ثرثرة فوق الكفن

السبت 14 نوفمبر 202012:25 م

طمّني يا شيخ، فقيدنا في الجنة إن شاء الله؟

لطمتني هذه العبارة وأنا أمام جنازة جدي والد والدتي، بسؤال بعض الأقارب للمغسّل بعدما خرج من الغرفة التي تم غسل جدي فيها، لتطل في رأسي صورة الداية في الأفلام المصرية القديمة، التي تخرج وفي يدها فوطة صغيره تقلبها بين كفيها كأنها تمسح بها شيئاً مبهماً مشغولة به، كيلا تعطي أهمية لوالد المولود الذي يسألها بحماس: ولد أم بنت؟ فترد بثقل وغرور وكأن المولد من صنع يديها: ولد. فتنتهي كل أوجاع والده ومخاوفه التي كانت والتي ستكون. هذا ما يحدث كلما خرج المغسّل من غرفة الميت مع الأقارب بعد حضورهم غسله، ليتلقوا أسئلة باقي الأهل والأصدقاء حول حال الميت، مختصرين أسئلتهم بـ "كيف يبدو وجهه؟ مضيء، مبتسم، غسله ميسر، أم...؟".

كيف تحولت علامات صلاح الميت من حق إلى خرافات عند الشعوب العربية!

كيف تحولت علامات صلاح الميت من حق إلى خرافات عند الشعوب العربية!

قد طُرح في أكثر من نظرية من نظريات علم النفس، فيما يخص طبيعة العقل البشري، أنه دائماً يبحث عما يريحه ليتقبل الكوارث ويتعايش معها، لذلك قد نجد علماء الاجتماع يصفون بعض الظواهر والعادات التي تمارسها الشعوب، بالأخص العربية والمسلمة، عند تعرضهم لموقف الفقد "الموت"، بأنها أفعال غير منطقية حقيقية، أفعال عشوائية تؤدي الى طريق واحد وهو رغبة الاطمئنان على الفقيد، فالموت يعتبر أيقونة تمثل المجهول في أبهى صوره، مجهول يحمل هيبة وغموضاً وألماً قد يأتون على شكل طاقة تفوق احتمال الإنسان. لذلك، وفي ظل عدم المعرفة هذا، تتفشى مجموعة من الأعاجيب التي تحدث فوق كفن الميت. أهمها السؤال: هل الفقيد/ة بخير؟ فتنشأ من هنا سلسلة من الادعاءات، وأحياناً الخرافات المستنتجة عن موروثات دينية، ولكن بكثير من التشويه، حتى إنها تصبح غريبة وشاذة عن القاعدة الأساسية، ومرفوضة ومحرمة من نفس الجهة التي تعتبر منسوبة إليها.

معاناة داخل المغسلة

تقول أمينة عبد الرب، مغسلة مصرية، عن تجربتها الطويلة وهي تقترب من عامها الخمسين، إنها أمضت نصف عمرها بالضبط في ممارسة هذه المهنة، حيث تتعرض بشكل متكرر لأسئلة بخصوص شكل الميتة أثناء غسلها من قبل ذويها، وكانت دائماً تجيب بكلمة واحدة: "الحمدلله... ادعوا لها"، موضحة أنها تلتمس لأهل الفقيدة دائماً الأعذار، فسؤالهم ناتج عن خوف واضطرابات فكرية ونفسية بدافع ما أصابهم، وبالطبع تأثرهم بما يروى عن الميت في غسله داخل المجتمع، وإلا لأجابت ببعض الدروس الصارمة بحرمة سؤالهم، وتنبيههم من حرمة الروايات والقصص التي ستنتقل بينهم وتظل تروى الى مالا نهاية، بناء على ظروف خاصة لكل حالة وفاة، وأن للميت حرمة وللموت قدسية.

وأضافت أمينة أنه في بداية عملها كمغسلة، تدربت على يد سيدة من أقاربها تدعى حورية عبد الجبار، وكانت دائماً تلفت نظرها حول صعوبة هذه المهنة، ليس في وقت غسل الميت، بل في كيفية التعامل مع من حوله، بالأخص أهله، موضحة لأمينة أنها تخلت عن محاولة تغير هذه العادة في أهل كل ميت تصادفه، من خلال الوعظ أو النصح، لفرط رسوخ هذه الفلسفة داخلهم التي تبنى عليها شيء من استقرارهم النفسي، واكتفت بالحمد وطلب الدعاء للفقيدة قبل إتمام الدفن.

ثرثرات فوق كفن الميت تحدد مصيره ومكانته

تقول بثينة عياد، طبيبة نفسية أردنية، تسكن مدينة معان الواقعة في جنوب الأردن، أن جنازة الميت لا تخلو بشكل حقيقي في مجتمعها من الأكاذيب والادعاءات، دون أدنى شعور بالذنب من قبل المروجين لهذا، معتبرة أن لاوعي هؤلاء هو ما يحركهم نحو هذا النوع من الحديث، ليواسوا أهل الميت ويرفعوا عنهم رعب المجهول المصاحب دائماً للموت، وأيضاً التودد والتقرب والمساندة كنوع من أنواع الواجب الاجتماعي، موضحة أن هذه الأكاذيب تتمحور حول الأحلام بالميت مثلاً. فمنهم من يراه يزوره ويوصيه بأهل بيته، ومنهم من يراه في ثياب بيضاء يصعد سلم قصر، ومنهم يجده متنعماً في الجنة بين الطيور والينابيع، ومنهم من يقص على أهل الميت كيف كانت نظرات فقيدهم له حين رآه آخر مرة، وكأنه قرأ في عين الفقيد قدومه لكي يودعه وشعوره بأن أجله قد حل، وهذه دلائل قوية على صلاح الميت وحسن مثواه. مؤكدة أن الحلم بالميت حقيقي وشعور الميت أحياناً بقرب أجله حقيقي، ولكن تحولت الحقيقة لباطل من فرط سوء استخدامها، حين صبغها المجتمع بصبغة المجاملات والواجب، فتحولت إلى هراء وافتراء، وأحياناً تستخدم هذه الادعاءات للتشفي والانتقام والتعبير عن الكره حين تروى بشكل سلبي، مثلما روت "ش.ع" في جنازة سلفتها، وأمام أهل الفقيدة وجيرانها، كيف رأت سلفتها تعاني من كفنها الذي يضيق عليها لتتحول بشرتها إلى زرقاء، بعدما خرج لسانها من فمها المغطى بالديدان، لتثير الرعب في قلوب أحبائها وتؤكد سوء أعمالها وختامها.

بناء على خلفية دينية يوضع عليها الكثير من الادعاءات، سواء للمجاملة أو للانتقام، يحدد البعض مصير الميت بشكل أبدي في نفوس أحبائهم، وتظل هذه الادعاءات تروى من باب الاقتداء بها أو العظة، دون وجه حق أو منطق

هكذا، وبناء على خلفية دينية يوضع عليها الكثير من الادعاءات، سواء للمجاملة أو للانتقام، يحدد البعض مصير الميت بشكل أبدي في نفوس أحبائهم، وتظل هذه الادعاءات تروى من باب الاقتداء بها أو العظة، دون وجه حق أو منطق.

ظروف الميتة تدين أو تبرئ صاحبها هنا في دولنا ذات الخلفية الدينية

تختلف ظروف وفاة كل شخص عن غيره، حيث لا يعلم الإنسان بأي أرض يموت ولا بأي طريقة، وتبعاً لهذه الظروف تترتب أشياء على جسد الميت حين تقدم للغسل، فبالتأكيد الوفاة الطبيعية غير الوفاة في حادث وغير الوفاة في حرب أو معركة، هكذا طرحت الطبيبة سعاد كنعان، العاملة في إحدى مشارح بيروت كطبيبة شرعية، مشكلة جديدة تواجهها بشكل مستمر حين استلام المشرحة لجثث ناتجة عن حوادث قاسية، واصفة الجثث الآتية للمشرحة نتيجة الحوادث، بأن شكلها مشوه أحياناً وغير طبيعي، والمؤسف والمثير للقلق والأسى أنها كانت تجد ربطاً غريباً من أصحاب الجسد الميت حين يعثرون عليها بتلك الهيئة المشوهة ومصيرها عند الله، مؤكدة أن الخرافات الشعبية والتدين الظاهري يسيطر على العقول في المجتمعات العربية، بالأخص أنها عملت في أكثر من مشرحة في مدن مختلفة داخل لبنان، وكانت دائماً تعاني من نفس القضية.

مضيفة بأنها كانت تشعر بالعجز في كل مرة تحاول إيصال فكرة أن ظروف الموت هي السبب في انتفاخ الجسد بهذا الشكل، ازرقاق أو شحوب لونها، أو وصولها لهذه المرحلة من التشويه، وليس عملها إن كان صالحاً أم لا، وكان يتم تجاهل كلامها عند أهل الميت، برعب وصراخ يضاعفان ألم الفقدان.

نختلق الكذب على الميت لأننا نخاف عليه من المجهول، أو لأننا نخاف على أنفسنا من نفس المصير، فبين الخوف والحب والمجاملة والكره والانتقام، نذهب حيث لا يجب أن نكون

أصبح الأمر لا يتوقف فقط على هيئة الميت أثناء الغسل أو ظروف ميتته، بل يطول كل تفاصيل اليوم، مثل تيسير تصريح الموت، الحفر، سهولة الدفن، نوعية التراب، عدد الحاضرين، عدد الحزانى، عدد القراء، الطيور التي تحلق فوق المدفن، طلوع الشمس، اعتدال الجو ووضوح القمر، فتقول حصة عواد، معلمة تربية إسلامية في السعودية، إن محاربة هذه العادات المغلوطة مسؤولية جماعية تربوية، لأن هذه العادات تسيء للدين وتسيء للميت وحرمته وتسيء لمشاعر أهله، فما علاقة برودة الجو وغزارة أمطاره بعدم صلاح حال الميت؟ وما علاقة تعطل أوراق دفنه، بسبب تكاسل العاملين في الجهات الرسمية مثلاً، بسوء عمله؟ موضحة أنه يجب طرح هذا الموضوع في المدارس والجوامع ومحاضرات التلفزيون، لغرس قيم الشرع الحقيقة، والتفريق بين ما جاء به الدين وبين تطبيقه في المجتمع، بالإضافة الى التركيز الشديد على تحريم وعقاب التدخل في تحديد مصير البشر كونه يعتبر اعتداء على الله.

قال عمر صديق، يعمل مدرساً أول في جامعة الأزهر في القاهرة، بعد سؤاله عن أسوء العادات والتقاليد في مصر داخل الجنائز، إن ما يقترف بحق الميت يقترف بكل بساطة وسلاسة وبشكل مستمر انسيابي، وهو لا يعلم متى بدء وكيف سينتهي، رافضاً بشدة التدخل في حال الميت وتقرير مصيره بناء على هيئته وطبيعة وفاته، أو ما نراه عليه في أحلامنا، ذاكراً الحادث الأكثر تأثيراً فيه، حين توفي وهو صغير، الشيخ الذي كان يحفّظه القرآن، بعدما سقط عليه بيته القديم المتهالك، فدمر جسده تحت أنقاض البيت. وكان الحصول على أشلائه لدفنه ما يشغل قريته الصغيرة داخل محافظة الدقهلية، وهو أيضاً ما أخذ يثير الشك في حقيقة طيبة نفس وصلاح أعمال شيخه الجليل، لينتشر ويصبح حديث الصباح والمساء داخل قريتهم البدائية وقتها، لدرجة أثارت تساؤلاته كطفل، ورعبه الشديد حول ما الذي يمكن أن نفعله حتى يحسن الله ختامنا، بالأخص وأن لشيخه هذا مكانة كبيرة في نفسه ونفس أهل القرية جميعاً، لشدة تدينه ووقاره واحترامه، ومع هذا استطاعت خرافات المجتمع أن تثير الشك حول صلاحه ومصيره، ما وضع أهله في مأزق حقيقي أثار خجلهم أمام الناس، لاعتبارهم أن ميتة ولدهم الشيخ بهذه الطريقة فضيحة كبيرة.

نختلق الكذب على الميت لأننا نخاف عليه من المجهول، أو لأننا نخاف على أنفسنا من نفس المصير، فبين الخوف والحب والمجاملة والكره والانتقام، نذهب حيث لا يجب أن نكون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard