في إقليم كردستان العراق... للختان قصة أخرى

الأحد 6 ديسمبر 202003:15 م


لم يكن الختان يوماً عادة مألوفة في العراق، كما هو الحال في دول أخرى كالسودان والصومال ومصر، ولم يكن أحدٌ يتصوّر أن يكون قيد الممارسة على جزء من أراضيه، إلى أن اكتُشف الأمر صدفة عام 2004.

بعد سقوط النظام عام 2003، كان إقليم كردستان يستعد لاستقبال نازحين من مناطق أخرى في العراق، ووقتها توجهت فرق إلى مناطقه لتقديم الدعم، وهناك ظهر الكثير من القصص عن ختان النساء، ليتبيّن أن العادة منتشرة في الإقليم، على عكس وسط العراق وجنوبه، ولتبدأ من هناك رحلة السعي للقضاء عليها.

بحسب إحصائية أجراها المجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان بالتعاون مع منظمة "يونيسف"، عامي 2015 و2016، وشملت مقابلات مع أكثر من 6 آلاف امرأة من أعمار مختلفة في الإقليم، تصدرت عاصمته أربيل بنسبة 16.7 للفتيات مقابل 67.6 للنساء، وجاءت السليمانية بنسبة 11.8 للفتيات و60.3 للنساء. وكان العدد أقل في محافظة دهوك، حيث بلغت نسبة الفتيات المختونات4.1 والنساء المختونات 7.4، بينما وصلت النسبة الفتيات في حلبجة إلى 1.1 في مقابل 40 في المئة للنساء.

بعد عام 2013، بدأت هذه الظاهرة بالانحسار تدريجياً بفعل جهود كبيرة بذلها معنيون بالموضوع، ولكن نساء من الإقليم ما زلن يخضعن لهذه العادة الجائرة، والتي تودي بحياتهن أحياناً، وأخريات يحملن أثر ختانهن في وقت سابق، ويخبرن قصصاً عن معاناتهن تُبكي كل من يستمع إليها.

من هذه القصص، ما عملت عليها منظمة "وادي" المعنية بمكافحة عن العنف الأسري في محافظة السليمانية، والتي تعاونت مع رصيف22 لنقل بعضها.

"ظننت أني نجوت"

في قرية قوله سوتاو، في محافظة السليمانية، لا تزال العادات والتقاليد متشددة في التعامل مع النساء.

في هذه القرية، تبدأ نورا رواية قصتها بالقول: "عندما بلغت السادسة عشر ظننت أنني نجوت، لكن في أحد الأيام جاءت امرأة كبيرة في السن، وقامت بجمع الفتيات في أعمار متفاوتة بين الخامسة والسادسة عشر، في أحد المنازل ثم أحضرت شفرة الموت وبدأت".

توضح نورا أن الفتيات أطلقن عليها "شفرة الموت"، لا سيما وأن العجوز ختنتهن جميعاً بالشفرة نفسها.

"عندما كانت ابنة عمي تلد، لاحظت القابلة أنها لم تُختن، فأحضرت بعد الولادة مباشرة شفرة وقامت بختنها"... لم يكن الختان يوماً عادة مألوفة في العراق، ولم يكن أحدٌ يتصوّر أن يكون قيد الممارسة على جزء من أراضيه، إلى أن اكتُشف الأمر صدفة عام 2004

"كم أكره تلك العجوز التي حطمت حياتي، وتحديداً بعدما كبرت وتزوجت من شخص لم يرغب بي كزوجة في هذه الحال، ثم انفصلنا"، تشكو نورا خاتمة قصتها بأمنية، وهي أن يأتي يوم "تشعر فيه أنها أنثى"، لكن "ذلك لن يحدث ولذلك لن أرتبط بأي رجل".

توفيت بعد ساعة من الختان

نصرت شريف هي إحدى الضحايا وتسكن في حي كالر في السليمانية، وتبلغ من العمر اليوم 67 عاماً. أكثر القصص المؤثرة عن الختان بالنسبة لنصرت ليست قصتها، بل قصة ابنة عمها.

تُخبر: "عندما كانت ابنة عمي تلد، لاحظت القابلة أنها لم تُختن، فأحضرت بعد الولادة مباشرة شفرة وقامت بختنها. بعد ولادتها بساعة، وبدلاً من أن تحضن مولودها الجديد وتفرح به، تعرضت لنزيف حاد سبّبته الشفرة اللعينة، وتوفيت على الفور".

"كيوم الحشر"

وسط دموعها التي بدأت تنهمر بغزارة، تستعيد خاور حسين التي تبلغ من العمر الآن 51 عاماً ذكرى يوم ختانها.

"كان يوماً أشبه بيوم الحشر، حيث قامت تلك العجوز بجمع ما يقارب الـ20 فتاة في غرفة واحدة، وبشفرة واحدة قطعت جزءاً من العضو التناسلي لكل واحدة منا، فعمّ الصراخ والعويل أرجاء القرية، وكانت أحد البنات تنزف بشدة، فتم نقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج".

"لأنني لست مختونة"

تقول كتان عبد الرحمن التي تسكن قرية دورة في السليمانية: "كنت أبلغ من العمر سبع سنوات حين أخبرتني أمي أنه يجب علي أن أختن، لأن الطفلة الذي لم تختن لا يسمح لها أن تخرج وتلعب مع الأطفال الآخرين. هذه كانت آخر جملة سمعتها منها، قبل أن يُقفل الباب ويتم ختاني وأنا غارقة في الصراخ".

يوم زواجها هو يوم ختانها

تروي شوقية محمد أن إحدى جاراتها تزوجت وكان الجميع سعيداً في يوم الزفاف، إلى أن عرف أهل الزوج أنها ليست مختونة فقاموا بذلك في اليوم نفسه، والذي تحول من أسعد أيام جارتنا إلى جحيم مستمر.

رحلة كردستان رسول مع المختونات

كردستان رسول ناشطة من محافظة أربيل في إقليم كردستان. ارتبط اسمها بشكل كبير في حملة مكافحة ظاهرة الختان في الإقليم، والسعي وراء العائلات والنساء لتوثيق قصصهن، وتعزيز الوعي حول خطورة هذه العادة.

تقول رسول لرصيف22 إن من القصص المؤلمة التي اطلعت عليها هي ما جرى مع فتاة من إحدى قرى أربيل وكانت تبلغ حينها من العمر خمس سنوات فقط، ووقتها أجبرها أهلها على الختان، ما جعلها لاحقاً تعيش حالة من الخجل امتدت لوقت طويل من أهل القرية الذين علموا جميعاً أن "جزءاً من عضوي التناسلي قد قُطع"، على ما تنقل عنها رسول.

وهناك سيدتان تبلغان اليوم من العمر 41 عاماً و42 عاماً تحكي رسول إن ذكرى تلك "العجوز المشؤومة" التي كانت تركض وراءهما ووراء بنات منطقتهما بالشفرة حتى تمكنت من ختانهن لا تفارق ذاكرتهما، وقد رفضتا الزواج بعدما سمعتا قصصاً من مختونات كانت تجاربهن الزوجية مؤلمة، على الصعيدين الجسدي والنفسي.

مشاكل صحية ونفسية

تستعيد الأخصائية النسائية ومشاكل العقم والأستاذة في كلية الطب في جامعة أربيل ريم خليل سعيد، في حديثها لرصيف22، مشاكل الختان، قائلة إن "النساء اللواتي يتعرضن لقطع هذا الجزء من عضوهن التناسلي أثناء الختان يفقدن الرغبة الجنسية، ولذلك تزورني نساء كثيرات لمعالجة هذه المسألة لكنها تبقى من دون علاج، فالمنطقة التي تُختَن هي منطقة الإحساس أثناء الممارسة الجنسية".

أما صحياً، فاللواتي تتعرضن للختان يُصبن عادة بنزيف حاد ربما يؤدي الى الوفاة، بحسب الطبيبة التي تقول: "لا أنسى اليوم الذي كنت أعمل فيه في أحد المراكز الصحية في قرية سوجقن التابعة لمحافظة أربيل، يومها وصلت فتاة تغطيها الدماء، وكانت حالتها حرجة… صورتها لن تفارق ذاكرتي أبداً".

وعلى الصعيد النفسي، تشير الباحثة الاجتماعية ثائرة العكيلي من محافظة السليمانية، في حديثها لرصيف22، إلى ضرورة تشريع قانون يحد بشكل مباشر من هذه الظاهرة، وإلى الحاجة لجلسات علاج نفسية لتجاوز الصدمة التي مرت بها النساء حتى يكملن مشوراهن، وخاصة اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و40 عاماً، لأن هذه الفئة لا تزال تعاني من مشاكل وأزمات، منها الفشل في العلاقات العاطفية والزواج. 

وترى العكيلي أن المشكلة تتمثل في إقناع النساء الكبيرات في السن للتخلي عن هذه الظاهرة المميتة، ومعاملة الفتيات غير المختونات بلطف واحترام.

عدم التمييز بين الدين والأعراف

تقول رئيسة "منظمة الدراسات والمعلومات الجندرية" رمزیة زانا: "مع الأسف الشديد، نلاحظ أن غالبية سكان القرى والأرياف يخلطون بين العرف والدين، حيث يقول البعض إن الدين الإسلامي حثَّ على ختان الإناث، بينما نعرف أن الإسلام لم يحث على ذلك".

"تزوَجَت وكان الجميع سعيداً في يوم الزفاف، إلى أن عرف أهل الزوج أنها ليست مختونة فقاموا بذلك في اليوم نفسه، ليتحول من أسعد أيام حياة جارتنا إلى جحيمها المستمر"... قصص من كردستان العراق عن عادة الختان والعنف الاجتماعي التي تمارسه نساء على بعضهن  

وتضيف زانا، في حديثها لرصيف22، بالقول: "المشكلة ما نلاحظه في هذه المجتمعات من أعراف، كالسائد من أن المرأة التي لم تختن لا يحق لها أن تطهو الطعام أو الشراب لاعتبار أنها غير طاهرة، والاعتقاد أن الفتاة التي تختن تكون طاهرة، وعند غياب الزوج إلى المعركة وعند وفاته لا تكون بحاجة إلى رجل فتبقى عفيفة بانتظار عودته أو بإحياء ذكراه".

وتسترسل زانا في الحديث موضحة أن "النسب سابقاً في عام 1990 كانت كبيرة جداً، إذ وصلت إلى 75٪ آنذاك، لذا نلاحظ أن أغلب الضحايا تتراوح أعمارهن بين 20 و40 عاماً، ولا تزال هذه الآثار ظاهرة بشكل كبير جداً عليهن، أما الآن نجد العدد أقل بكثير حيث وصل عدد المختونات سنوياً ما يقارب 6٪، ويتواجدن في القرى والأرياف أكثر".

قانون يُنصف الفتيات

تشير المحامية شوخان أحمد في حديثها لرصيف22 إلى أهمية قانون العنف الأسري الذي أصدر من قبل حكومة إقليم كردستان عام 2011، ونصت المادة السادسة منه على أن يعاقب بغرامة لا تقل عن مليون دينار ولا تزيد عن خمسة مليون دينار (بين ألف دولار وخمسة آلاف دولار) كل من حرّض على إجراء عملية ختان لأنثى، وأن يُعاقَب بالحبس مدة لا تزيد ستة أشهر ولا تزيد عن سنتين وبغرامة لا تقل عن مليون دينار، ولا تزيد عن خمسة مليون دينار، كل من أجرى وساهم في عملية ختان لأنثى. 

يُضاف لذلك ما أقرّه القانون من عقاب بالحبس لمدة لا تزيد عن سنة واحدة ولا تقل عن ثلاث سنوات، وبغرامة لا تقل عن خمسة ملايين دينار ولا تزيد عن عشرة ملايين دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أجرى أو ساهم في عملية ختان أنثى قاصرة، كما يعد ظرفاً مشدداً للجاني إذا كان الفاعل طبيباً أو صيدلياً أو قابلة أو معاوناً طبياً، وعلى المحكمة أن تأمر بمنع مزاولته المهنة لمدة ثلاث سنوات. 

وتلفت خوشان إلى وجود خطة قام بها المجلس الأعلى لشؤون المرأة في إقليم كردستان، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2019، وتسمى "خطة كومبي"، ويتم من خلالها إقناع الأمهات الكبيرات في السن بالتخلي عن ختان الإناث، وخاصة في القرى والأرياف، مؤكدة أن النسبة بعد هذه الخطة تراجعت في محافظة دهوك، وجاري العمل عليها في محافظات أربيل والسليمانية وحلبجة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard