عرس الدم... الختان وطقوسه الدينية والشعبية

السبت 23 مايو 202011:42 ص

تشترك الديانات السماوية الثلاث بأب واحد، منه تفرّعت واشتجرت عقائدها وطقوسها. هذا الأب العقائدي الديني هو النبي إبراهيم الذي شُرعت معه عادة الختان، فنجد في التوراة: "هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يختتن منك كلّ ذكر، فتختتنون في لحم غرّلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم، ابن ثمانية أيام يُختن منكم كلّ ذكر في أجيالكم... فيكون عهدي في لحمكم عهداً أبدياً، وأمّا الذكر الأغلف الذي لا يختن في لحم غُرْلته فتقطع تلك الأنفس من شعبها. إنّه قد نكث عهدي". لا تشير التوراة إلى أسبقية هذه العادة عند شعوب أخرى كالمصريين، فهي تعتبرها ميزة خصّها الله لشعبه المختار.

عريس الدم

لقد تمّ عبر الختان اشتراع الهوية القومية والدينية والقبائلية لليهود، ويقول عالم الانثروبولوجيا مارسيل موس، بأنّ الختان يرجع إلى الوشم الذي كانت تعتمده القبائل كعلامة مميّزة لها. ويرى بيير غوردن في الختان مشاركة البشري في الإلهي، فعندما عاد النبي موسى مع زوجته صفورا، هجم عليه يهوا وأراد قتله، فقامت صفورا، بختن ابنها الصغير، ومسحت بدم الغُرْلة قدمي موسي، الذي كان قد ابتلع من قبل أفعى، وما إن فعلت ذلك، حتّى نبذته الأفعى من شدقها: "وكان في الطريق عند البيت أن استقبله الرب وأراد أن يقتله. فأخذت صفورا حجراً حاداً وقطعت غُرْلة ابنها وأمستها قدميها وقالت: أنت عريس دم لي، فأطلقه، قالت: عريس دم بسبب الختان".

كان لابدّ من طقس العبور الختاني للنبي موسى كي يدخل في صلب القبيلة اليهودية كي لا تقطع نفسه، كما نصّ بالعهد مع النبي إبراهيم، فموسى الذي تُرك في الماء بعد ولادته، خوفاً من أن يقتله الفرعون، ومن ثمّ ترعرع في بيئة مخالفة لمحيطه القبلي، على ما يبدو لم يكن مختوناً أو أنه كان قد ختن على عادة المصريين، إلا أن طقس ختانه لم يتم وفق النية اليهودية، التي شرّعها الإله مع إبراهيم، لذلك كان لابدّ من ختانه من جديد، ولأن الابن يعتبر امتداداً للأب، قطعت صفورا غُرْلة ابنها، وهناك قراءات أخرى ترى أنها قطعت قلفة موسى.  

جاز النبي موسى عبر الختان الذي قامت به صفورا، امتحان الانتساب للقبيلة اليهودية وتم تكريس ختانه للإله يهوا، وأصبح فرعاً من شجرة النبي إبراهيم.

المسيح المختون

خُتن المسيح كأي طفل يهودي يولد في القبائل اليهودية، لكنّ المسيح الذي جاء بقراءة جديدة للعهد القديم، لم يبد اهتماماً بالختان، في حين أنّ الجدل حول أهمية الختان حصل بين تلامذته، إذ أصرّ بطرس على الختان، في حين ذهب بولس في رسائله لمنحى آخر، وهو الذي انتصر في النهاية، بأن السالك عبر الروح لا يحتاج إلى ختان الجسد.

هذا الجدل الذي حسمه بولس، فأصبح معه طقس الختان عادة منفية من العقيدة المسيحية، ولكنها استمرت في الكنيسة الإثيوبية، فمازالت تختن رعيتها، وفق ما ذكر عبد الوهاب بوحديبة في كتابه الإسلام والجنس.

قلة الفقه الذي يهتم بالختان، وعدم النصّ عليه بالقرآن، دفعت الفقيه المالكي سيدي خليل القاضي، إلى إصدار فتوى بجواز الصلاة وراء إمام غير مختون، وللرازي رأي مهم في هذا الشأن، إذ يرى الختان بأنّه عادة قديمة ورثتها شعوب المنطقة

ظهر هذا الرفض للختان في رسائل بولس لأهل رومية: "لأن الختان إنّما ينفع إنْ حفظت الناموس، فأما إن تعديت الناموس، فقد صار ختانك غُرْلة". بولس يرى الختان للعضو الذكري مجرد شعيرة شكلية، لا تتعلق بالإيمان، لأنّ من يخالف الناموس فلن ينفعه ختانه، لذلك كان ختان القلب ونبذ الشيطان منه هو الختان الحقيقي. أطلق بولس العقيدة المسيحية خارج القبائل اليهودية، وقد تبعه بطرس فيما بعد.

إنّ الختان المسيحي ختان معنوي روحي، لذلك يرفض الختان الجسدي ويستعاض عنه بالتعميد بالماء، فلقد أصبحت المشاركة في المسيح عبر القربان بديلاً للختان اليهودي.

القدّوم آلة الختان

يذكر التراث الإسلامي أنّ النبي إبراهيم قد جاءه أمر الله بالاختتان وهو ابن ثمانين، فاستعجل الطاعة وقطع غُرْلته بقدّوم، فتألم لذلك،.

فسأله الله لماذا فعلت ذلك، قبل أن نأمرك بآلة الختان، فأجاب إبراهيم، بأنّه لم يرد أن يتأخر عمّا طلبه الله.

وتتابع الكتب التراثية بأنّ النبي إسماعيل، قد ختن ابن ثلاث عشرة سنة وإسحاق ابن سبع، وعن الإمام علي جاء بأنّه لا يترك الأقلف في الإسلام حتّى يختتن، ولو بلغ الثمانين.

لم يشر القرآن الكريم إلى الختان، وإنما كان الأمر في الفقه الإسلامي، ولقد نصّ على أن يكون يوم الختان مخالفاً ليوم اليهود.

لا يوجد الكثير من الأحاديث التي تتعلّق بختان الرسول، وهناك روايتان كما ذكر بوحديبة، تخصّان موضوع ختان الرسول، الأولى: ترى بأنّ جدّه عبد المطلب ختنه وهو ابن أربعين يوماً، والثانية تذهب إلى أن الرسول ولد مختوناً.

الأهمية التي أعطيت لتطهير قلب النبي عندما كان في حضانة حليمة السعدية، إذ حضر الملاك جبرائيل وطهّر قلب النبي بعد أن شق صدره وأخرج منه علقة سوداء ثم غسله في ماء زمزم، تتجاوز موضعة ختانه. وإذا كان لنا أن نقارن بين العقيدتين اليهودية والمسيحية في موضوعة الختان، نجد أن الرسول قد خضع لختان الجسد وختان القلب.

وإذا كان من الضرورة أن ننظر في كتب الفقه بحثاً عن أهمية الختان، فسنجد أن الختان لم يأخذ هذا البعد الكبير، ففي كتاب الفتاوي الهندية الذي يربو على ثلاث آلاف صفحة، خصص منها لذكر الختان ثلث صفحة، وأما الإمام الغزالي فأورده في ستة أسطر، في كتابه "إحياء علوم الدين"، أمّا العيني الذي قام بشرح صحيح البخاري فيما يقارب تسع آلاف صفحة، فقد أهمله بالمطلق، وعلى الرغم من ذلك يُعتبر الختان سنّة إسلامية لا يجوز إهمالها أبداً.

للعرب أسطورة في الطفل الذي يُولد مختوناً، إذ كانت ترى بالمولود الذي يولد، وقد تعرّى رأس ذكره بأن القمر قد ختنه... عن الختان في الثقافة الشعبية والدينية 

نستطيع أن نستنتج من ذلك، أن الختان ينوس بين سنّة وعادة كان العرب عليها في الجاهلية. ومن ثمّ أُكدت بمجيء الإسلام، وللعرب أسطورة في الطفل الذي يُولد مختوناً، إذ كانت ترى بالمولود الذي يولد، وقد تعرّى رأس ذكره بأن القمر قد ختنه. وحسب السيرة الحلبية: "من خرافات العامة أن يقولوا لمن يولد كذلك، ختنه القمر، أي لأن العرب تزعم أنّ المولود في القمر تنفسخ قلفته، فيصير كالمختون. وربما قالت ختنته الملائكة"، وربما من خلال هذه الأسطورة نستطيع أن نفهم الخبر التراثي بأنّ الرسول قد ولد مختوناً.

كان يعتقد المصريون قديماً أن الختان تطهير للجسد من دخول الأرواح الشريرة عبر الأحليل غير المختون 

نظرة أخرى للختان

يجمع الختان هذه الديانات الثلاث بأسلوبيه الجسدي والقلبي، باعتباره طقس عبور للدخول في منظوماتها، ومن ثمّ تكريس المختون بأنّه أصبح فرداً من الجماعة الدينية. وعلى الرغم من هذه النظرة الدينية إلى الختان، إلّا أنّنا من خلال الإشارات التي أوردناها في المقال نلقى نظرة أخرى، وإن كانت على استحياء، لكنّها تتعاظم مع ازدياد البحوث الأنثروبولوجية والطبية عن الختان، لتخرجه من مضمار القدسي إلى مضمار التاريخ وسيرورة تطوّر الإنسان.

ذهبت العقيدة المسيحية إلى جبّ عادة الختان، وذلك يعود إلى تغيّر المفاهيم. لقد جاء المسيح بداية وفق الإنجيل إلى خراف بني إسرائيل، لكنّه انتقل بعد الصلب والقيامة إلى رؤية مختلفة تتجه إلى أنّ رسالته تشمل جميع الأمم، هذا الاتجاه تبناه التلميذ بولس بداية، وتبعه بطرس، وذلك لأنّ الأمم الأخرى لم تكن تختتن، كان التخلّي عنها ضرورة أسلوبية وجوهرية تقود إلى عقيدة جديدة.

في الإسلام يذكر بوحديبة بأنّ قلة الفقه الذي يهتم بالختان، وعدم النصّ عليه بالقرآن، دفعت الفقيه المالكي سيدي خليل القاضي، إلى إصدار فتوى بجواز الصلاة وراء إمام غير مختون، وللرازي رأي مهم في هذا الشأن، إذ يرى الختان بأنّه عادة قديمة ورثتها شعوب المنطقة.

هذا الاتجاه الواقعي والتاريخي في النظر إلى عدم قدسية الختان، تدعمه البحوث الأنثروبولوجية والطبية، فقد أورد الباحث ديفيد كولاهير "David L.Gollaher" في كتابه "الختان-تاريخ أكثر العمليات الجراحية جدلاً"، بأن هذه العادة قد ورثها اليهود عن المصريين الذين كانوا يرون في الختان تطهيراً للجسد من دخول الأرواح الشريرة عبر الأحليل غير المختون.

وتضيف بحوث أخرى إلى أن عادة الختان تعود إلى أزمنة سحيقة، كما نوّه الرازي بفطنته المعهودة.

ونضيف إلى أنّ البحوث الطبية لم تحسم الجدل في فوائد الختان أو مضاره، فالإحصاءات تذهب باتجاهات عديدة، بحيث لم نصل إلى نتيجة مرتجاة تثبت أو تنفي منافع أو مضار الختان، وبناءً على ذلك اعتبرت الجمعية الملكية الهولندية ممارسة الختان بلا دواع طبية اعتداء على حقوق الطفل، ودعمت الجمعية الطبية البريطانية ذلك، بأن صرحت بأنّها لا تعتقد بأنّ رغبة الأهل بالختان كافية لإجراء العملية. وبالمقابل في دراسة من جامعة جون هوبكنز (2017)، وجد الباحثون أنّ ختان الذكور يحمي النساء من مخاطر عدة. 

أمام هذا الواقع الجديد الذي قدّمناه آنفاً، يفترض بأن يصبح الختان قضية تعود للفرد عندما يرشد، لأنّه وحده يملك حرية التصرف بجسده.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard