"لا أفهم المرأة متعددة العلاقات الجنسية"... كيف يشخص أطباء ذكور "مشاعر" المرأة في عيادتهم؟

السبت 28 نوفمبر 202005:05 م

دخلت هدى الرملاوي (39 عاماً) عيادة للطب النفسي غرب مدينة غزة، وبقيت فيها أكثر من نصف ساعة مع الطبيب.

تعاني هدى من مزاج متقلب بسبب مهام حياتها كأم لطفلين، خاصة في مرحلة ما قبل الطمث، وصنّف الطبيب حالتها بشكل يشبه تصنيفه للاكتئاب، تقول: "أعاني من مزاج متقلب، فأنا أم لطفلين، خاصة في فترات ما قبل الطمث، ويتأرجح مزاجي بين العصبية المفرطة والتوتر. الطبيب اعتبر أمري نوعاً من الاكتئاب الطبيعي الذي يصاحب تغير الهرمونات الجسدية".

ترى هدى أنها تحتاج إلى علاج مخصص لتغير الهرمونات، وليس إلى علاج للاكتئاب، ولكن الطبيب يصر على أن لديها حالة من الاكتئاب.

عناية صحية خاصّة

تسلط حالة هدى الضوء على هواجس الكثير من النساء حيال الطب النفسي، والأطباء الذكور، ويشعرن بالغبن لأن حالتهن يتم تعميمها مع حالات أخرى، ويشتكين من عدم فعالية الجلسات والأدوية.

تشير تقديرات إلى أن المرأة تشكل 60-70% من المترددين على العيادات النفسية، ويرجع البعض ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها التكوين البيولوجي ذو الإيقاع المتغير، من طمث شهري إلى حمل إلى ولادة إلى رضاعة إلى انقطاع الطمث، وما يصاحب هذه التغيرات من مظاهر فسيولوجية ونفسية، بالإضافة إلى أن الوضع الاجتماعي للمرأة، خاصة في مجتمعات ذكورية، يضعها تحت ضغوط مستمرة ومتعددة تؤدي في النهاية إلى إصابتها بالعديد من الاضطرابات النفسية والعصبية والجسدية.

وما تطرحه هدى وغيرها من تساؤلات حول ما إذا كان الطب النفسي يتفهم خصوصية المرأة تلك؟

تقول نداء كحلاني، طبيبة نفسية من الكويت، لرصيف22: "تحتاج المرأة في ظل المتغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم إلى عناية صحية خاصة، بسبب اختلاف تكوينها الجسدي والنفسي، خصوصاً أن العديد من التقارير والأبحاث قد أشارت إلى أن المرأة بشكل عام تمر بالعديد من التغيرات الحيوية المختلفة، التي تحتاج إلى رعاية واهتمام، خاصة مع تقدم عمرها".

نصح الطبيب نرمين بألا تتدخل فيما يفعله زوجها، وتتركه لحريته الشخصية، والتأقلم مع ميوله المثلية، تساءلت لو كانت هي في مكانه، فبماذا قد ينصح زوجَها، وهي تخونه مع صديقتها؟

وتشير إلى أن "عدة دراسات خلصت إلى أن نشاط وحيوية وقوة المرأة تتأثر بعوامل كثيرة، مثل الهرمونات الأنثوية، والعوامل النفسية، التي قد تكون من أهم العوامل التي لها ارتباط بسلامة المرأة، خاصةً بعد سن الأربعين، إذ تظهر أعراض اضطرابات النوم مثل الأرق، وقلة النوم، واضطرابات الدورة الشهرية، والتجاعيد في البشرة والوجه، وترهل في مناطق مختلفة في الجسم، وغيرها من المشكلات الصحية الأخرى".

"زوجي مثلي"

يفرّق عاملون في الطب النفسي، خاصة في عالمنا العربي، في درجة تقييم النشاط الجنسي بين الرجل والمرأة، وأحياناً يتماهون مع النظرة الذكورية غير المستندة إلى حقائق علمية أو فرضيات انتقائية.

اكتشفت نرمين صافي (36 عاماً) من الأردن أن زوجها مثلي الجنس بعد مرور خمس سنوات على زواجهما، شعرت باضطراب نفسي كبير، إذ تربت في بيئة تدين تلك الميول، وهي تشاهد الصور الإباحية التي يرسلها زوجها لصديق له، فقررت الذهاب لطبيب.

فضّلت نرمين التوجه إلى طبيب، لأنه، كما فكرت، سيكون أقدر على فهم طبيعة الرجل من الطبيبة، فنصحها بألا تتدخل فيما يفعله زوجها، وتتركه لحريته الشخصية والتأقلم مع ميوله.

تتساءل نرمين إذا كانت هي المثلية، وتمارس الحميمية مع صديقتها، وذهب زوجها للطبيب، فهل سينصحه بأن يترك لها حرية الاختيار، والمساحة الخاصة، والتأقلم مع ميولها، أم بطلاقها، والزواج من غيرها؟

يقر الدكتور النفسي عبد الله جودة بوجود خلافات في تعامله الطبي بين الرجل والمرأة من مرضاه، يشرح وجهة نظره لرصيف22: "يختلف التعامل مع مشاكل الرجل النفسية عن مشاكل المرأة تماشياً مع ما يؤمن به المجتمع من تمييز وخصوصية لكل حالة، فأنا مثلاً أتفهم رجلاً حين يكون لديه اضطراب "تعدد العلاقات"، لكنني لا أجيد معالجة امرأة متعددة العلاقات، فنحن نعيش في مجتمع محافظ يجب علينا احترام عاداته وتقاليده".

ويقول إنه يتعامل مع الضغوط النفسية للمرأة التي يتسبب فيها الرجل على أنها "استعداد جيني لا أكثر، لأن هناك نساء لا يحتملن المشاكل الزوجية أصلاً، لأن بنيتهن النفسية هشة وضعيفة".

"المرأة أكثر تفهماً"

تعلق حنين علي، أخصائية دعم نفسي، لرصيف22: "هناك فروق بين طبيعة المرأة وطبيعة الرجل، الأمر الذي ينعكس على الاضطرابات النفسية لدى الطرفين".

وحول الفرق بينها كطبيبة وبين المعالج الرجل في التعامل مع المرأة المريضة، تقول: "أنا كطبيبة معالجة أكثر تفهماً لطبيعة المرأة لأن معظم المشاكل النفسية ناتجة عن ضغوط وممارسات ناتجة عن الزوج، وهي أصلاً نابعة عن ذكورية ثقافة المجتمع".

وتشدد الطبيبة النفسية ميساء أبو شريف على أهمية تبني "وجهة نظر نفسية مهنية" في الطب النفسي، "بمنأى عن تأويلات المجتمع، ونظرته إلى ما يتعلق بالتمييز بين المرأة والرجل نفسياً".

وتقول لرصيف22: "مهنياً يعتبر المجتمع عاملاً من عوامل المرض النفسي للمرأة، فالتعامل مع المرأة في سياق ذكوري يهتم فقط بمصلحة الرجل، ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى سلوكيات مرضية لدى المرأة".

وتختم: "في عملي لا أميز بين الرجل والمرأة، لكني أكثر تعاطفاً مع المرأة لأني أتفهم طبيعة الظروف التي تتعرض لها المرأة العربية".

"أنا مثلاً أتفهم رجلاً حين يكون لديه اضطراب "تعدد العلاقات"، لكنني لا أجيد معالجة امرأة متعددة العلاقات، فنحن نعيش في مجتمع محافظ يجب علينا احترام عاداته وتقاليده"

ويتفق معها في حيادية الطب النفسي، حسان خواجة، طبيب نفسي، يقول لرصيف22: "ليس هناك فرق في علاج المريضة عن المريض، فالطب النفسي طب إنساني عام يتعامل مع أعراض النفسية البشرية من دون تمييز".

وتفضل بعض النساء الطبيب، بحسب آراء شائعة في مجتمعات محافظة عن "حيادية" الرجل، و"عقلانيته" مقارنة بالمرأة، مثل رولا كيلة (40 عاماً) التي تقول لرصيف22: "أفضّل العلاج لدى طبيب نفسي لأني لا أشعر معه بالإحراج كما أشعر مع المرأة، بالإضافة إلى أني أشعر أن الطبيب أكثر مهنية وعقلانية من الطبيبة".

قديماً، رأت الكاتبة النسوية شيسلر أن الذكورية تقبع في جوهر الطب النفسي، فهو "مبني بشكل أساسي على أفكار المجتمع الأبوي، فيما يتعلّق بثنائية المرض والصحّة. المجتمع الأبوي بطبيعة الحال يصنّف كل الصفات التي تُربط بالذكورة تحت خانة “الصحّي” والطبيعي”، بينما يضع كل ما يشذّ عن تلك القاعدة، أي كل ما هو أنثوي أو مفرط الأنثوية، تحت خانة “المرضي” وغير الطبيعي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard