"أريد لأبنائي أن يسامحوني"... مخاطرة جني الزقوقو في تونس

الأربعاء 14 أكتوبر 202003:09 م

مع اقتراب الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، تنشط تجارة بيع " الزقوقو" في تونس بقوة، حيث يصطف الناس في شكل طوابير طويلة لشرائه غير عابئين بأسعاره الملتهبة، ولا بالبروتوكلات الصحية التي فرضتها الدولة جراء تفشي فيروس كورونا.

رحلة وصول حبات الزقوقو إلى الباعة ومنها إلى أيدي المستهلكين، لا تبدو سهلة كما يعتقد البعض، بل هي "خبزة مرة"، كما يسميها "الكرادة"، وهم أشخاص اختصوا في قطف " كرد الزقوقو" في ظروف قاسية فرضها الواقع الاجتماعي الصعب، الذي تتميز به محافظات الشمال والوسط الغربي التونسي.

والزقوقو، بذور يميل لونها الى السواد مستخرجة من أشجار الصنوبر الحلبي، وحجمها لا يختلف عن حبة القمح، وتنمو كثيراً في مناطق الشمال الغربي والوسط الغربي، ويستعملها المواطنين في تونس لإعداد عصيدة الزقوقو، وهي أكلة تكاد تكون تونسية خالصة.

وتستهلك هذه المادة بدرجات متفاوتة في البلاد، حيث لا تكاد صحفة الزقوقو تغادر أي مائدة في جهات الشمال والوسط الشرقي والغربي في يوم الاحتفال بالمولد النبوي، فيما لا تزال هذه العادة أقل انتشاراً في جهات الجنوب التونسي، حيث يحرصون على تناول العصيدة البيضاء التقليدية.

شجرة الصنوبر

معناها أم ( الزقوقو)، مع تحيات( جبل كبوش)- الكاف

Posted by Monir Jridi on Saturday, 22 December 2018

"الغابة أمنا الحنون"

ارتبط سكان الشمال الغربي، وخاصة القرى والمدن المتاخمة للجبال بالغابة، التي يعتبرونها أمهم الحنون التي تدر عليهم الرزق في ظل إهمال الدولة لهم، فمنها يقتاتون، ومنها يعيشون، وإليها يرجعون في كل يوم وفصل، حيث يلتجئون إليها لصناعة التحف والعصي وبيعها، ومنهم من يقتات من فراولة الجبال، وزيت القضوم، والريحان، ومنهم من يبيع الحطب والأعشاب الطبية وصولاً إلى استخراج العسل الجبلي، والصيد، كلها تفاصيل زادت من تعلق سكان هذه المناطق بغاباتهم.

وتعد محافظات سليانة والكاف وجندوبة والقصرين من أكثر الجهات إنتاجاً للزقوقو لتوفر مساحات شاسعة من أشجار الصنوبر الحلبي فيها.

"لا يوجد أحد في هذا العالم يريد العذاب لنفسه ولعائلاته، لكن الواقع فرض علينا هذه الحياة المتقشفة، كما يقول المثل التونسي: شاق ولا محتاج"

ويغطي الصنوبر الحلبي في تونس 365.220 هكتاراً، معظمها في محافظات الشمال والوسط الغربي، أما منطقة سليانة فتضم قرابة 108 آلاف هكتار من أشجار الصنوبر، وتعد من أكبر المحافظات إنتاجاً للزقوقو، لشساعة غابات الصنوبر فيها.

وبلغ سعر الزقوقو في تونس عام 2019، مستويات قياسية إذ وصل سعر الكيلو غرام الواحد إلى ثمانية دولارات، وهو ما دفع وزارة التجارة إلى التدخل للحفاظ على عدم ارتفاع الأسعار، واتخذت إجراءات بغلق المحال التجارية، التي تتجاوز سقف ثمانية دولارات.

ويبلغ سعره هذه الأيام حوالى سبعة دولارات للكلوغرام، وهو رقم مرشح للارتفاع مع اقتراب الاحتفال بعيد المولد كما يسمى في تونس.

"لا أستطيع تعليم أبنائي"

ينطلق العاملون في قطاع جني الزقوقو إلى الجبال منذ مطلع شهر تشرين الأول/أكتوبر إلى شهر آذار/مارس في رحلة شاقة، فرضتها ظروف اجتماعية قاسية، لا يعرفها إلا أهل الجهة.

وينتشر هؤلاء في الجبال مصحوبين بعائلتهم وأطفالهم من أجل التعاون في العمل، فينصبون خيامهم وسط سهول داخل الجبال، ثم ينطلقون في تهيئة المكان استعداداً لاستقبال كميات الزقوقو.

"مورد رزقنا الوحيد".

يقول فيصل (42 عاماً)، ينحدر من منطقة مكثر في محافظة سليانة، لرصيف22، إنه ورث هذه العادات عن أجداده، وإنه لا يزال يتشبث بها، لأنها مورد رزقهم الوحيد، ويضيف أنه منذ نعومة أظافره لا يعرف عملاً آخر غير هذا العمل الذي أصبح جزءاً من حياته.

ويصطحب فيصل في رحلته الموسمية زوجته "حبيبة"، وابنيه اللذين لا يتجاوز عمراهما العشر سنوات، وأمه، كي تعتني بالصغار، وتعد وجبات الغذاء عندما يكون هو وزوجته في العمل.

يقول فيصل إنه يريد أن يطلب الاعتذار والسماح من أبنائه لأنه لم يوفر لهم الظروف الملائمة للتوجه إلى مقاعد الدراسة كغيرهم من التلاميذ، ويضيف: "عندما أرى االصغار متوجهين إلى المدرسة، يؤلمني قلبي، وأتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعني للهروب من جحيم هذه الحياة، فعلاً إنها خبزة مرة وان شاء الله يسامحوني".

الكاف.. ارتفاع سعر الزقوقو وعزوف التجار على بيعه

Posted by ‎Mateur news ماطر نيوز‎ on Monday, 12 October 2020

الحمار وسيلة نقل

من الناحية العملية يتطلب قطف مخاريط الزقوقو مهارة عالية وخفة ورشاقة، فالذي يجنيها مُطالب بتسلق أعالي الأشجار التي يفوق طولها 10 أمتار، وهو مهدد في كل وقت بالسقوط، لذلك عليه أن يكون حذراً.

يتسلق فيصل الشجرة رويداً رويداً ليستقر في قمتها، ومعه مقص لقطف مخاريط الزقوقو، التي تسقط أرضاً لتقوم زوجته بجمعها في أكياس ثم رفعها على الحمار، الذي يعتبر وسيلتهم الوحيدة للنقل والعودة بها إلى مقرهم، وهنا يبدأ فصل جديد من العمل الشاق.

يحفر فيصل حفرة في الأرض يبلغ عمقها متراً واحداً، وعرضها أكثر من مترين مربعين، وتسمى بالفرن، وتكون في شكل دائري ومبنية بالحجارة، يقوم محدثنا بتقسيمها إلى نصفين، طرف يشعل فيه النار، وآخر يضع فيه "كرود الزقوقو"، وبغلقها بإحكام، حتى تستسلم مخاريط الزقوقو أمام درجة حرارة الفرن، وتفتح أجنحتها المغلقة لتولد من رحمها الحبات.

تبقى المخاريط داخل الفرن بين ثلاث وأربع ساعات أحياناً، بعدها ينزل فيصل إلى داخل الفرن رغم حراراته المرتفعة لينفض "كرود الزقوقو"، ثم يخرجها لتنقيتها من الشوائب، وتصفيتها بالاستعانة بعامل الريح.

الزقوقو متوفر إن شاء الله في #مغازة_آمنة

#Sup_Emna

Posted by ‎Superette Emna -مغازة آمنة‎ on Monday, 20 November 2017

شاق جداً

"لا يوجد أحد في هذا العالم يريد العذاب لنفسه ولعائلاته، لكن الواقع فرض علينا هذه الحياة البسيطة، كما يقول المثل التونسي: شاق ولا محتاج"، يقول العم الهادي لرصيف22 وهو من الذين تشوهت أيديهم من العمل في جني الزقوقو.

العم الهادي ذو الوجه الأسمر، الذي تروي تجاعيد وجهه قصصاً بعدما أثقلت الحياة الريفية والبدوية كاهله. وهو يعاني من البرد في المفاصل والظهر بسبب قساوة الطقس، إذ تعرف منطقة مكثر بتساقط كميات هائلة من الثلوج في الشتاء، ما يزيد من صعوبة العمل، كما ساهمت الأفران التي تزيد حرارتها عن المئة درجة من معاناتهم.

ويذكر أن هذا العمل يخضع لترخيص مسبق من وزارة الفلاحة عن طريق شراء مقاسم الصنوبر الحلبي في مناقصات تعرضها الإدارة الجهوية للفلاحة، وتراوح أسعار كراء هذه الأشجار أو تعشيبها كما يسميها العاملون في قطاع جني الزقوقو بين 700 دولار و1500، وذلك بالعودة إلى المساحة المحددة.

المتمردون

ذكرت وزارة الفلاحة أنه أصبح بإمكان سكان المناطق الريفية، الذين يشكل استغلال المنتوجات الغابية (الحلفاء، و الصنوبر، والإكليل، ومنتوجات أخرى) مورد زرق لهم النفاذ الى الموارد من دون الحاجة الى تصاريح استغلال قانونية من الادارة العامة للغابات أو التعرض لمحاضر أو ملاحقات قضائية.

ولكن معظم هذه القرارات لم تر النور حتى الآن، يقول أسامة العياري (32 عاماً) من منطقة الكريب التابعة لمحافظة سليانة: "الناس لا تزال حتى اليوم يتعرضون لبعض المضايقات من عساسة "حرس" الغابات، لذلك يلتجئون إلى الخطة "ب" حسب قوله، وهي اختلاس ما تيسر من مخاريط الزقوقو في غفلة من الحراس لسد حاجاتهم".

يقول العياري إنه يقوم مع أصدقائه بوضع خطة لتجاوز حراس الغابات، حيث يقف أحدهم في ربوة عالية، وهي مكان استراتيجي يطل على مسارب العساسة، فيما تتسلل البقية إلى الأشجار لجمع الزقوقو، "وفي حال ظهر أحد الحراس يطلق صديقنا صافرات الإنذار لنستجمع أنفسنا بسرعة ونغادر أو نختبئ"، بحسب روايته.

 "الناس لا تزال حتى اليوم يتعرضون لبعض المضايقات من عساسة "حرس" الغابات، لذلك يلتجئون إلى الخطة "ب" حسب قوله، وهي اختلاس ما تيسر من مخاريط الزقوقو في غفلة من الحراس لسد حاجاتهم"

ولعل أبرز ما علق في ذاكرة أسامة أنه ذات يوم وقع في شرك أحد حراس الغابات، وكان عمره حينها 22 سنة، يقول: "ألقى العساس القبض عليّ، وأنا في شوشة الشجرة أي قمتها وكانت الساعة الرابعة مساء، وكنت أعلم أن ذلك الحارس سيغادر العمل الساعة الخامسة، لذلك رفضت النزول من الشجرة، وبقيت أكثر من ساعة في قمتها، والعساس يفاوضني من أجل النزول حتى أعياه إصراري على عدم النزول، ليغادر ويتركني معلقاً هناك، ومع ذلك بقيت نصف ساعة أخرى إضافية للتأكد من ذهابه نهائياً".

الصنوبر أو الزقوقو

إن علاقة الإنسان بنبات الصنوبر علاقة قديمة جدا فقد عرف الفراعنة الصنوبر واستعملوه بكثرة حيث وجدت...

Posted by ‎منتدى الطب البديل و الأعشاب الطبية‎ on Friday, 15 May 2020

"طعام الفقراء"

يقول الباحث في التراث التونسي عبد الستار عمامو لرصيف22 إن التونسيين أصبحوا يعتمدون على الزقوقو مادة غذائية منذ عام 1864، إبان ما يعرف بثورة علي بن غذاهم، التي رافقها جفاف حاد وقحط، مما اضطر سكان الشمال التونسي إلى استهلاك الزقوقو، الذي كان الأقرب إليهم ولا يكلفهم أي عناء مادي.

ويضيف عمامو أن استهلاكه انتهى في نهاية المجاعة قبل أن يعود خلال سبعينيات القرن الماضي ليصبح دلالة على الرفاهية الاجتماعية لارتفاع كلفته.

ويشير عمامو إلى أن الزقوقو عرف طويلا بأنه "طعام الفقراء"، لذلك أقلع الكثير عن تناوله، لأنهم لا يريدون تذكر تلك الفترات المؤلمة.

في المقابل، غدا سكان الأرياف الذين أكلوا "عصيدة الزقوقو" هرباً من الجوع، يقبلون على ما يسميه التونسيون "العصيدة البيضاء"، بحسب عمامو.

واشتهرت هذه المادة أولاً في العاصمة، ولا تزال غير مطلوبة في بعض المناطق، خاصة في محافظة القيروان. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard