهرب البعض منهن من جحيم الظروف الاجتماعية القاسية التي يعشنها، ويتقاضين أجورهن حسب ما يقدمنه من خدمات للزبائن، وتكثر المداخيل بكثرة الزبائن وتنقص بقلّتهم، ويتراوح سعر ممارسة الجنس بين 3 دولارات و5 دولارات تقريبا لكل اتصال جنسي واحد، بحسب من تحدثن إلى رصيف22.

بداية الأزمة

انطلقت أزمة عاملات الماخور بعد ثورة يناير 2011، حيث هاجم متشددون دينياً عدداً من المواخير وهددوا بحرقها بمن فيها، ما دفع الدولة حينها إلى غلق 10 أماكن لممارسة الدعارة المقننة، في حين تم الإبقاء على اثنين فقط، وهما ماخور محافظة صفاقس عاصمة الجنوب، وماخور زنقة عبد الله قش بتونس العاصمة.

ولم يسلم الماخوران حينها من تهديدات بعض المتشددين، حيث تم الهجوم على ماخور نهج زرقون بالعاصمة بواسطة الزجاجات الحارقة مباشرة بعد صلاة الجمعة، ما أجبر وزارة الداخلية حينها على التدخل وحماية المومسات.

"هناك زبائن أوفياء لهذا الماخور الذي يوفر لهم الحماية صحيا، حيث لا يمكن ممارسة الجنس دون واقي ذكري، كما يخضع العاملات إلى مراقبة طبية مستمرة، ما يشجع المقبلين على هذا المكان"

كما قامت الوزارة التي تشرف على الماخور حينها بطرد بعض العاملات لأسباب مختلفة، أهمها قلة الانضباط والخروج دون موجب وشرب الخمر، حسب ما أكده بعض العاملات بالماخور لرصيف22، ما دفع بعضهن للاحتجاج، معتبرات ذلك أسباباً واهية، الغاية منها غلق الماخور وزيادة التضييق على العاملات.

غلق 10 مواخير مع تجدد هجمات المتشددين في كل من محافظة باجة والقيروان وسوسة، دفع عدداً من بائعات الهوى إلى التظاهر أمام البرلمان التونسي في وقفة احتجاجية هي الأولى من نوعها في البلاد، للمطالبة بإعادة فتح ماخورهم.

ورغم الضغوط والاحتجاجات لعاملات الماخور إلا أن الدولة لم تستجب لطلباتهن وظل الحال كما هو عليه، ولعل ما يدفعنا إلى التساؤل أين ذهبن بعد إحالتهن على البطالة.

برزت بعد ثورة يناير 2011 ظواهر اجتماعية عديدة، أهمها تفشي تجارة الجنس في الأحياء الراقية والوسط المدرسي والجامعي، ما ساهم في تضرر عاملات المواخير بصفة مباشرة.

كما طفت على السطح ظاهرة الزواج العرفي، حيث بلغت 1200 حالة، منها 900 في صفوف الطلبة، وفق ما كشفه وزير الشؤون الاجتماعية السابق، محمد الطرابلسي، في آخر إحصاء عام 2019.

"حاولت الابتعاد وفشلت"

تقول سلوى (اسم مستعار) إن الضغوط الكبيرة التي مورست عليهن بعد ثورة يناير، الطرد التعسفي والبطالة التي أصبحن يعانين منها، دفعت بعضهن للعمل خارج الأطر القانونية من أجل توفير لقمة العيش لهن ولأبنائهن.

وجازفت الكثيرات بهذا العمل، بما أن القانون التونسي يعاقب بالسجن كل من ترتكب هذا الفعل المحظور، حسب ما ورد في الفصل 231 من المجلة الجزائية: "النساء اللاتي في غير الصور المنصوص عليها بالتراتيب الجاري بها العمل يعرضن أنفسهن بالإشارة أو بالقول أو يتعاطين الخناء ولو صدفة، يعاقبن بالسجن من ستة أشهر إلى عامين وبخطية من عشرين ديناراً إلى مائتي دينار"، و"يعتبر مشاركاً ويعاقب بنفس العقوبات كل شخص اتصل بإحدى تلك النساء جنسياً".

وتؤكد سلوى، وهي من اللواتي تعطلن بعد الثورة، أنها حاولت في أكثر من مرة الابتعاد عن هذه المهنة التي أرهقتها وتسببت لها بمتاعب بالجملة، لكنها لم تفلح.

تقول سلوى لرصيف22: "لقد عملت في مقهى وكذلك كمساعدة منزلية وعاملة تنظيف في المطاعم، لكن سرعان ما تنقلب الأمور ويتم طردي بسبب الماضي الذي عشته".

قسوة الحياة، والتنكر لها من طرف الجميع دفع سلوى للعودة إلى "الدعارة".

تؤكد سلوى وهي أم لثلاثة أطفال، أن قسوة الحياة والتنكر لها من طرف الجميع دفعها للعودة إلى "الدعارة" من أجل حماية أطفالها من الضياع، وتوفير لهم كل سبل الراحة والحماية، لوضعهم على "الطريق المستقيم".

تلتقي سلوى مع زبائنها في إحدى المقاهي بالأحياء الراقية بالعاصمة، حيث هناك من يدفع أموالاً طائلة مقابل سويعات حميمة، كما تربطها علاقات مع بعض النادلين بالمقاهي الذين يصطادون لها الزبائن من دول مختلفة، وهم من الذين يدفعون أموالاً كثيرة.

تقول سلوى إنها تعرضت لأبشع أنواع النعوت والشتم، كما تعرضت لأكثر من مرة إلى الضرب وأحياناً أخرى لعمليات سطو.

لم تعد بيوت الدعارة المقننة مغرية بالنسبة للباحثين عن ممارسة الجنس، بعد بروز عدد من أوكار الدعارة في الأحياء الراقية والشقق الفاخرة، وهي ممنوعة قانوناً إلا أنها "أكثر حرية وأماناً بالنسبة للطرفين".

"أن يجدك صديق أو قريب لك وأنت تحوم بالقرب من نهج ماخور عبد الله قش بحد ذاته يعتبر فضيحة، وستكون على كل لسان، لذلك نحاول تفادي المرور بالقرب من تلك المنطقة"، يقول عبدالله المكنى بعبودة، أصيل محافظة جندوبة (44 عاماً)، غير متزوج، ويعمل كبائع حقائب في سوق قريب من الماخور، معروف بوفائه لـ"عبد الله قش".

وعن أسباب تخليه عن الإقبال باستمرار كما جرت العادة، يؤكد أن الأمر صار مختلفاً اليوم، حيث بإمكانك أن تمارس الجنس في منزلك أو في إحدى الشقق الفاخرة بمقابل مادي أكثر بقليل، لكنك تستمتع بوقت أفضل، وتكون أكثر أماناً وراحة.

وتمثل الدعارة الموازية ضربة قاصمة للعاملات في المواخير، حيث قلّ دخلهن مقارنة بالأموال الطائلة التي كن يجنينها سابقاً، حيث كن بلا منافس في "السوق"، بحسب سلوى.

مذلة ومقابل ضعيف

معاناة نفسية واجتماعية وأخرى بدنية، ملخص ما تعيشه عاملات الماخور وما يتعرضن له يومياً من أبشع أنواع النعوت المذلة والمشينة، تضاف إليها الآن تدني المقابل المادي.

تقول وهيبة (اسم مستعار) لرصيف22: "لا أحد ينكر أن مداخيلنا في الماخور تراجعت مقارنة بما كنا نجنيه سابقاً، وهذه نقطة سلبية يجب على الجهات المسؤولة التفطن لها قبل وقوع انفلات وهروب البعض إلى الفضاء الخارجي".

"لقد عملت في مقهى، هربا من تلك المهنة، وكذلك كمساعدة منزلية وعاملة تنظيف في المطاعم، لكن سرعان ما تنقلب الأمور ويتم طردي بسبب الماضي الذي عشته"

ويعتبر عبد الستار حميد، ناشط في المجتمع المدني، أن "الدعارة المقننة" هي "ملاذ آمن وصحّي للباحثين عن الجنس من الفئات الهشة، لأنها غير قادرة خارج الإطار القانوني"، ويرى أيضاً أن لها دوراً في تخفيض "نسب الاغتصاب والتحرش".

وتقترح وهيبة أن تتم الزيادة في تسعيرة ممارسة الجنس، التي ظلت تراوح مكانها منذ سنوات، وتضيف وهيبة أن هناك زبائن أوفياء لهذا الماخور الذي يوفر لهم الحماية صحياً، حيث لا يمكن ممارسة الجنس دون واقٍ ذكري، كما تخضع العاملات لمراقبة طبية مستمرة، ما يشجع المقبلين على هذا المكان، كما يوفر الماخور أيضاً الحماية الأمنية، لأنه لا يمكن التعرض لهم أو اعتقالهم أو مضايقتهم، بما أن الأمر يتم في كنف القانون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard