لماذا لم تَطَل رياح الثورة التونسية وزارة الشؤون الدينية؟

الخميس 17 ديسمبر 202003:07 م

غيّرت ثورة الحرية والكرامة التي فجّرها محمد البوعزيزي، في كانون الأول/ ديسمبر 2010، مسار تونس والمنطقة برمّتها، واقتلعت رياحها كل أجهزة النظام القديم، لتؤسس لجمهورية ثانية أعادت بناء مؤسساتها من جديد وطوت صفحة التفرّد بالحكم نهائياً، وبدأت بالتدرّب على التداول السلمي للسلطة.

رغم كل التغيير الذي أحدثته الثورة في عمل جميع الوزارات والمؤسسات، ظلّت وزارة الشؤون الدينية التي تُعَدّ هيكلاً حساساً، نظراً لتطورات الأوضاع الإقليمية وتنامي خطر الإرهاب، مهملةً ومتروكة لقدَرها، وبقيت مؤسسة هامشية مهمتها الوحيدة الإشراف على المساجد والاحتفال بالمناسبات الدينية.

في مرمى الانتقادات

بسبب عدم مواكبتها للتغيّرات التي شهدتها البلاد، تواجه الوزارة انتقادات واسعة يقودها برلمانيون، يتهمونها بالتقصير والتخاذل، وبعدم التصدي لقيام جماعات متطرفة باستغلال المساجد لخدمة أجندات إرهابية، ولدعوة الشباب إلى التوجّه نحو بؤر التوتر، لا سيما في سوريا والعراق وليبيا، في السنوات الماضية، إضافة إلى تعاونها مع منظمات أجنبية وجمعيات غير حكومية تروّج لفكر متطرف وغريب وأهداف يصفها البعض بـ"المشبوهة".

من هؤلاء البرلمانيين النائب عن حركة الشعب زهير المغزاوي. ينتقد أداء الوزارة ويصفه بـ"الضعيف"، ويقول إنّه كان من المفترض أن تعمل بعد الثورة على تجديد الخطاب الديني، لتتجاوز الخطاب الجاهز الذي اعتادت عليه خلال فترة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، كما كان عليها أن تراقب الخطب التكفيرية التي تشجّع على الإرهاب وعلى تسفير الشباب إلى بؤر التوتر.

ويقول المغزاوي لرصيف22 إنّ أداء الوزارة لم يتطوّر برغم مرور عشر سنوات على الثورة، وبرغم تتالي المحطات الانتخابية التي مرّت على البلاد، فهي حتى الآن لا تراقب المساجد ولا الخطب التحريضية التي لا تتماشى مع الثورة وقيم العدالة والحرية التي انبثقت عنها.

ويحذّر المغزاوي من تورّط الوزارة مع بعض الأطراف التي تحاول تغيير نمط حياة التونسيين برغم أنّ مسائل الهوية والتديّن محسومة بالنسبة إلى هذا الشعب الذي يُعتبر عريقاً في التدين الوسطي، وفي العروبة والإسلام، ويحذّر أيضاً من وجود علاقةٍ تربطها بجمعيات دينية يصفها بـ"المشبوهة" في مقدمتها الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين ومركز دراسة الإسلام والديمقراطية الذي يعمل وفق أجندات حركة النهضة الإسلامية وغيرها من الجمعيات.

من جانب آخر، يعتبر النائب عن حركة النهضة، الحزب الإسلامي المشارك في الحكم منذ عام 2011، فتحي العيادي أنّ الوزارة ظلّت تتأرجح بين خيارات الحكومات المتعاقبة التي أراد بعضها إلغاءها وإلحاقها برئاسة الحكومة، غير أنّ حركة النهضة رفضت ذلك، لما لهذه الوزارة من دور هام، خصوصاً في الظرف الذي تمر به تونس للتصدي للتكفير والإرهاب.

ولكن العيادي يرى أنّ الوزارة لم تواكب التغييرات التي جاءت بها ثورة 2011، ويقول لرصيف22 إنّها تحتاج إلى جهدٍ كبيرٍ وميزانية معقولة من أجل مواكبة تطوّرات البلد واهتمامات المجتمع، لافتاً إلى أنّ إلغاءها غير مقبول بالمرّة، برغم ضعف أدائها.

خلال جلسة مخصصة للنظر في ميزانية وزارة الشؤون الدينية داخل البرلمان التونسي في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2020، أكد وزير الشؤون الدينية التونسي أحمد عظوم أنّ الوزارة حرصت، منذ عام 2018، على تحييد المساجد والمنابر عن السياسة والأحزاب، كما عملت على تخصيص إستراتيجية متعلقة بمكافحة الإرهاب.

وأفاد بأنها بالإضافة إلى تكوين الأئمة والوعاظ والإطارات المسجدية، أعدّت دليل الإمام الخطيب، وقامت بتركيز خط أخضر للإرشاد والتوجيه بالتعاون مع المفوضية العامة لحقوق الإنسان، مخصّص لاستقبال المكالمات والبلاغات والشكاوى الصادرة عن المعتدى عليهم من الإطارات المسجدية والدينية، بمَن فيهم التابعون للأديان السماوية الأخرى.

مشهدٌ ديني متحرّك أمام وزارة غائبة

منذ بداية الدولة الوطنية عام 1956، كان التوجه الرسمي يعمل على تحجيم دور المؤسسة الدينية والتقليل من الإنفاق الموجّه لها، وكانت رؤية الدولة التي قادها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، أول رئيس يحكم تونس بعد الاستقلال عام 1956، تهدف إلى تحييد الدين عن الحكم وتقليص نفوذ خريجي جامعة الزيتونة.

كان من المفترض أن تعمل وزارة الشؤون الدينية التونسية بعد الثورة على تجديد الخطاب الديني، لتتجاوز آليات عملها خلال فترة الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، ولكنها حتى الآن لا تراقب المساجد ولا الخطب التحريضية

وكان الهدف من وراء ذلك بناء دولة حديثة تقوم على القانون وتسعى للأخذ بأسباب التقدم مثل الحال في دول أوروبا، وعلى وجه الخصوص فرنسا التي استعمرت تونس والتي درس فيها بورقيبة، وتشبّع بمظاهر حداثتها وأسسها.

وواصل بن علي انتهاج هذه السياسة، فأحكم سيطرته على المجال الديني على حساب القضايا الاجتماعية والاقتصادية، إلى حين إسقاط نظامه عام 2011.

مباشرةً بعد سقوط النظام، عاودت الأحزاب الإسلامية التي كانت ممنوعة من النشاط نشاطها بحرية ووصلت حركة النهضة الإسلامية إلى الحكم، ولا تزال حتى اليوم تحتفظ بأكبر كتلة برلمانية. كذلك، تمكّنت السلفية الجهادية من الانتشار بسهولة أكثر في البلاد، وتصاعدت الدعوات إلى إقامة دولة إسلامية، ترفض الاعتراف بشرعية مؤسّسات الدولة الحديثة.

وخلال فترةٍ وجيزةٍ سيطر المتشدّدون على المساجد ودور العبادة واستغلّوها لنشر أفكارهم الدعويّة والترويج للتحزب الديني، وتحوّلت تونس إلى خزّان بشري للحركات الجهادية، إذ تشير الأرقام إلى التحاق بين ثلاثة وستة آلاف تونسي بتنظيم داعش، وتنظيمات متطرفة أخرى.

وبعد كثير من التردّد، قررت الدولة أن تلعب دور "الرّاعي للشأن الدينيّ"، كما نصّ الدستور التونسي، غير أنّها لم تعتمد في ذلك على وزارة الشؤون الدينية، بل اعتمدت غالباً على دار الإفتاء التابعة لرئاسة الحكومة، إضافةً إلى تكثيف الجهود الأمنية والعسكرية في مقاومة الفكر المتطرّف والإرهابيين.

لماذا لم تشملها رياح الثورة؟

يرى الباحث في مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية في العاصمة التونسية سامي براهم أنّ أهم ملف عجزت الوزارة عن حله هو تأطير أئمة المساجد وتكوينهم، إذ إن 52% من الأئمة الذين تعيّنهم وزارة الشؤون الدينية لم يكملوا تعليمهم الثانوي، و15% فقط تخرجوا من جامعة الزيتونة، كما أنها لم تواكب التطور الاجتماعي، شأنها شأن باقي الوزارات المؤثرة في حياة الناس كوزارة التعليم ووزارة الصحة ووزارة الثقافة.

وأرجع ذلك إلى ضعف الميزانية التي تخصصها لها الدولة سنوياً، فضلاً عن أولويات الحكومات المتتالية الخاطئة، إذ تركز مواردها على التنمية والاقتصاد والسياحة، لكن الإرهاب يخرب لاحقاً كل ما بنته، كما خرب الاستقرار السياسي.

التطرف والإرهاب قائم على فكرة أن قيم المواطنة والدولة المدنية والمساواة بين المرأة والرجل وغيرها من القيم، وافدة من الغرب يراد بها تخريب الإسلام وتجب محاربتها، وهذا لا يمكن مقاومته دون الاستثمار في تكوين أئمة المساجد

وقال براهم إنّ وضع الوزارة اليوم لا يعبّر عن رؤيتها ولا عمّا تريده، مؤكداً أن لها رؤية وتصوراً للعديد من القضايا لكن ضعف الموارد المرصودة لها لا يمكّنها من تفعيلها.

واعتبر الباحث التونسي أن التطرف والإرهاب قائم على فكرة أن قيم المواطنة والدولة المدنية والمساواة بين المرأة والرجل وغيرها من القيم، وافدة من الغرب يراد بها تخريب الإسلام وتجب محاربتها، وهذا لا يمكن مقاومته دون الاستثمار في تكوين أئمة المساجد.

من جانبه، أكد الكاتب العام للمجلس النقابي الوطني للائمة شهاب الدين تليش أنّ وزارة الشؤون الدينية شهدت تطوّراً طفيفاً على مستوى أدائها بعد الثورة، لكنّه غير كافٍ، لافتاً إلى أنّها تجتهد من أجل مواكبة التغيّرات المجتمعية السريعة التي يمر بها المجتمع التونسي، غير أنّ الإرادة السياسية لم تساعدها في ذلك، لأنّ الأطراف السياسية المتصدّرة للمشهد لا تولي هذه الوزارة أهميّةً تُذكر، كما أنّ أجهزة الدولة لم تعطِها المكانة التي تستحقها.

وحمّل تليش الوزارة جانباً من المسؤولية عن انتشار الإرهاب خلال الأعوام الأولى من الثورة بسبب ضعف الخطاب الديني للأئمة في المساجد، وضعف تكوينهم، داعياً إلى ضرورة إشراك جامعة الزيتونة في كل القضايا المتعلّقة بالمسائل الدينية.

وأشار تليش إلى أنّ الوزارة خاضت تجربةً يتيمةً في مجال تطوير الأداء الديني في البلاد من خلال تأسيس معهدٍ لتكوين الأئمة في عام 2014، خلال عهد حكومة مهدي جمعة، تخرّجت منه دفعةٌ واحدة وُظّف بعض أفرادها، فيما ظل أغلب الخريجين دون صفةٍ، ثم أغلق المعهد بعد عامٍ واحدٍ لأسباب سياسية بالأساس، تتعلق بتغيير الحكومة، وبتعيين عثمان بطيخ حينها وزيراً جديداً للشؤون الدينية، وقيل إنّ إغلاقها متعلّق بضعف الإمكانيات المادية.

وأكد سفيان العوسي، عضو المجلس النقابي الوطني للأئمة ومتخرّج من جامعة الزيتونة، أنّ وزارة الشؤون الدينية كانت من بين الوزارات التي تأخرت في قبول الثورة واستيعاب ما أحدثته من تغيير في أداء الوزارات والمؤسسات، ولا تزال متأخرة في مواكبة تطورات الأوضاع مقارنةً بباقي الوزارات.

وشدّد على أنّ الوزارة واجهت كل القضايا المهمة في تونس بعد الثورة بصمت "غريب"، فهي لم تشارك ولو بإبداء رأيها حول ما يجري، في الساحة السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية وحتى الدينية، على غرار قضايا الهويّة والتغيّر العقدي والسلوكي، كما أنّها لم تتدخّل في بعض الفتاوى التي أصدرتها داء الإفتاء، وبدت كما لو أنّها لم تتخلّص من التبعية لباقي مؤسسات الدولة.

وعلى إثر نجاح الثورة التونسية في الإطاحة بنظام الاستبداد وفتحها المجال للحريات وانفجار سؤال الهوية من جديد، شهدت تونس فائضاً من التحركات الاحتجاجية التي خرجت دفاعاً عن هوية الشعب التونسي، إلى جانب تحركات تدافع عن الحقوق الفردية، وتنادي بفصل الجانب الديني عن دواليب الدولة، خصوصاً بعد إقرار جملة من الإجراءات لصالح الحريات الفردية، ولصالح المرأة التونسية في عام 2018، فضلاً عن الخلافات التي رافقت نقاشات فصول دستور 2014 الجديد، حين أصرّ البعض على رفض الإسلام كمكوّن مركزي لهوية الدولة في تونس، فيما دافع آخرون على ضرورة كتابة فصلٍ ينص على أنّ تونس دولة مسلمة، وهو الفصل الأول من الدستور الحالي.

ولفت العوسي أيضاً إلى أنّ تدخّل الوزارة في الشأن العام كان منعدماً أو محدوداً جداً، حتى أنّها أصدرت في أغلب اللحظات المهمة في تاريخ تونس توصيات للإطارات الدينية والأئمة بعدم الخوض في بعض الملفات والقضايا خلال خطبهم في المساجد.

محاربة الفكر الجهادي

استُحدثت وزارة الشؤون الدينية عام 1992، في سیاق تاريخي مشحون بالصراع حول الھوية والحريات الدينیة، وبالتصادم مع التیار الإسلامي الذي كان يحاول التموضع في الفضاء العام وفي المشھد السیاسي، فقد عاشت تونس في تلك الفترة على وقع احتجاجات سياسية قوية قادها الإسلاميون ممثلون في حركة "الاتجاه الإسلامي" (النهضة حالياً)، انطلقت منذ شتاء 1987 في الجامعة، قبل أن تصل إلى مختلف أرجاء البلاد.

وواجه بن علي تلك الظروف بحملة تجنيد إجباري عقابي شملت نحو 600 من قيادات "الاتحاد العام التونسي للطلبة" في كافة الجامعات، وخارج الجامعة، كما أسفر صدامه مع حركة "النهضة"، في 1991، عن اعتقال الآلاف من أعضائها، قبل أن يحلّ منظمة الاتحاد العام التونسي للطلبة.

ويشير الباحث في الحضارة الإسلامية محسن العوني إلى أن الوزارة كانت إدارةً تابعة لرئاسة الحكومة في عهد الحبيب بورقيبة وكانت تسمى إدارة الشعائر الدينية، غير أنّ بن علي حوّلها حين تولى رئاسة البلاد إلى وزارة دون صلاحيات، كخطوةً لذر الرماد في العيون، خصوصاً أنّها كانت تُسيّر في عهده من مكتب صغير في وزارة الداخلية.

وأوضح العوني لرصيف22 أن استحداث الوزارة أتى في سياق محاولات بن علي لمقاومة الإسلام السياسي المتمثل في حركة الاتجاه الإسلامي والحد من تمدده في البلاد.

وبسبب تداعي سلطة الدولة في ظل الاضطرابات التي أعقبت أحداث الثورة، ما سمح بانتشار الخطب المحرّضة على الجهاد ومحاربة قوات الأمن وتجنيد الشباب للجهاد في سوريا، وجدت الوزارة التي تداول عليها 11 وزيراً، 9 منھم بعد الثورة، نفسھا مجبرة على تغيير أجندة عملھا.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard