في الدفاع عن الخيانة والخائنين

الاثنين 14 ديسمبر 202003:10 م

أجلس مع ابنتي مدى (9 سنوات) باسترخاء لذيذ نتبادل أحاديث طويلة ومتشعبة. تروي لي أكثر مما أتحدث، لكنها تستخدم عباراتي بشكلٍ أو بآخر، فيبدو الأمر كاريكاتورياً، أن أصغي إلى نسخة جميلة مني. إنها مثلي عندما كنت في عمرها تأخذ عنا (والديها) بعض ما نقول كمسلمات. انتبهت أن من واجبي أن أدفعها للتفكير ونقد الفكرة دون إجابات حاسمة باترة، أن نتدرب على التفكير بعمق. أعلم أن وقتاً ما سيأتي حين تشق فيه دربها الخاص، وقتاً تتمرد فيه على منظومتي وأفكاري، سأمتلك مشاعر مختلطة تجاه الفكرة، ولكني سأسعد، أو أواسي نفسي بأني سأفخر بها، ألم نتمرد ضمناً على آبائنا جميعاً وعلى خطهم الفكري الذي كان مقدساً في مرحلة ما؟

"على أحدٍ ما أن يقول ذلك"

لو تأملت على مهلٍ واسترجعت صيغتي منذ 15 عاماً حين كنت في نهاية دراستي الجامعية وبداية اختصاصي، وتذكرت ذلك الشاب المؤمن بالقومية اليسارية، لتذمرت منه كثيراً وسخرت ضمناً من يقينيته وحدّته التي تبدو من هذه المسافة مضحكة: شابٌ نحيل مقتنع أن عليه أن يؤمن بالفكرة التي يقدمها ليؤمن بها الآخرون، لم يكن المسكين يرى المآلات التي تسير نحوها الأحداث وهو يقول بثقة: "على أحدٍ ما أن يقول ذلك"، وهو يكتب مادة ما يهاجم فيها النيوليبرالية أو يدافع فيها عن مجلة الآداب.

"على أحدٍ أن يقول ذلك" عبارة تحمل الكثير من الرسولية والفوقية الصادقة، الرسولية اليسارية المضحكة والمثيرة للشفقة إلى حد ما، الفكرة ليس في نقدي لذلك الشاب المندفع والصادق فقط، بل في نقده لي ونفوره من رخاوتي، سينظر لي على أني واهن يتأمل أكثر مما يفعل، يتأمل لأجل التأمل، لأجل متعة التأمل، ولا يعتقد بأن الفلسفة تقدر أن تغير العالم. سيغضب لأن الفن بالنسبة له رمح دونكيشوتيّ يخز العالم أو يصفعه بالحد الأدنى. كان فخوراً بخسارته، أما أنا الآن متصالح معها إلى حد ما، أو فلنقل خفت ضجيج تلك "الجراح".

من منظور الشاب سأكون نموذج المثقف المستسلم. أعتقد أننا لن ننسجم بالضرورة وغالباً سنفترق، سأمسح شعره وسيتقبل ذلك بنزق ويشتمني في قلبه. إذا ما الذي حدث؟ أو هل أستطيع أن أقول إن نسختي الحالية خيانة ما لنسختي السابقة؟ السؤال ليس عبثياً، إنه صادق ومبرر. ألم يخن قسم منا منظومة فكرية رضعناها من أوساطنا التي أنشأتنا. هل أنتمي الآن إلى ذلك المكان الذي ولدت فيه؟ لا أعتقد أن ذلك صحيح تماماً، وبالمقابل هل أنتمي إلى ألمانيا التي أعيش فيها منذ عدة سنوات؟ أيضاً لا أعتقد. الأمر أشبه بالضياع بين فكرتين كمصير كل الخائنين.


الخيانة كفعلٍ درامي تستلزم عادة ثلاث شخصيات أو أطراف روائية لتتم. الخيانة تتم بترك الخائن الطرف أ للتعامل مع الطرف ب، ولكن الملفت أن الخائن لا يقدر عادة على الانتماء للفريق ب بشكل حقيقي. هناك استثناءات قد تبنى على أساس المصلحة وليس الانتماء الفكري. كحزبٍ سياسي مثلاً، ولكن الأشيع أن يبقى الخائن بين حالتين، كمن يخون بلاده ليعطي معلومات لـ "عدو"، لكنه غالباً سيبقى غريباً لدى العدو، الخيانة المذكورة هنا تفترض وعياً وراءها وليس مجرد مصلحة كسرقة مثلاً أو انتهازية. تلك الخيانة ثيمة عميقة في اللاوعي، ومن أشهر حوادثها في الأساطير خيانة بروميثيوس لزيوس من أجل البشر، هي خيانة فكرية محضة، برومثيوس اختار الانتماء لمخلوقاته، قرر أبوته لها وفضلها على الله/زيوس، لكن الأمر انتهى به منبوذاً يراقب الأبد ولم تنته به معبوداً ومحاطاً بحب البشر، إنه المنفى-الألم إذاً.

أشهر الخيانات في السرد الأسطوري على الإطلاق هي خيانة يهوذا للمسيح، تلك الخيانة التي لا يوجد إجماع على نهايتها، الخيانة التي تكمل باعتقادي عبث حكاية المسيح، على عكس خيانة بطرس للمسيح بإنكاره

يهوذا هو مكمّل المسيح

لكنْ، أشهر الخيانات في السرد الأسطوري على الإطلاق هي خيانة يهوذا للمسيح، تلك الخيانة التي لا يوجد إجماع على نهايتها، الخيانة التي تكمل باعتقادي عبث حكاية المسيح، على عكس خيانة بطرس للمسيح بإنكاره، حيث غرق في الندم وعاد لنفس المنظومة التي أنتجت وعيه، عاد كحيوانٍ أليف (ولا أقول ذلك كإهانة على الإطلاق) وقرر أن يرعى (ماشية المسيح من بعده)، أما يهوذا الشكّاك فقد خان لأسباب مختلفة، أجملها الرواية التي تفترض أنه قرر أن يمتحن ألوهية المسيح، المسيح الذي تنبأ بالخيانة وأكد لتلامذته أن أحداً سيسلمه للموت، وبذلك يؤكد خيار يهوذا ويوافق عليه، يحول فكرة الخيانة إلى نبوءة، المفارقة الشعرية أن يهوذا قَبَّل المسيح ليدل عليه، فقال المسيح ما معناه "أبقبلة تسلم ابن الإنسان"!! إذا الخيانة فعل ملتبس بين الاثنين، لعبة سرية فيها الكثير من الحب أيضاً، فيها بناء لمأساة ومسير نحو نهايات تبدو مستحيلة. في فيلم مارتن سكورزيزي "الإغواء الأخير للمسيح" يوضح تلك العلاقة الملتبسة، التردد الخفي داخل المسيح، النبوءات العبثية التي تثقل قلبه، ويهوذا المؤمن أكثر من نبيه يقف قربه، يحيط راعيه بالرعاية.

لعله أراد أن يدفع المسيح للامتحان النهائي، فلو كان رباً فلن يموت ولو كان بشراً فسيموت وتنتهي معه رحلة المجاز الشعري

يهوذا هو مكمّل المسيح هنا، هو الطعنة الباترة التي تكمل اللوحة، الصرخة التي تنهي الرقص، أو على الأقل قد يكون كذلك في إحدى الروايات، التي قد تكون لم تروَ بعد. لعله أراد أن يدفع المسيح للامتحان النهائي، فلو كان رباً فلن يموت ولو كان بشراً فسيموت وتنتهي معه رحلة المجاز الشعري. هذا لا يفسر قبوله المال، ولكنْ، فلننتبه أن الثمن بخس وهو ثلاثون (فقط) قطعة فضة (وليس ذهباً)، إذا المال ليس محور الخيانة وإنما هو تفصيل صغير، إنه وفاء لدوره، دور الشر الذي يزيد نقاء ابن الله. ليكمل المأساة. إنه اللون الأسود العميق في اللوحة الذي يبرز الضوء.

'أتخيّل فداحة خيبة أمله"

الحكاية تقول إنه شعر بندمٍ عميق فأعاد الفضة لليهود، ثم صعد التل ليرى مصير الأسطورة، ليقرر عقابه الذاتي، تضحية المسيح صداها تضحية على التل يقررها يهوذا، صنو المسيح، ابن أسطورته وضحيتها. لكنْ، مات المسيح مصلوباً في عطب غريب للحكاية، عطب لم يره بوضوح برومثيوس الذي يحاول أن يهش نسراً ينتزع قطعة من كبده، عطب موت الإله الطيب بخضوعٍ ينزع عنه الألوهة، عطب يختزل الألوهة بلحمٍ بشري، قابل للتعفن والزوال على عكس لحم برومثيوس المتجدد، لكن الألم هنا هو الفرق، ألم المسيح عابر وزائل بزوال أسطورته، تلك المواساة الناعمة التي تخفف هول خطيئة يهوذا، فقد سلم صديقاً "كاذباً" أو حالماً لا ربّاً، ومع ذلك أتخيّل فداحة خيبة أمله، لقد كان يأمل أن ينتصر الرب مرة واحدة للأبد، بدل أن يقدم حكاية غير مفهومة عن فداء البشر.

زيوس هذه المرة لم يكن ينتظر الأضحيات، لقد ملَّ هذا الصدى المتكرر في الأزمان، ملَّ اللعبة التي يبذر فيها بشراً جدداً يفسدون مع الزمن، فقد اهتمامه كطفلٍ، فتخلى عن ابنه المسيح، وحده برومثيوس ابتسم بخبثٍ ناعم مرة أخرى لأنه يعلم أن الله/زيوس سقط، وأن عيسى سيقدم نهاية عبثية للحكاية وسيقوم من الموت وحده، دون مساعدة أفروديت هذه المرة لأنه كان عازفاً عن الحب. إذن، سيخلد عيسى كضحية لم تقاوم ولكنها منحت الخلود، إنه نسخة أقل درامية من برومثيوس، نسخة سلبية لا تقاوم، لا تملك ذلك الذكاء، نسخة تتحلى بصبرٍ وجمالٍ يستحقان التعاطف والبكاء، المسيح هو أدونيس العنّين الماضي نحو العالم السفلي، الحزن الأبدي يكتمل بالأمل الطاعن، بالعودة الدرامية مرة واحدة وللأبد تكثف كل العودات الممكنة، عودته ستكون متطرّفة تنهي العالم.

سيتعاطف الخائن برومثيوس مع المُخَان/المغدور عيسى، وسيتعاطف مع الخائن يهوذا أيضاً. فقد خسر يهوذا حياته وربح الرهان، عندما قام المسيح تأكد يهوذا من ربوبية المسيح ولو بطريقة لا منطقية، إذ انتهى دوره في الحكاية كذكر العنكبوت، تم تلقيح الأسطورة وستحتاج وقتاً لتكبر بين الناس، لقد بذر بذرته ولم يعد جسده مهماً، جيناته الخائنة-الوفية انتقلت إلى البشر كلهم، جيناته المذمومة الحاضرة. لا توجد نهاية واضحة لموت شخصية مفرطة الأهمية كيهوذا، لكني ولأسباب لا يعلمها غيري وبرومثيوس أفترض أنه قبّل المسيح مرة أخرى في الخفاء أو توهّم أنه فعل، لكنه لم يطلب مغفرته، قد يكون شنق نفسه أو قُتل، ثم تُرك جسده ليتعفن.

هل تألم يهوذا الثائر المحب؟ هل صرخ وحيداً في حقل الدم؟ هل نادى على برومثيوس ليدلّه على الخطوة  اللاحقة، هل أكلت النسور أحفاد النسر الذي نهش كبد برومثيوس من أحشائه أيضاً، هل امتزج لحم الخائنين في سرد حكائيٍ واحد؟ لا أحد يعلم

لا أعرف لماذا أرغب في الدفاع عن يهوذا

لا أعرف لماذا أرغب في الدفاع عن يهوذا ولكني أجد كبرومثيوس أنه ظُلم بشراسة في الحكاية وهلك في الظلام في حين سُلّط الضوءُ على عيسى، كإلهاء يمارسه السحرة، الضوء على إله يموت أو يجرب الموت والخذلان، في حين أن خياراً آخر يجري دون أن يلتفت إليه أحد. هل تألم يهوذا الثائر المحب؟ هل صرخ وحيداً في حقل الدم؟ هل نادى على برومثيوس ليدلّه على الخطوة اللاحقة، هل أكلت النسور أحفاد النسر الذي نهش كبد برومثيوس من أحشائه أيضاً، هل امتزج لحم الخائنين في سرد حكائيٍ واحد؟ لا أحد يعلم. لكني متأكد أن تلك الخيانة بقيت جزءاً من تاريخٍ ظالم ينحته الديكتاتوريون، الكنسيون وسواهم. الخيانة هنا امتحان للفكرة. الخيار الأكثر عبثية لرواية عبثية.

أفكر في اللحظة التي قررت أن أقدم فيها نقداً عميقاً لأبي، لخياراته. فكرة قتل الأب عميقة وجزء من بناء أي شخصية، وتغدو أصعب كلما كان هذا الأب قوياً ومحباً، إذاً هناك تمردات لابد منها، لكلٍ منا ليس على أبيه أو مجتمعه ودينه فقط، وإنما على نسخةٍ ما منه. على نسخه السابقة. لكنْ هل هذا يعني أني سأنتظر انقلاباً ما على نفسي في المستقبل؟ أعتقد ذلك، وهذا يعني أن أرائي أقل يقينية، أو أكثر هشاشة وخفة إن صح التعبير، قد يكون الأمر صحيحاً وإلا كيف نفسر تأملاً كهذا يدافع عن يهوذا من باب الخيانة المشتركة؟!

بالمقابل التأثر الذي تقوم به ابنتي صادق وعميق، لن أقاومه فعلاً، التأثر الارتكاس الأكثر صدقاً. أذكر في فيلم The legend of 1900، حدثت مسابقة بين الموسيقي بطل الفيلم المسمى ب 1900 وملك من ملوك الجاز، لقد تأثر 1900 بعزف ملك الجاز حد البكاء، واكتفى في الجولة الأولى بإعادة عزف مقطوعة الملك نفسها، لقد كان مثار سخرية الجميع، أصدقائه والمراهنين عليه، ذلك التأثر الذي يصيبني كلعنة وأنا أقرأ شعراً عظيماً فيصيبني ضيق نفس وحرارة ما في الصدر وأتمنى أن أكون كاتب النص. الكتابة العظيمة توجع القلب، تدخل كالحمى، يعيد الدماغ تركيبها، وتتسرب في المنامات، ومثل ذلك يحصل في الرسم، في البورتريهات المشوهة خاصة، ذلك التأثر المدهش الذي همس به بشار بن برد لأبي نواس (إن صحت الرواية): عليك أن تحفظ عشرة آلاف بيت من الشعر (العظيم) ولتكتب بعدها شعرك.

سيخون الشعراء قبله، ويخون الله وهو يلثم شفتي غلامٍ، ثم يعود قلقاً، سيتعاطف معه يهوذا وينظر بطرف عينه لبرومثيوس ونسره الأليف، قم يقول: "إن أبا نواس عقابُ نفسه القلقة، عقاب ألذ من عقابك"

إذاً سيخوض خائن آخر اسمه أبو نواس في مئات أرواح الشعراء، سيتأثر بهم جميعاً ثم يخونهم ويبكي شعره الخاص، أو يضحكه، سيرفع كأس يهوذا دون أن يذكر اسمه. سيتأثر بتردد يهوذا أمام الله، ولكنه سيهجوه طوال النهار والليل كيهوذا، ثم يبكي حرقته كبطرس معتذراً في الفجر. سيخون الشعراء قبله، ويخون الله وهو يلثم شفتي غلامٍ، ثم يعود قلقاً، سيتعاطف معه يهوذا وينظر بطرف عينه لبرومثيوس ونسره الأليف، قم يقول: "إن أبا نواس عقابُ نفسه القلقة، عقاب ألذ من عقابك"، فيرد بروميثيوس: العيب في جيناتك. أتخيل الماغوط خلفهما يضحك ويرفع اصبعه الأوسط لكل الشعراء، فهو لم يبذل ذلك الوقت لحفظ عشرة آلاف بيت، سيقول بصوته الأبح: أنا ابن نفسي، ولكني أنا من خانها بعد ثلاثة دواوين.

من الصعب أن أشرح هذا الاستطراد لمدى بأعوامها التسعة، لكني سأحتفظ بهذه التأملات عند أول تمرد فكري عليّ، سأقول لها إن نبوءة ملعونة قالت إنها ستجد طريقها في الحياة، وليشمت الماغوط كما يشاء.  

اللوحة في المقال (وصورة المقال) للكاتب. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard