"طلب طهارتها من باب الانتقام"... أزواج يفرضون الختان كشرط لـ"العفة" والوفاء

الثلاثاء 21 يناير 202005:18 م
Read in English:

21st Century Men Mutilating Their Wives Genitals For Chastity

"كانت نفيسة الداية قد انتهت من مهمتها، فأخرجت زجاجة من صدرها، نزعت غطاءها، ففاحت رائحة البنج، وغمست في الزجاجة قطعة قطن، وضعتها على أنف سيمون. رأيت في ضوء المصباح عينيها مفتوحتين على آخرهما، مليئتين بالفزع، فكرت أن أتركها وأدفع الكل عنها، وأوقظها، ظننت نفسي مكانها، لكن خطر لي أنها تُهيّج حامداً -زوجها- بروحها وربما بجسدها، لأنها لم تُختن".

هذا ما ترويه زينب التي دفعتها غيرتها لأن تُمسك بسلفتها سيمون - "تلك المرأة الفرنساوية التي جاءت في زيارة لمسقط رأس زوجها حامد"- ومعها أم حامد وعدد من فلاحات القرية حتى تتمكن الداية من ختانها، بعدما أقنعت الأخيرة أم حامد بأن "المرأة منا إذا لم تختن تصبح هائجة مثل القطة، تطلب الرجال، ولا تشبع أبداً، ثم إنها ترهق رجلها كل ليلة، بل تخونه كلما أتيحت لها الفرصة، وسيمون قد فعلت ذلك مرات كثيرة قبل زواجها من حامد وبعده".

هكذا اقتنعت النساء واتخذن قرارهن ألا يتركن "الخواجاية" من دون ختان، فاقتحمن عليها باب غرفتها وأمسكنها ثم "جذبت نفيسة ذلك الشيء إلى آخره بيد، وأخرجت باليد الأخرى موساً حاداً كموس الحلاقة، من جيب ثوبها، فتحته، ومسحته بطرف الثوب، ثم ضغطت وجذبت الموس بسرعة، فانفصل ذلك الشيء في يدها الأخرى، وفجر دماً غزيراً، لم نر هذا الدم من قبل على كثرة ما رأيناه من طهارة للبنات والصبيان"، كما تحكي زينب.

تفاصيل قصة ختان سيمون المأسوية ليست نسجاً من الخيال، فهي قصة واقعية حدثت في قرية تسمى الشعراء، عام 1948، وأوردها الكاتب الراحل سليمان فياض في روايته الصادرة عام 2010.

ترتفع لأجله الزغاريد

رغم الفارق الزمني الكبير بين قصة سيمون في الأربعينيات وأيامنا هذه، لا يزال موروث الربط بين الختان والعفة حاضراً كنوع من العادات والتقاليد التي اعتادت أن تنفذها أسر المصرية بتباهٍ منقطع النظير، فترتفع لأجلها زغاريد النساء، وتُقدّم الهدايا.

هذا الربط بين الختان والعفة الذي أوجد لنفسه بعداً دينياً كذلك، دفع بالكثير من الرجال ليطلبوا بأن تكون زوجاتهم قد خضعن لهذه العملية في الصغر. وإذا لم يكن كذلك، يدفعون هم بهن لإجرائها بعد الزواج تحت التهديد بطلاقهن، والطعن بشرفهن بحجة "الشهوة الجنسية المفرطة".

تمارس الطبيبة نسرين (اسم مستعار) الختان في عيادتها في إحدى قرى شمالي الدلتا، وتروي إحدى أغرب حالات الختان التي شهدتها: "جاءني رجل ومعه سيدة، وهو يردد ′عليّ الطلاق لو ما يتم طهارتها تكون طالق′، ورغم أنني وجدت أنها لا تحتاج إلى ختان، اضطررنا بعد إصراره، ووضعه طلاق زوجته في كفة وختانها في كفة أخرى، لأن نقوم بما يشبه التمثيلية، فدخلنا غرفة العمليات ووضعنا ′البيتادين′، وادعينا أننا ختناها".

تضيف: "أعطانا الحساب، وزغردت النساء اللواتي كن معه… أما نحن فكان علينا أن نتفادى يمين الطلاق".

"سيكون بعيداً ويخاف ألا أتحمل"

لم تكن تلك المرأة الوحيدة التي تعرضت لهذا النوع من القهر والإجبار على بتر أجزاء من عضوها التناسلي، فرقية كانت لها حكاية مشابهة بل ربما أشد وطأة وأوسع ضرراً.

تحكي رقية (اسم مستعار) عن تعرضها للختان ثلاث مرات. الأولى في طفولتها في منتصف المرحلة الابتدائية عندما ضبطتها والدتها وهي "تعبث بنفسها" في غرفة مغلقة داخل المنزل، فأوجبت "طهارتها" فوراً على يد الداية.

"رشت الداية شيئاً على ذلك المكان لم أعرف ما هو، ولكن أتذكر أنه كان بارداً، وعندما كبرت أدركت أنه كان بنجاً موضعياً، حصل ذلك بمساعدة جارتنا وصديقة أخرى لأمي، وجميعن كن يحكمن قبضاتهن علي ولم يتركن لي مجالاً كي أفلت منهن حتى انتهت الداية من مهمتها"، تروي رقية.

"جاءني رجل ومعه سيدة، وهو يردد ′عليّ الطلاق لو ما يتم طهارتها تكون طالق′، ورغم أنني وجدت أنها لا تحتاج إلى ختان، اضطررنا بعد إصراره، لأن نقوم بما يشبه التمثيلية"... أزواج يفرضون الختان كشرط لـ"العفة" والوفاء

وتقول رقية: "لم يكن ختان الداية قد جاء بهذا الشيء على آخره، لذلك طلب زوجي ختاني مرة ثانية وخضعت لما طلب، لأن الشكل لم يكن يرضيه، والثالثة كانت حين قرر السفر للعمل في دولة عربية. هذه المرة رفضت، إلا أنه برر لي أنه سيكون بعيداً وغربته ستمتد عاماً، ويخاف ألا أتحمل"، مضيفة "ثرت وذهبت لبيت أهلي لكن دون جدوى، فقد أجبروني أن أمتثل له، ولكن في المرة الثالثة كان الختان جائراً، ولم يبق لي شيء على الإطلاق".

في ما بعد، لم تعد رقية ترضي زوجها، فعبّر مرات عديدة عن سأمه من برودتها الجنسية خلال العلاقة، حتى أبعدها عنه إلى بيت أبيها، وهما الآن بصدد الطلاق.

لم تختنها ثم ندمت

حال زينب (اسم مستعار) كان مختلفاً، على حد قولها، إذ تزعم أنها قامت بعملية ختان بمحض رغبتها بعد الولادة، موضحة: "طلبت من الطبيب أن يجري لي ختاناً تجميلياً عقب ولادتي القيصرية، برغم أنني أجريت ختاناً وأنا صغيرة، ولكن الختان القديم شوّه منظري كثيراً، فالداية قطعت أحد المشفرين الصغيرين وتركت لي الآخر".

تقول: "لم يطلب زوجي هذا الأمر، فأنا أهتم بكل تفصيل في جسدي، ولم يكن يرضيني الشكل العام لعضوي التناسلي، وبعد تنفيذ العملية أشعر براحة أكبر".

في المقابل، ساور حميدة (اسم مستعار) القلق بشأن عدم ختان ابنتها في طفولتها. وقتها، استجابت لحملات التوعية التي قامت بها اليونيسيف حول خطر الختان، ولكن عندما كبرت ابنتها وتجاوزت العشرين عاماً عاد القلق ليساورها مع شعور بالندم لأنها "لم تمتثل للعادات في الختان"، مضافاً إليهما تأنيب الأهل والجيران لها كلما عرفت إحداهن أنها لم تختن ابنتها.

تقول: "ذهبت بها إلى استشاري نساء وتوليد لمعرفة هل يمكن ختانها وهي كبيرة، أم أن الوقت قد فات"، موضحة أنه قال لها إن "فحصاً يتم للعروس قبل الزواج، ولو وُجد أنها تحتاج إلى عملية تجميل بسيطة، تُجرى العملية لها، ولا تُحسب ختاناً بالمعنى المعروف".

"شعرت أنه يتجنى عليها"

"دوافع عدة تقف خلف إقبال النساء على الختان بعد الزواج، أبرزها إرضاء الزوج"، بحسب ما تقول طبيبة النساء والتوليد منى الشاذلي، مشيرة في الوقت ذاته إلى أن دوافع بعض الرجال انتقامية.

للمثال، تروي قصة حصلت معها وتصفها بـ"أكثر الحالات غرابة" التي رأتها خلال ممارسة المهنة".

تقول: "رجل كبير في السن متزوج من فتاة عشرينية، اصطحبها إلى عيادتي، وطلب إجراء ختان لها، بحجة ′دي ماشية على حل شعرها′ و ′ماشية تحب على نفسها′ و′أصلها هايجة′ و′خايف تعمل حاجة′، وإيماءات أخرى تخص العرض والشرف".

تضيف: "شعرت من نظراته وكلامه أنه يتجنى عليها، وأنه أتى بها للختان انتقاماً منها لضعفه الجنسي أمامها، فهو عجوز ولا يستطيع مجاراتها في رغباتها التي تناسب مرحلتها العمرية، لذلك شعرت أنه طلب طهارتها من باب الانتقام".

وبيّنت الشاذلي أن العديد من الأطباء الآن يُحجمون عن إجراء الختان في عياداتهم الخاصة لأن المقابل المادي قليل مقارنة بحجم المخاطر والعقوبات التي تنفذ بحق من يفعل ذلك، فـ"الطبيب سمعة والمقابل مش مستاهل".

"شعرت من نظراته وكلامه أنه يتجنى عليها، وأنه أتى بها للختان انتقاماً منها لضعفه الجنسي أمامها، فهو عجوز ولا يستطيع مجاراتها"... أزواج يفرضون الختان كشرط لـ"العفة" والوفاء

وحذرت الشاذلي من الأضرار الطبية جراء الختان، منها "التشوهات والالتهابات المستمرة في المنطقة الحساسة، والناسور، والحساسية، وربما تتعرض المرأة لنزيف، وأضرار من جراء البنج قد تفضي إلى الموت".

يُضاف لما سبق الأعراض النفسية، لأن الختان حسب الطبيبة يشكل للفتاة صدمة تظل في وجدانها وذاكرتها طوال حياتها، فتكره كذلك العلاقة الزوجية، لأن أول تعامل لها مع تلك المنطقة كان بالأذى والقطع.

ختان لدواعٍ تجميلية

من جهته، يوضح اختصاصي أمراض النساء والتوليد محمد أحمد المرسي أن ختان ما بعد الزواج يكون أحياناً لدواعٍ تجميلية، ويكون دافع الرجل من حث زوجته عليه جنسياً.

ويشير المرسي إلى الحالات التي يكون لدى المرأة فيها شفرتان طويلتان، أو شفرة أكبر من الأخرى، وهذا يُحدث التهابات وحكة، ويُزعج الرجل والمرأة أثناء العلاقة، ويجعل العملية الجنسية غير مرضية للزوج، وهنا يتم القطع لداعٍ طبي مع تجنب البظر (منطقة الإثارة الجنسية) تماماً.

"لم يخلقني الله لإرضائه"

تعلق الكاتبة والشاعرة أمينة عبد الله على طلب بعض الرجال إجراء زوجاتهم للختان بعد الزواج بالقول: "ليس من حق الزوج طلب ذلك، وإلا فمن حق الزوجة في المقابل إن لم يعجبها عضوه الذكوري أن تطلب إجراء عملية له".

أمينة بدورها كانت قد نجت من الختان مرتين، الأولى وهي في عمر العاشرة بعدما نزفت الممرضة الدماء لأنها ضربتها بقدمها على وجهها، والثانية وهي شابة في عمر الـ18 عاماً، بعدما هددت بإبلاغ الشرطة.

وبسؤالها هل طلب زوجها منها الختان حالياً بما أنها لم تُختن وهي صغيرة؟ ترد أمينة: "وضعي مختلف لأنني فرضت تفاهمات في أول الزواج مثل عدم تكرار الإنجاب مثلاً، فلا أتصور أنه سيطرح عليّ أمراً مثل هذا. لو كانت هذه صيغته في الطلب فأنا لم يخلقني الله لإرضائه بل يسألني عن نفسي".

"الخطاب الديني رفض الختان لكنه لم يُفعّل خطاباً حقيقياً لتفاديه كما فعل في ترسيخ خطاب الطاعة المطلقة للزوج".

وتبدي أمينة اشمئزازها من الدعاوى التي تطلق بحق غير المختونات، وفحواها أنهن الأكثر رغبة وطلباً للرجل، قائلة: "إذا كان الرجل ينظر للمرأة غير المختونة بأنها ذات رغبة جامحة فينبغي أن ينظر لنفسه على أنه بقوة خرافية ولن يشتكي أبداً".

وتردف: "إذا أجبرت المرأة على الختان بعد الزواج، فيجب أن تطلق فوراً، فلو تعاملنا مع عدم الختان باعتباره عيباً خلقياً فعلى المرأة ألا تقبل بأي عيب في جسد الرجل".

تهاجم أمينة دوافع طلب الختان لدواعي سفر الزوج، قائلة: "العفة في النفس وليست في الجسد بدليل وجود علاقات زنا كثيرة جداً بوجود الزوج، وبالعكس. فالزوج يكون أحياناً غطاء اجتماعياً جيداً للخروج".

وتشير إلى أن عادة الختان، برغم التوعية، ما زالت تُمارس على نطاق واسع في النجوع والكفور، وفي الصعيد، معتبرة أن التوعية لن تكون فعالة إلا إذا تغير الخطاب الديني المتشدد تجاه المرأة، فبالرغم من أن "الخطاب الديني رفض الختان لكنه لم يُفعّل خطاباً حقيقياً لتفاديه كما فعل في ترسيخ خطاب الطاعة المطلقة للزوج".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard