ما تعيشه تونس اليوم سيكون امتحاناً للديمقراطية

الاثنين 30 نوفمبر 202012:33 م

تعيش تونس هذه الأيّام على وقع احتجاجات شعبية في مناطق متفرّقة من البلاد، وحراكاً اجتماعياً يزداد زخماً من يوم إلى آخر.

شتاء "ساخن" ككلّ "شتاءات  تونس"  منذ ثورة يناير 2011 حتى أصبح الاحتجاج الدوري طقساً سنوياً للتذكير بمطالب الشباب المنتفض، "شغل، حرّية، كرامة وطنية "... التي كانت محرّكات لمطالب سياسية عجّلت بسقوط نظام بن علي بقوّة الشارع.

غير أن تحرّكات هذه السنة تختلف عن سابقاتها بالنظر للعديد من المعطيات، على غرار ارتدادات جائحة فيروس كورونا الاجتماعية والاقتصادية، بارتفاع معدّلات البطالة واحمرار كل المؤشّرات الاجتماعية وتراجع نسب النموّ الاقتصادي، علاوة على الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ انتخابات 6 تشرين الثاني/أكتوبر 2019 التي أفرزت برلماناً فسيفسائي التركيبة عجز عن تحقيق الاستقرار الحكومي لغياب تحالف برلماني صلب.

في سياق متّصل، تشهد الساحة السياسية التونسية صعوداً لافتاً للحركات الشعبوية، إذ يتصدّر الحزب الدستوري الحرّ نوايا التصويت في الانتخابات التشريعية، حسب أحدث استطلاعات الرأي، وهو حزب محسوب على النظام القديم، وجناحه اليميني المتطرّف، تتزعّمه عبير موسي التي بنت مشروعها السياسي على شيطنة الثورة والمنظومة السياسية التي أفرزتها باللعب على الوتر النوستالجي لجزء مهمّ من الجماهير إزاء حكم بن علي.

كما يتصدّر رئيس الجمهورية قيس سعيّد نوايا التصويت في الانتخابات الرئاسية، ومن المعروف رفض سعيّد للمنظومة الحزبية برمّتها بشكل راديكالي عبر التنظير والتبشير بديمقراطية مباشرة في إطار نظام مجالسي لوكسمبورغي (نسبة لروزا لوكسمبورغ )، يقوم على الهدم وبناء عمودي جديد للسلطة، انطلاقاً من المحلّي إلى الجهوي فالإقليمي ثم الوطني، وهو مشروع سياسي أكد أغلب العارفين بالشأن السياسي استحالة تطبيقه في تونس نظراً لطوباويته وعدم تواؤمه مع الخصوصية التونسية. 

ومن نافل القول إن فشل المنظومة الحاكمة سنوات الثورة والنظام السياسي (ديمقراطية نيابية تمثيلية ونظام شبه برلماني) الذي يقوم على توزيع السلطة على ثلاثة مراكز (برلمان/ حكومة/رئاسة الجمهورية) بهدف تلبية المطالب الاجتماعية، قد خلق مناخاً من انعدام الثقة بين الشعب وحكّامه، وهو ما ولّد نوعاً من "الاختناق الديمقراطي" مع دعوات نخبوية لتجميع السلطات في مركز واحد وعودة للنظام الرئاسي.

وبحسب أغلب المراقبين في تونس، فإن رئيس الجمهورية قيس سعيّد من أكبر المستفيدين من هذا الوضع المرتبك، الذي تعيشه تونس اليوم أو ما سمّاه المفكر الإيطالي انطونيو غرامشي "الأزمة العضوية "، حيث الأزمة متعددة الأبعاد؛ اجتماعية واقتصادية ومؤسساتية، وهو ما يفسح في المجال للقائد لتجاوز حدود النظام السياسي عبر قيامه بالدور التحكيمي من خلال "اللحظة القيصرية "، حسب تعبير المفكر نفسه، فالوضع في تونس اليوم يمكن أن نلخصه بهذه القاعدة الغرامشية: "القديم ينهار، الجديد لم يولد بعد، في الأثناء تكثر الوحوش الضارية ". 

من المؤكّد أن الديمقراطية في تونس تعيش اليوم امتحاناً مصيرياً، فلا نبالغ بالقول عندما نؤكد أن المسار الديمقراطي برمّته مهدّد وأنّ انفلات الأوضاع وخروجها على السيطرة يمكن أن يعودا بالبلاد سنوات إلى الخلف

في السياق نفسه، فإن ما عزّز فرضية استغلال الرئيس التونسي وحاشيته للحراك الاجتماعي، هو تشكّل لجان شعبية وتنسيقيات موازية تقود هذه التحرّكات بشكل متزامن ومنظّم في كل الجهات وبشعارات موحّدة، وهو تماماً ما تحدّث عنه سعيّد خلال حملته الانتخابية التي وصفها بالحملة التقسيرية، بضرورة استعادة  الجماهير زمام الأمور من الأحزاب بعيداً عن التنظّم الكلاسيكي، في إطار ما يعرف بـ"الانفجار الثوري" . 

من المؤكّد أن الديمقراطية في تونس تعيش اليوم امتحاناً مصيرياً، فلا نبالغ بالقول عندما نؤكد أن المسار الديمقراطي برمّته مهدّد وأنّ انفلات الأوضاع وخروجها على السيطرة يمكن أن يعودا بالبلاد سنوات إلى الخلف.

ولنا أن نتساءل هل: هل يجوز أن نحمّل الديمقراطية مسؤولية تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية؟

قد تكون الإجابة "لا"، خاصة مع الحالة التونسية حيث لم يمض على الثورة أكثر من تسع سنوات وهي مدّة لا يمكن أن تكون كافية لتقييم نجاعة الديمقراطية، واختبارها على المستويات الاقتصادية والاجتماعية.

 كما أنّه ليس هناك ما يثبت صحّة الفرضية، التي تقول إن الديمقراطية تساعد على تقليل الفقر بشكل مباشر، وإنّ ذلك قد يحتاج إلى مرور وقت كاف لكي تؤتي الديمقراطية ثمارها التوزيعية وتحقّق تراكماتها التاريخية ورسوخها  بعد أن تتعافى من تركة النظام السابق (السابق للتحول الديمقراطي)، الذي كثيراً ما يكون قائماً على المحسوبية والفساد وغياب المساواة والعدل. 

 فسيرورة الثورات تحتاج إلى عقود من الزمن حتى تتضح معالمها، كما أشار لذلك المفكّر الامريكي كرين برينتون في كتابه "تشريح الثورة ".

لكن مقابل هذا التصور، هناك رأي شعبي يرى أنّ قيم الديمقراطية تستدعي معها دوماً قيم المساواة، كما أن سقف التوقعات من الثورة التونسية كان عالياً بالنظر إلى أن شرارتها الأولى بعد إضرام البوعزيزي النار في جسده ذات شتاء في سوق شعبي بتونس العميقة، كانت في شكل صرخة ضد الظلم والفقر واللا مساواة، فحتى النخب السياسية بعد الثورة سعت إلى استجداء أصوات الناخبين في الاستحقاقات الانتخابية بوعود منمّقة من دون أي برامج اقتصادية واقعية وعلمية، علماً أن تعاملها مع التحرّكات الاحتجاجية كان عبر السياسات الترقيعية الوقتية التي تسعى إلى امتصاص الغضب الشعبي وشراء السلم الاجتماعي بأثمان باهظة ورّطت الحكومات اللاحقة في تركات ثقيلة.

إن الثورة التونسية سفّهت العديد من المسلّمات الدغمائية التي تقول باستحالة الديمقراطية في العالم العربي حتى أن النموذج التونسي شهد توافقاً بين الإسلاميين والعلمانيين سنة 2014 مع حياد المؤسّسة العسكرية، وهو ما جنّب تونس مصير جيرانها الدموي، وجعلها استثناء في المنطقة العربية

باختصار إن الثورة التونسية لم تنجح اقتصادياً واجتماعياً استناداً لأرقام رسمية لا تحتاج لعالم في الأركيولوجيا حتى يؤكّدها، وهو ما جعل المسار الديمقراطي هشّاً ومهدّداً، لكن وجب علينا التأكيد على نجاح الثورة التونسية على المستوى السياسي، وصمودها أمام العديد من الهزّات التي عرفتها خلال السنوات العشر الأخيرة، فكانت عصيّة على الاختراق، ونجحت تونس في تنظيم ستة استحقاقات انتخابية استوفت كل شروط النزاهة والشفافية بشهادات دولية وحقّقت أكثر من  تداول سلمي على السلطة سنة 2011 ثم سنة 2014 وكذلك سنة 2019، لتستجب إلى معيار صامويل هنتنغتون الذي يعتبر أن ترسيخ الديمقراطية هو رهين بمرور تناوبين على الأقل على السلطة بعد الانتخابات الحرّة الأولى.

فالثورة التونسية سفّهت العديد من المسلّمات الدغمائية التي تقول باستحالة الديمقراطية في العالم العربي حتى أن النموذج التونسي شهد توافقاً بين الإسلاميين والعلمانيين سنة 2014 مع حياد المؤسّسة العسكرية، وهو ما جنّب تونس مصير جيرانها الدموي، وجعلها استثناء في المنطقة العربية.

ختاماً يمكن أن نلخّص بأنّ الحراك الشعبي الذي تعيشه تونس اليوم سيكون امتحاناً للديمقراطية بعد 10 سنوات من الثورة، عمّا إذا كانت ديمقراطية شكلية ورقية عاجزة على المقاومة وإدارة الأزمات، أم أنّها كما وصفها المفكّر مالك ابن نبي بأنّها تتجاوز صناديق الاقتراع وشكلانية تسليم السلطة نحو الشعور الديمقراطي الذي تضطلع الثقافة بمهمّة تنميته في نفسية المجتمع وعقله فتجعله محصّناً من جهة ضد السلطوية وعودة الاستبداد، ومن جهة أخرى ضدّ الحنين للديكتاتورية والعبودية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard