فيقول الله لعزرائيل: مُتْ، فيموت... كيف يموت الموت؟

الأربعاء 2 ديسمبر 202001:02 م

المشرحة هي مدينة سفلية، جادة غواصين في كهوف الموت، مستودعات الجثث، من معاهد الطب الشرعي إلى مستودعات المستشفيات، تحمل نفس تماسك الجثة، لونها وصمتها"، يقول جان لوك هينيغ، الكاتب والروائي الفرنسي في كتاب "تقصّي الجثة واستخداماتها".

بعد الموت، يصبح الجسد غريباً، يرغب ذووه بإخفائه سريعاً عبر الدفن، أو التخلص من مسحة الموت التي تعتريه، تجميله وغسله وإلباسه لباساً مناسباً يختلف باختلاف العادات والأديان، أي إعادة تمثيله جمالياً للتغلب على القبح الذي صنعه الموت.

بالتأكيد الدفن واحد من الطرق الأكثر أماناً واحترافية للتخلص من عبء الموتى، ندفن أحزاننا ونخلص من خطر بقاء الجسد والذنب المرتبط به معنا، وتقوم الحياة بدورها في تنقية اليومي من الذنب الذي تصنعه الجثة بحياتنا المليئة بالبيرة وكؤوس الشاي والجنس والقبلات الحميمة.

دور المشرحة

في القرن التاسع عشر لم تكن أسباب الموت أقل من الآن، لكن كانت المشكلة في الربط بين الموت واسم صاحب الجثة، فقام شخص يدعى يوجين هوسمان، باختراع هذه الفكرة الرائعة: إنشاء مشرحة عامة، توضع خلفها الجثث مجهولة الهوية ويمرّ الزوار لمراقبة الجثث لربما يتعرفون على أحد ما، من وجهه، النمش على ساعديه، من جرح قديم في صدره أو وشم قديم.

فكرة المشرحة العامة، أو المشرحى كمعرض قد تبدو غريبة الآن، إلا أنها كانت مبتكرة للغاية في القرن التاسع عشر: خلف كنيسة نوتردام، في 1868، معبد صغير جميل يضم جثثاً موضوعة على 12 طاولة رخامية سوداء، والمعرض مفتوح مجاناً للجميع يومياً، فاق نجاحها كلّ التوقعات وأصبحت "مشرحة باريس" أشهر من برج إيفل وقوس النصر... 

بالرغم من أن فكرة المشرحة/المعرض تبدو غريبة الآن، إلا أنها كانت مبتكرة للغاية آنذاك: خلف كنيسة نوتردام، في 1868، معبد صغير جميل يضم جثثاً موضوعة على 12 طاولة رخامية سوداء، والمعرض مفتوح مجاناً للجميع يومياً.

كان النجاح أكبر من التوقعات، أصبحت "مشرحة باريس" أشهر من برج إيفل أو قوس النصر، ويقدر عدد من حضر العرض يومياً بـ 40000 شخص، ليسوا فقط من الباريسيين، بل الأجانب أيضاً، خصوصاً الإنجليز، وأصبحت "Morgue de Paris" من أشهر المعالم السياحية، حتى إغلاقها في مارس 1907 خوفاً على الصحة العامة، لكن ليس قبل أن تنتقل كمفردة إلى اللغة الإنكليزية وتحلّ محلّ كلمة "بيت الموتى".

فن الجثث

إن تاريخ المشرحة يماثل تاريخ المعارض الفنية، حيث توضع الأشياء/المنتجات الفنية في أماكنها المخصصة، وهذا التقارب بين الموت والصورة يُخفي الغرابة أو عدم التجانس، فمن الطبيعي أن تجد في معرض فني لوحة وفي مشرحة جثة، لكن العكس قد لا يكون متسقاً تماماً.

المشرحة بطريقة ما مكان للعرض، لتوريط المشاهد في تعريف الجثة، هل هي لبائع الخضار الذي اختفى منذ أسبوعين أم لبائعة الهوى المفقودة، للقيط أم لنبيل؟ كان فرويد قد ربط بين النظرية الجنسية الطفولية والموت، إذ يأتي البشر لأخذ فكرة، لتكوين تعريف جنسي خاص حول الجسد، العنف والموت، رغم احتفاظ المشرحة بوظيفتها الأساسية: التعريف عن الجثث.

في الصور التي تزايدت مؤخراً في الحروب المستمرة منذ عام 2011، أخذت المشرحة تتسع بشكل كبير، وتتأقلم مع التكنولوجيا التواصلية الحديثة، لكن هذا لم يفقدها جانباً مهماً من الفرجة ولا من ارتباط الأمر "ولو بطريقة منحرفة" مع النظرة الذاتية للشخص حول الجسد والعري والموت، ينظر البشر إلى المناظر الطبيعية، الأفلام، الزهور، يستمعون إلى الموسيقى ويقومون بكتابة بعض الكلمات، لكنهم أيضاً يتغذون، وسط هذا كله، على رائحة الموت كأنهم ذاهبين إلى حفلة موسيقية، أو لمشاهدة فيلم بورنو.

سمح التصوير الفوتوغرافي بالتقاط تلك اللحظة الضائعة، الهوية المصورة للجثة، كما في صور "قيصر" مثلاً. نكشف قصة المتعة في النظر لتلك الجثث المقطعة والمشوهة والمتعفنة، هناك جمال معين في الرعب، وهناك متعة أخرى في إعادة تمثيل الرعب.

إن الفضيحة التي تثيرها صور من هذا النوع ليس فقط بقيمتها الجزائية أو القانونية، إنما كونها أصبحت ضمن فضاء "العام" كاللوحات، حتى أن بعضها يتم تناقله وعرضه في المؤتمرات والمحاكمات كأنها تفصيل من لوحة فنية كبيرة، يجري التدقيق فيها، إخضاعها للاختبار ودراستها بدقة.

تمثل المشرحة في المستشفى نوعاً من الجدولة الزمنية وتؤرّخ لتطور أو تدهور الحالة المرضية، هي بمثابة تاريخ يتم التقاطه لقطة إثر لقطة، تبدأ بلحظة دخول المريض من الباب الأمامي للمشفى، يملك قدراً من الأمل على الأقل بالتعافي، ثم يخرج من القسم الخلفي للمشفى، من المشرحة، مع غطاء أو كيس بلاستيكي يضمن إخفاء الهوية عن البقية وليس عن أصحاب الجثة، لكن العرض العلني في مشرحة باريس القديمة يحتاج لهذه الفرجة، لهذا الامتهان ليتعرّف الناس على الجثث فنذكر قصصهم ونلحقهم بعائلات وقرى وتواريخ شخصية، أي ليتحصّلوا على وجود حقيقي، إذ لا يكفي الجسد ليدلّ على الوجود، الجثث معرّفة بماضيها فقط.

ظهرت صورة ملك الموت في الكثير من الثقافات وأشكال الفنون، ولم يتبق إلا أن ينشئ له حساب على فيسبوك. مرات ظهر ككائن شرير "يهدم اللذات ويفرّق الجماعات"، كما في ألف ليلة وليلة، ومرات كموظف لا غير، ينجز المهام الموكلة إليه بأمانة ككلب مطيع

الصحوة بعد الموت

تكشف أساليب الاحتفاظ بالجثث في المدينة الحديثة عن علاقة المجتمع بالجسد، ونظرته إليه، عندما يستيقظ الجسد من صحوته يفقد الميت في الفقه الإسلامي إحساسه بالوقت: يقف الرجل الأخير في المعركة، متكئاً على رمحه، صارخاً: "لقد هزمتك ياموت"، هو يظن ذلك، يظن أن نجاته من معركة دموية تعني أنه هزم الموت، لكنه لم يفعل، لقد نجا فحسب: الموت لا يهزم.

لقد ظهرت صورة ملك الموت في الكثير من الثقافات وأشكال الفنون، ولم يتبق إلا أن ينشئ له حساب على فيسبوك. مرات ظهر ككائن شرير "يهدم اللذات ويفرّق الجماعات"، كما في ألف ليلة وليلة، ومرات كموظف لا غير، ينجز المهام الموكلة إليه بأمانة ككلب مطيع.

بينما تمتلك الحياة سبباً واحداً لتكون، يمتلك الموت عشرات الأسباب وعشرات العوارض، لدرجة ينبغي أن نصنع له معرضاً فنياً ونطبع له كتباً، وهذا فعلاً ما حصل في وقت من الأوقات، إذ يكف الجسد لحظة الموت عن كونه "إنساناً" ويصبح "مادة"، مادة ينبغي السماح بإعادة تشكيلها، تطويعها ضمن العرض الفني، تلوينها وإلباسها أقنعة لتلائم شروط العرض.

أما اليوم فما يحصل هو اختفاء تدريجي للموت ليحل بدل منه "موت كاريكاتيري" كما في السينما على سبيل المثال، إذ كان للموت في السابق هيكل "فني"، شكل وإطار وعادات مرتبطة به وطريق يمر به الجثمان، من التحضير للدفن إلى الجنازة ووقت الحداد، البكاء والزيارات في الأيام المقدسة، الجميع هنا يتشاركون العرض: الأقرباء، الجيران، الأهل الحزانى، حفارو القبور، الجمعيات الخاصة بتحضيرات الدفن ورجال الدين، كلهم يجتمعون في أوركسترا واحدة هدفها "الحزن على الميت" أو إنتاج الحزن وتمثيلاته في المجتمع.

لقد تغير مفهوم الموت وطريقة "عيشه" في العقود الأخيرة، ظهرت مقاربات جديدة له تقترب أحياناً من مفهوم الاحتفال، فقد هُجرت ساحاته، سواء أكان في الأديان بشكل عام أو في طقوسه الموازية في المجتمع، فُرّغت الأمكنة التقليدية للموت وأصبحت ساحاته العامة تتلخص بـ "الإعلان" عن الفقد كنوع من التطهير الذي يشابه الوهم، كنا نرسل زهوراً أو برقيات صرنا نرسل "أحزنني"، رغم كثرته الجديدة أصبح "تصوراً"، مشهداً مبتذلاً، وعاد إلى كونه مجرّد تجارة مثل الحياة نفسها، لنعيد اكتشاف أن الإنسان ليس سوى سلعة، سلعة مستهلكة لسلعٍ أخرى، وبعد الموت سلعة منتجة لسلعٍ أخرى.

إعادة الموت إلى الحياة

في الفقه الإسلامي، يقوم ملك الموت، أو عزرائيل بقبض أرواح البشر حسب المشيئة الإلهية المقدرة لكل منهم، شجرة ضخمة مسجّل على كل ورقة منها اسم شخص، وعندما يأتي دوره يقطف عزرائيل الورقة ببساطة، ثم في يوم القيامة يأمر الله عزرائيل بإماتة الجميع حتى كبار الملائكة، جبريل وميكائيل وغيرهما، معتذراً منهم، ولا يتبقى إلا الله وعزرائيل، ذَكر عبد الرحمن السيوطي في كتابه، عن محمد بن كعب القرظِيّ أنه قال: "وصل إليه أَنّ آخر من يَمُوت -من خلق الله - ملك الموت، فيُقَال له حينها: يا ملك الموت مُت، فَوَقْتَ ذلك يصرخ ملك الموت صرخة لو سمعها من في السَّموات ومن في الأَرض لماتوا فَزعاً، ثمّ بعدها يَمُوت، وذكر أيضاً أن الموت يكون أَشدّ على ملك الموت من جَمِيع الخلق".

الله لا يقبض روحه، إذ إن هذه ليست مهمته، بل عزرائيل من يمتلك القدرة على قبض روح نفسه، يمتلك إرادة الموت بكلمة، وهو ينصاع للأمر الإلهي الصادر، فالله لا يميت أحداً إنما عزرائيل من يفعل، وفي النهاية الله يميت الموت فحسب، بالكلمة لا بالفعل، بفعل تمثيلي مسرحي لا يحتاج لأدوات، كالمنجل الشهير أو صعود الروح من الصدر إلى الحنجرة فالفم، في اللحظة التي يموت فيها الموت وقبل أن تتلاشى روحه كرسالة "Mission: impossible" التي تبدّد نفسها بعد أداء مهمتها، تبدو عندها الحياة أشبه بمشرحة كبيرة، جثث متنوعة تتضمّن الملائكة والأبرار والمؤمنين أيضاً، الخطاة والفلاحين والجنود، في يومياتهم الصغيرة، وليس من مُتفرّج وقتها غير الله: مشاهد وحيد لمعرض جثث هائل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard