الاستثمارات السعودية في العراق... الحكومة راضية ولكنّ حلفاء إيران يهددون

الجمعة 20 نوفمبر 202012:42 م

بعد ثلاثين عاماً على إغلاقه، أعادت بغداد والرياض في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي افتتاح معبر "عرعر" الحدودي بين البلدين. وكبادرة "حسن نية"، أرسلت السعودية 16 شاحنة محمّلة بمواد طبية كمساعدات للعراق.

قبل افتتاح هذا المعبر بأيام، عقد مجلس التنسيق العراقي السعودي جلسة، بعد تبادل زيارات بينهما، كما عُقد اجتماع عبر الفيديوكونفرانس بين رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

في أكثر من مناسبة، رحّب الكاظمي بالاستثمارات السعودية في العراق. ومن بين المشاريع المطروحة، تسعى الرياض إلى استثمار نحو مليون هكتار من الأراضي الواقعة في صحراء العراق الممتدة من محافظة السماوة مروراً بكربلاء والنجف إلى محافظة الأنبار، بهدف تحويلها إلى مشاريع زراعية تتوزّع بين حقول ومزارع لتربية الأبقار والماشية والدواجن.

محاربة الاستثمار

هذا الاستثمار يواجَه بتهديد كبير من قبل فصائل مسلحة مقرّبة من إيران. وأصدرت جماعة تُدعى "ربع الله" (جماعة الله)، بياناً قالت فيه إنها اجتمعت مع جماعة "أبو جداحة" (أبو قداحة) واتفقت على أن أي مجال للاستثمار السعودي سيكون هدفاً للجماعات المتحالفة.

برزت المجموعتان (ربع الله وأبو جداحة) في الأشهر الأخيرة، وقامت بعلميات حرق مؤسسات إعلامية ومهاجمة مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد، كما نظّمتا مسيرة ضد التواجد العسكري الأمريكي في العراق، ويُعتقد أنهما تابعتان لكتائب حزب الله العراقية.

يقول رئيس مركز التفكير السياسي في العراق إحسان الشمري لرصيف22: "هذا التهديد بضرب التقارب العراقي السعودي يستند إلى عقيدة سياسية تريد للعراق أن يكون دولة تابعة وليس دولة تمضي باتجاه التوازن في علاقاتها الخارجية".

ويشير الباحث والكاتب السعودي حسن المصطفى إلى أن "القوى السياسية والعسكرية المحسوبة على إيران، تعارض التقارب بين الرياض وبغداد، كونها تتخندق في محور محدد، وتعتبر الرياض خصما لها"، ويضيف لرصيف22: "لذا ستبذل جهودها لعرقلة ذلك، لاختلافات سياسية وفكرية أولاً، وأيضاً للأسف الشديد لقصر نظر في الرؤية، وشيء من الروح الانتقامية العدائية غير المبررة".

لم تكن العلاقة بين العراق والسعودية على ما يُرام بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003، خاصة خلال حكومتي نوري المالكي (2006-2014)، وكان السبب في ذلك "قرب المالكي من إيران"، كما اتهام الأخير للمملكة بدعم الإرهاب.

وعندما وصل حيدر العبادي إلى رئاسة الحكومة العراقية، عام 2014، بدأ الانفتاح بين البلدين، لكنه بقي غير واسع، واقتصر على مواقف سعودية وعراقية وزيارة قام بها العبادي إلى الرياض بحضور وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ريكس تيلرسون.

مع وصول عادل عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، تراجعت بوادر التواصل بين البلدين، ويبدو أن "قُرب" عبد المهدي من إيران كان سبباً في ذلك.

لكن العلاقات بين البلدين شهدت تغيّرات مع تسلم مصطفى الكاظمي رئاسة الحكومة، في أيار/ مايو الماضي، إذ سارعت الرياض إلى الترحيب باختياره.

وتربط الكاظمي، وفقاً لمعلومات رصيف22، علاقة قوية بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بدأت عندما عمل الأول في جهاز المخابرات الوطني العراقي عام 2016.

واليوم، مع مساعي السعودية للتقارب أكثر مع العراق، اقتصادياً وليس سياسياً فقط، تجد الحكومة نفسها أمام تهديدات من حلفاء إيران في العراق، ما يؤشر على وجود "قلق" إيراني من دخول السعودية اقتصادياً إلى العراق.

تضارب مصالح بين الرياض وطهران

تتحدث السعودية عن عُمق العراق العربي، ويتحدث عراقيون عن عُمقهم العربي أيضاً، لكن في ذات الوقت هنالك مَن يرفض هذه العلاقة من خلال رفض الاستثمارات، ومن هذه الأطراف حركة "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي الذي حذّر من الاستثمار السعودي في العراق لـ"تزامنه مع إعلان دول عربية التطبيع مع إسرائيل".

"التهديد بضرب التقارب العراقي السعودي يستند إلى عقيدة سياسية تريد للعراق أن يكون دولة تابعة وليس دولة تمضي باتجاه التوازن في علاقاتها الخارجية"

يقول المتحدث باسم المكتب السياسي للحركة محمود الربيعي لرصيف22: "نحن نرحب بالعلاقات المبنية على الاحترام، لكن مشكلتنا الأساسية في المحاولات السعودية للدخول إلى العراق تنبع من القراءة الواقعية الدقيقة لمجريات الأحداث بين البلدين منذ تسلم آل سعود حكم الجزيرة العربية وتعاونهم التام مع الفكر الوهابي التكفيري الذي ينص على اعتبار غالبية أبناء الشعب العراقي كفرة ومرتدين".

يعتقد البعض أن المواقف الرافضة للتقارب العراقي السعودي مرتبطة بمصالح إيران في العراق، حيث تمتلك طهران "تبادلاً تجارياً" مع بغداد يصل إلى نحو 13 مليار دولار.

تعوّل إيران كثيراً على هذا "التبادل"، وتستخدم 95% منه لتصدير بضائعها إلى العراق، وبات البعض يصف السوق العراقية بـ"رئة إيران الاقتصادية".

ولا يُشكل التبادل التجاري بين العراق والسعودية في أفضل الأحوال 10% من ذلك الذي بين العراق وإيران. ومثل إيران، تستحوذ السعودية على النسبة الأكبر من هذا "التبادل"، عبر تصدير سلعها إلى العراق.

يستهدف الاستثمار السعودي مناطق شيعية. ولمّح المتحدث باسم عصائب أهل الحق محمود الربيعي إلى أن الشيعة "متضررون من فتاوى ومواقف السعودية المذهبية على مدى عقود".

ولكن الباحث حسن المصطفى يعتبر أن "الرياض تفضّل أن تكون هنالك علاقة صحية ذات أبعاد مختلفة، يكون أساسها التعاون المشترك، والشراكة، وتنشأ بين المؤسسات وليس الأفراد وحسب".

البلَدان (إيران والسعودية) يعتبران العراق فرصة لتوسيع نفوذهما في المنطقة وسوقاً مهمة لبضائعهما، ويعرفان أيضاً أن مَن يسيطر على السوق العراقية سيسيطر سياسياً، والعكس أيضاً.

وتعتبر الرياض التي تسعى إلى تنفيذ مشاريع بمليارات الدولارات وجودها في العراق فرصة كبيرة تضرب من خلالها إيران وتركيا التي تصدر سنوياً بضائع بأكثر من 14 مليار دولار إلى العراق.

أدبيات عقائدية

برغم وجود رغبة من الحكومة العراقية في تدفّق الاستثمارات السعودية على العراق، ترسل فصائل مسلحة تهديدات مستمرة لهذا المسعى، وتشاركها في رسائلها أيضاً أحزاب سياسية، منها ائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي الذي وصف الاستثمار السعودي بـ"الاستعمار".

تعتبر الرياض التي تسعى إلى تنفيذ مشاريع بمليارات الدولارات وجودها في العراق فرصة كبيرة تضرب من خلالها إيران وتركيا التي تصدر كل منهما سنوياً بضائع بأكثر من 10 مليارات دولار إلى العراق

يرتبط رفض تطوير العلاقة بين العراق والسعودية إلى أدبيات عقائدية، والرافضون ليسوا أقلية أو من دون تأثير، فهم يُشكلون أكثر من 20% من البرلمان العراقي تحت مسمى تحالف "الفتح" الذي يتزعمه هادي العامري، أحد أبرز حلفاء إيران في العراق.

"وجود نوع من العلاقة السيئة أو غير الجيدة بين هذه الأطراف وبين السعودية وقربها من إيران وطبيعة التوتر السعودي الإيراني قد يكون سبباً في بحث هذه الأطراف عن مصالحها ومساحة في الاستثمار القادم"، يقول إحسان الشمري لرصيف22.

تخشى إيران على استثماراتها في العراق، فالبلاد التي تدخّل لها نحو 10 مليارات دولار سنوياً من بيع البضائع لها، فضلاً عن تهريب العملة الصعبة، مثلما يقول خبراء اقتصاد، لا يُمكن الاستغناء عنها لصالح دولة منافسة.

ويضيف الشمّري: "إيران تطمح إلى ابتلاع اقتصادي للعراق، لكن عليها أن تأخذ بعين الاعتبار أن للعراق علاقات بدول أخرى"، وبرأيه، "هذا لصالحها ويمكن أن يكون العراق نقطة التقاء وليس احتكاك".

موقفا السعودية وإيران واضحان. ترغبان بالوجود في العراق. لكن موقف العراق فيه انشقاق كبير. فالحكومة الساعية إلى علاقات طيبة مع الجارة العربية لا تجد دعماً قوياً يسند إصرارها على منح إجازات استثمار لشركات سعودية، ولا يبدو أيضاً أنها ستكون قادرة على توفير الحماية الأمنية لهذه الاستثمارات، فهي ستكون في مرمى نيران الأطراف التي لا تتوانى عن استهداف السفارة الأميركية في بغداد.

يطرح المتحدث باسم المكتب السياسي لحركة عصائب أهل الحق محمود الربيعي أربعة شروط مقابل عدم رفض العلاقات مع السعودية وهي: تقديم تعويضات لضحايا الإرهاب جميعاً، في اتهام ضمني للمملكة بدعم الإرهاب؛ وإعادة المنهوبات النفيسة العائدة للعتبات المقدسة، في إشارة إلى غزوات الوهابيين في بداية القرن الماضي قبل تأسيس الدولة السعودية الحديثة؛ و"إصدار فتاوى تبطل فتاوى إباحة دمائنا (الشيعة)"؛ والاعتذار الرسمي من الشعب العراقي.

"الرياض تراقب تطور الأحداث، وتعرف أن هنالك قوى ممانعة للتقارب الحاصل، وهي في دعمها لحكومة الكاظمي تعرف أنه ليس الوحيد الذي يمسك بزمام الأمور، وأن هنالك أحزاباً وتشكيلات عسكرية ضد سياساته، ولا تريد أن تكون هنالك علاقات حسنة بين السعودية والعراق"، يقول حسن المصطفى في تعليقه لرصيف22 على موقف السعودية من الأحداث والتطورات الجارية، ويضيف: "لذلك، فإن الرياض، في الوقت الذي تمضي فيه قدماً، تسعى لأن تتجاوز هذه العقبات بهدوء وصبر ودون الدخول في صراعات لأن الخلافات شأن عراقي بالدرجة الأولى".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard