اغتيالات ورشاوى وتهريب... تاريخٌ طويل من التنسيق السري بين الموساد والمغرب

الأربعاء 16 ديسمبر 202008:20 م

بعد ستة عقود من العلاقات الاستخبارية والعسكرية والسياسية والثقافية السرية بين إسرائيل والمغرب، قررت تل أبيب والرباط في الأسبوع الماضي تطبيع العلاقات بين البلدين.

في تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية للكاتب يوسي ميلمان، في 16 كانون الأول/ ديسمبر الحالي، عودةٌ إلى تاريخ العلاقات السرية بين البلدين، حيث يشير الكاتب إلى أن كل رؤساء الموساد من الستينيات وحتى الرئيس الحالي يوسي كوهين زاروا المغرب، والتقوا بقادتها ورؤساء استخباراتها، ما جعل الصحافيين الإسرائيليين يصفون العلاقات بين الرباط وتل أبيب الأكثر ثباتاً في العالم العربي.

حتى في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، كانت لإسرائيل اتصالات مع المغرب حينما كانت خاضعة للحكم الفرنسي، لكن العلاقات اكتسبت زخماً حقيقياً بعد حصول المغرب على الاستقلال عام 1956. فما أبرز ما تضمنه تقرير ميلمان حول تفاصيل هذه العلاقة؟

بداية الاتصال

كان الفرنسيون يسمحون لليهود المغاربة بالهجرة الى فلسطين حيث وصل عدد المهاجرين إلى 70 ألف، لكن الملك محمد الخامس قيّد حق اليهود في السفر ومنع هجرتهم إلى إسرائيل، بل أعلن أن "الصهيونية جريمة" عام 1959.

اعتقد الملك المغربي، كما فعل الحكام العرب الآخرون، أن أي شخص ينتقل إلى إسرائيل لن يقوم فقط بدعم الدولة اليهودية، ولكن سيكون مجنداً لمحاربة العرب، ومن ضمنهم الموجودين في المغرب.

ومع ذلك، يروي ميلمان أن الموساد حاول إيجاد طريقة للالتفاف على قرارات الملك، فحشد فريقاً من الجواسيس الإسرائيليين، أغلبهم من اليهود المغاربة، وجميعهم من الناطقين بالفرنسية والعربية، وذلك لابتكار طرق لترحيل ما تبقى من 150 ألف يهودي من المغرب.

أُطلق على هذا الفريق اسم "مسجريت-Misgeret"، وكان مسؤولاً ليس فحسب عن تعزيز الهجرة غير الشرعية إلى إسرائيل، ولكن أيضاً عن تنظيم وحدات للدفاع عن المجتمعات اليهودية من التهديدات والمضايقات من قبل الأغلبية العربية المسلمة المعادية.

كان شموئيل توليدانو، أحد عملاء الموساد، مسؤولاً عن قيادة هذا الفريق الذي تم تسليحه طوال فترة المهمة التي استمرت خمس سنوات في المغرب.

رتبت عملية "مسجريت" سيارات أجرة وشاحنات لنقل اليهود من المغرب، وحملت الأموال اللازمة لدفع رشاوى لجميع الضباط المغاربة على طول الطريق. وكان الطريق المفضل لخروجها عبر مدينة طنجة التي كانت في ذلك الوقت "مدينة دولية"، ومن مينائها على متن قوارب إلى إسرائيل.

في وقت لاحق، استخدم الإسرائيليون مدينتين أخرتين على الساحل المغربي بقيتا تحت السيطرة الإسبانية، وهما سبتة ومليلية، كقواعد انطلاق جديدة، وكان ذلك بالتعاون مع حاكم إسبانيا الجنرال فرانسيسكو فرانكو.

في أوائل الستينيات، حشد الموساد فريقاً من الجواسيس الإسرائيليين، أغلبهم من اليهود المغاربة، في سبيل ابتكار طرق لترحيل ما تبقى من 150 ألف يهودي من المغرب... ستة عقود من العلاقات الاستخبارية والسياسية السرية بين إسرائيل والمغرب سبقت الإعلان عن التطبيع

في رأي ميلمان، فإن الموساد ظن أن فرانكو تصرف بدافع الذنب بسبب علاقاته بهتلر، والتي تضمنت تسليم قوائم مفصلة باليهود الإسبان، مع العلم أن كثيرين يعتقدون أن إسبانيا طردت يهودها بالفعل عام 1492.

اشترى الموساد معسكراً سابقاً يقع في المستعمرة البريطانية لجبل طارق، على الساحل الجنوبي لإسبانيا، حيث حوّل ثكناته إلى منشأة لاستقبال اليهود الخارجين من المغرب.

وفي 10 كانون الثاني/يناير عام 1961، انقلب قارب صيد، كان مكتظاً باللاجئين اليهود، في عاصفة بين الساحل المغربي وجبل طارق، فغرق 42 رجلاً وامرأة وطفلاً وعميل اتصالات في الموساد.

سرعان ما أثارت الكارثة التعاطف في الخارج، لكنها كشفت عملية الموساد السرية، فأثار ذلك غضب السلطات المغربية، لكن "لحسن الحظ بالنسبة لإسرائيل، مات محمد الخامس وحل محله ابنه الحسن الثاني"، على قول ميلمان. 

الحسن الثاني

سعى الملك الجديد إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، فأقنعته "لجنة التوزيع المشتركة اليهودية الأمريكية" و"الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين"، وهما منظمتان إنسانيتان يهوديتان أمريكيتان، بأن يسمح لليهود بالمغادرة لإسرائيل.

ودفعت المنظمتان 50 مليون دولار رشاوى للملك الجديد وكبار مسؤوليه، على شكل ضريبة على كل يهودي مهاجر، "تعويضاً" للحكومة المغربية التي تقول إنها استثمرت في تعليم اليهود.

بدأت مرحلة جديدة من مشروع الهجرة تحت اسم "ياخين"، كان يديرها الموساد، وتمكنت من ترحيل 80 ألف يهودي إلى إسرائيل بين عامي 1961 و1967، فيما بقيت الجالية اليهودية الصغيرة تعمل منذ ذلك الحين كجسر للعلاقات الإسرائيلية المغربية، خاصة خلال الأزمات.

ويُعتبر حكم الحسن الثاني "العصر الذهبي" للعلاقات السرية بين البلدين، إذ تمّ بناء خطوط اتصال بين الموساد ونظيره المغربي، بقيادة اثنين من مسؤولي الاستخبارات والجيش، وهما الجنرال محمد أوفقير والعقيد أحمد الدليمي.

بحسب ميلمان، فإن كلا الضابطين قُتلا بأمر من الملك، بعدما اتهمهما بالتآمر عليه، مشيراً الى أن هذا الثنائي سمح للموساد بفتح مقر في المملكة، وتحديداً في فيلا في العاصمة الرباط، أدارها عملاء ذوو خبرة، من بينهم يوسف بورات ودوف أشدود.

عندما استضاف المغرب القمة الثانية لجامعة الدول العربية عام 1965، قررت أجهزته الأمنية التنصت على غرف الفنادق وقاعات المؤتمرات في الدار البيضاء لجميع القادة العرب، من ملوك ورؤساء ورؤساء وزراء إلى القادة العسكريين المرافقين لهم.

بحسب ميلمان، فإن تجسس المغرب كان مدفوعاً بعدم ثقة الملك في بعض إخوانه في جامعة الدول العربية، مشيراً إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية التي كانت لها علاقات جيدة مع الحسن شجعته على القيام بذلك.

وذكر ميلمان أن إسرائيل تورطت في عملية التجسس على القادة العرب حيث ساعد عملاء الموساد نظراءهم المغاربة في عملية التنصت وتبادل المعلومات، فيما ساعد المغرب الموساد في زرع عملاء في دول عربية معادية، مثل مصر التي كانت في ذلك الحين العدو اللدود لإسرائيل.

وطلب أوفقير والدليمي من رئيس الموساد مئير عميت في عام 1965 اغتيال المهدي بن بركة، زعيم المعارضة المغربية والذي كان يتمتع بشخصية جذابة وكان معارضاً قوياً للحسن الثاني، لكن اعتبرت تل أبيب أن هذا الطلب يجعل الإسرائيليين مرتزقة لدى مغاربة لقتل سياسي داخلي.

"سعى الحسن الثاني لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، فأقنعته لجنة التوزيع المشتركة اليهودية الأمريكية والجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين، بأن يسمح ليهود المغرب بالمغادرة لإسرائيل، ودفعتا 50 مليون دولار رشاوى له"... تقرير يكشف تفاصيل العلاقة السرية بين المغرب وإسرائيل على امتداد عقود

رفضت الحكومة الإسرائيلية هذا الطلب، لكنها سمحت للموساد بمساعدة المغاربة في تحديد مكان بن بركة، إذ علم رافي إيتان، رئيس عمليات الموساد في أوروبا آنذاك، من المغاربة أن المعارض البارز في جنيف، ثم كلف هو أحد مساعديه بالبحث عنه فوجد العنوان في دفتر هاتف محلي.

استدرج عملاء مغاربة بن بركة، بمساعدة رجال شرطة وأمن فرنسيين سابقين، إلى مقهى ليبي في باريس وخطفوه في وضح النهار.

واستجوب أوفقير والدليمي بن بركة حتى توفى جراء التعذيب، فأُصيب الدليمي بالذعر وانطلق ليطلب من إيتان معروفاً آخر وهو المساعدة في التخلص من الجثة.

وبحسب تقارير أجنبية، فتح إيتان خريطة، وأشار إلى منطقة مشجرة في العاصمة الفرنسية تدعى "بوا دو بولوني"، وطلب منهم شراء كيس، ولف الجثة فيه ودفنه هناك. ولم يتم العثور على جثة بن بركة، لكن الحادثة أحدثت أزمة دبلوماسية وسياسية في فرنسا والمغرب وإسرائيل.

طالب الرئيس الفرنسي شارل ديغول بتوضيحات من إسرائيل، وهدّد بإغلاق مقر الموساد في باريس، والذي كان المركز الرئيسي للعمليات الأوروبية.

بعد ذلك، حققت إسرائيل نصراً سريعاً في حرب الأيام الستة عام 1967. وكانت الهيبة الإسرائيلية في تصاعد كبير، ما ساعد في تطوير العلاقات مع المغرب. وهنا يعلق ميلمان على هذا التعاون بالقول إن فائض الحرب الإسرائيلية من دبابات ومدفعية تم بيعه للجيش المغربي.

وعلى الرغم من العلاقة الحميمة، قرر الملك الحسن الثاني إرسال قوات للمساعدة في المجهود الحربي المصري السوري ضد إسرائيل عام 1973، لذلك أمر رئيس الموساد إسحاق هوفي بوقف التعاون مع المغرب.

لم يستمر الخصام طويلاً، ففي عام 1977، استضاف الملك حسن لقاءات سرية بين مسؤولين في الموساد ومسؤولين مصريين، مهدت الطريق للرئيس أنور السادات ليلقي خطابه أمام الكنيست. كما شرع مستشارون وخبراء إسرائيليون في تعليم نظرائهم المغاربة تكتيكات لمحاربة جبهة البوليساريو التي تكافح من أجل الاستقلال في الصحراء الغربية.

وافتتح المغرب بعد مفاوضات السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وتوقيع اتفاقية أوسلو بعثة دبلوماسية على مستوى منخفض في تل أبيب، لكن بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية، عام 2000، أمر الملك الحالي محمد السادس بإغلاقها.

ومع ذلك كانت العلاقات غير الرسمية في مكانها، إذ سمحت الرباط لما يُقدّر بمليون إسرائيلي من أصول مغربية وإسرائيليين آخرين، بالسفر إلى المغرب وحوله لسنوات. وكانت التجارة الثنائية بين تل أبيب والرباط في ارتفاع مستمر، كما ظلّت العلاقات الاستخبارية والعسكرية بين البلدين أفضل من أي وقت مضى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard