"لم أعد أرتدي حجابي في المصنع"... فلسطينيات يعملن في المستوطنات الإسرائيلية

السبت 7 نوفمبر 202010:47 ص

يعشن الشتاء قبل أوانه ولا يحفلن بمجيئه حين تنقضي بقية الفصول. تذهب العاملات الفلسطينيات في المستوطنات الإسرائيلية إلى عملهن بحلول الفجر. هذا الزَحف اليومي إلى المستوطَنة يستهلكهن روحياً، لكنَ حاجتهن إلى العمل أجبرتهن على مغادرة أسرَتهن قبل شروق الشمس والرجوع بعد مغيبِها.

اللّيل هو المشهد الطبيعي الوحيد الذي يؤطر حياتهن، وقلوبهنَ أيضاً. الجينز والتيشرتات المريحة هي ملابسهن خلال أيام العمل، يلتزمن بارتداء "البساطير" أو الأحذية السميكة لئلا يتعرَضن للإصابة إذا ما سقطت الآلات والأدوات على أقدامهن. يحرمن من جهة من ارتداء الحجاب أثناء عملهن لئلا يخاف المستوطنون فيعتبرونهن "عربياتٌ مخرِبات"، ويواجهن من جهة أخرى انتقادات المجتمع الفلسطيني لهن على المستوى السياسي والاجتماعي.

لا تزيد نسبة العاملات الفلسطينيات في المستوطنات عن %0.7 حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ولعلَّ نسبتهن المنخفضة هذه هي التي تقف وراء وضعهن على قائمة القضايا المهمَّشة، أو ربما العالقة التي لن تجد خلاصها إلا بالذوبان في المجتمع، فلا تُذكر ولا تُثار إلا في حديثٍ عرضي أو في سجالٍ من السجالات التي تُنسى فور انتهائها. النقابة العمالية في فلسطين تقول إن توفير فرص عمل لهن ليس من مسؤوليتها، والحكومة الفلسطينية لا حول لها ولا قوّة. الجميع يرقب مشاكلهنَ الشائكة منها والبسيطة بعين المُطَلِع.

يربط المجتمع الفلسطيني عمل المرأة في المستوطنات بانعدام جذورها "عدم امتلاكها عائلة" أو بحاجتها إلى المال، أو بالتفكك الأسري.

المستوطنة بوصفها الباب الوحيد

تعمل نداء (اسم مستعار، 32 عاماً) في مستوطنة بركان قضاء مدينة سلفيت في الضفّة الغربية. تذهب إلى عملها في سيارة خاصّة مع أربع شبان، تقول لرصيف22: "الطريق إلى المصنع بعيدة، ومليئة بالمخاطر والحواجز الأمنية والطرق الترابية والالتفافية، أذهب مع شبّانٍ من مدينتي لنتقاسم الأجرة من جهة، ولئلا أكون وحدي من جهةٍ أخرى. انفصلتُ عن زوجي ولديَ ابنتان تعيشان معه. أنا مضطرةٌ إلى هذا العمل لتوفير قوتهن، فراتبه بالكاد يكفيه هو وزوجته الجديدة. أنا مدخِّنة، أدخِّن علبتي سجائر في اليوم وأحتاج مصروفاً. أعيش مع أمي وأبي وشقيقاتي، أبي تعهَّد ألا يصرف شيقلاً واحداً على سجائري لأنها ستقتلني. لكنني أقتل نفسي كلَّ يوم في هذه المهنة".

أمّا لينا (41 عاماً) فتقول لرصيف22: "لديَ عائلة لأعيلها، هذه المهنة وإن كانت قاسيةً فهي ملاذي الوحيد. ليس لديَ اختلاط كبير بالأشخاص في محيط بيتنا، أنا لستُ من هذه القرية، ولكنَ انفصالي عن زوجي أجبرني على المجيء إليها؛ لقربها من المصنع ووجود بيوت للإيجار بأسعار مناسبة. حين علمت الشؤون الاجتماعية بأنني أحصل على مرتب شهري قطعت المعونات عني. أنا لا أبالي بهذه التفاصيل، ما يهمّني هو التأمين الصحي لأولادي. إذا كنا نحن عاجزين عن مساندةِ بعضنا كأبناء شعبٍ واحد، كيف سننتظر من الاحتلال الإسرائيلي وهو العدوّ لنا إنصافنا؟"، وتؤكّد بأنَ معاناة المرأة العاملة في أماكن كهذه لا تقتصر على ضياع حفنةٍ من النور أو الساعات، بل ضياع كرامةٍ إنسانيةٍ برمّتها، وتغييبٌ قسريٌ لها.

ليست صبغة الشعر ولا المكياج ما يحدِّد أنوثة هؤلاء النساء، وحدها قدرتهن على تحمّل مسؤولية أطفالهن، وتوفيرهن للخبز مع بداية كلّ شهر ما يحدِّد هذه الأنوثة، وإن كان يقصيها من عالم الموضة والأزياء والفساتين. فالأنوثة ليست حكراً على اليدين الرقيقتين والبشرة الصافية الخالية من التجاعيد. هؤلاء النسوة يحتملن الكثير والقليل في سبيلِ جعل حيواتهن ممكنة. وما جعل نداء، أو غيرها من النساء، تلجأ إلى المصنع ليس إحساسها بالأمان، ولا السعادة، ولا توافر المال تحت وسادتها كلَّ ليلة. ما جعلها تذهب إلى هناك هو افتقارها لكلّ ما سلف. رغم حصولها على شهادة الثانوية العامة إلا أنَها لم تُكمل تعليمها الجامعي بعد. في العصر الحديث السائل المليء بالخيارات، لم تجد أمامها إلا هذا الخيار. وإن كانت على علمٍ مسبقٍ بالعواقب.

تذهب العاملات الفلسطينيات في المستوطنات الإسرائيلية (ونسبتهن  0.7%) إلى عملهن بحلول الفجر. هذا الزَحف اليومي إلى المستوطَنة يستهلكهن روحياً، لكنَ حاجتهن إلى العمل أجبرتهن على مغادرة أسرَتهن قبل شروق الشمس والرجوع بعد مغيبِها

"الوقت رفاهية لم أعد أمتلكها"

ولعلّ أبرز ملامح معاناة هؤلاء النساء في عملهن في هذه المصانع هي ظروف وشروط العمل القاهرة، والتي لا قانون ولا قرابة بإمكانها أن تحميهن منها. تسمّي نداء عملها في المستوطنات بالمهنة، وإن كانت خاليةً من العقود والتأمين الصحي والإجازات المرضية.

تعمل خمسة أيامٍ في الأسبوع براتبٍ لا يزيد عن 1000 دولار. لكنه مبلغٌ تناله بعد أن تذوق الأمرَين من حواجز التفتيش التي تتوقف عندها كلّ صباح، والطرق الترابية الوعرة التي تقطعها أحياناً سيراً على الأقدام، حين تعجز عن تأمين مواصلات عودتها.

تنتظر لساعاتٍ تحتَ الأضواء البرتقالية مجيء عائلتها لأخذها. "أعمل 10 ساعات في اليوم. أحصل على استراحتين؛ الأولى لمدّة 20 دقيقة تبدأ من التاسعة والنصف صباحاً، والثانية في تمام الساعة الثانية عشر بعد الظهر. 12 ساعة بالتمام والكمال إذا ما أضفنا إليها طريق الذهاب والإياب. أصل بيتي وأتناول طعامي ثمَّ أنام. أحيانًا لا يكون لدي ما يكفي من الوقت لأستحمّ"، تقول نداء في حديث لرصيف22، مضيفةً: "تختلف أسباب حبّ الناس للصيف، لكنني أحبّه لأنه يمنحني ساعة إضافية من الضوء، حين أعود من عملي تكون الشمس على وشك المغيب. أما في الشتاء، فأشعر بأنني أطرق بابنا في منتصف اللَّيل".

لا وجود لتفاصيل أخرى في حياة المرأة العاملة في المستوطنات سوى العمل. تعترفُ نداء: "المواصلات هي أعلى درجات الأمان بالنسبة لي كامرأة. إذا وقفتُ على الشارع الرئيسي أو سرتُ من الطريق الترابية أحس بالخوف. نادراً ما يتركنا المستوطنون وشأننا، خاصة إذا كانت المرأة عربية، فيتبعونها بوابلٍ من الشتائم الساخرة والمنحرفة. أنا لم أعد أرتدي حجابي لا في المصنع ولا في أي مكانٍ آخر، ولا داعي لذكر أماكن أخرى، لأن الطريق من المصنع إلى البيت هي المكان الوحيد الذي يراني فيه الناس. الوقت رفاهية لم أعد أمتلكها".

تصفُ نداء طبيعة عملها في المصنع قائلة: "أعمل على آلة التغليف، والعمل على هذه الآلة يتطلب ساعات طويلة من الوقوف. لديَ مسمار عظم في قدمي، قلّما أُشفى من هذه المسامير. الاستراحة تكون لنصف ساعة، يمكنني التدخين وشرب القهوة خلالها. أما المراحيض هناك فهي قصّة طويلة؛ فهي بعيدة عن مكان عملنا وأحتاج كسيدةٍ إلى ترتيباتٍ كثيرة لأدخلها: فهي كريهة الرائحة وشديدة القذارة ولا وجود للمياه أو الورق فيها، كما أنها ليست مراحيض إفرنجية، ولا حتى عربية، شكلها غير معروف. لدرجة أنني أحاول تجنب شرب السوائل قدر الإمكان كي لا أرى هذا المنظر. ومع ذلك نحن سيدات، تعرفين، وقد تضيق بنا فنضطر إلى الذهاب إليها. أعترف بأنها أسوأ فقرة خلال يوم عملي، أسوأ حتى من الوقوف في طابور التفتيش".

وعن دخولها إلى المصنع تقول: "أقف في الطابور مع شبّانٍ آخرين، نضع كلّ الأشياء المعدنية في صندوق ونمر عبر بوابة إلكترونية. هذا روتين يومي اعتدته، أستغرب استغراب الناس له حين أحكي لهم عن طبيعة عملي، ألا نقف في هذا الطابور حين نذهب إلى القدس أو غيرها من المدن المحتلّة؟ يقولون أن طابوراً يختلف عن طابور آخر".

نظرات المجتمع وأيادي المسؤولين المرفوعة

رغم عجزِ الحكومةِ الفلسطينية عن توفير فرص عملٍ أو مصدر دخلٍ ثابتٍ للنسوة العاملات في المستوطنات، إلا أنَ نظرة المجتمع إليهن لم تتغيَر، ولا يزال الشبّان يسخرون ويُطلقون ألقاباً وشتائم عدّة على هؤلاء النسوة؛ لاعتباراتٍ "أخلاقية".

فهم يرون أنَ العمل في الداخل المحتلّ ومصانع المستوطنات من مهمّات الرجال، لا الفتيات أو السيدات. السيدة مكانها البيت أو وظيفة محترمة. يقول ماهر (اسم مستعار، 47 عاماً): " أنا أرفض تماماً عمل السيدة سواء في وظيفةٍ أو في المستوطنات. ولا أفهم كيف تسمح عائلة لابنتها بالعمل عند الإسرائيليين، ليس بدعوى التطبيع، فالتاجر الذي يوفِّر منتجات إسرائيلية في متجره مطبّعٌ أيضاً، بل لأسبابٍ أخلاقية. نحن نرفض الاختلاط الغريب والمقلق مع شعبٍ لا أمان منه ولا معه".

يربط المجتمع الفلسطيني عمل المرأة في المستوطنات بانعدام جذورها "عدم امتلاكها عائلة" أو بحاجتها إلى المال، أو بالتفكك الأسري؛ فلا يوجد أحدٌ من أقربائها يمنعها من ممارسة هذا العمل، أو يوفِّر لها مالاً يكفيها هي ومن تعيلهم. فهذا الحكم الصارم والقوانين التي تسنها العشائر والمجتمعات في بيئة فلسطين المحافظة، تحدّ من قدرة المرأة العاملة هناك على ممارسة حياتها بشكلٍ طبيعي.

أمّا لينا، فترى أنَ المضايقات التي تتعرَض لها من قبل العرب أكثر بكثير من تلك التي تجابهها من قبل المستوطنين واليهود، فتقول: "أدفع 700 شيقل إيجاراً للبيت الذي أسكنه وأولادي، لديَ بنتٌ وولدين، واحدٌ منهم يعيش مع والده خارج فلسطين. أعمل في مصنع داخل مستوطنة بركان، مصنع جديد غير الذي عملت فيه من قبل، كلّ شيء مرتب ونظيف، يحرصون على تشغيل التكييف البارد حفاظاً على الآلات التي نعمل عليها، وهي آلات تختص بتغليف المنتجات العالمية والماركات".

وتتابع: لا يُسمح لنا بإدخال الطعام والشراب إلى القسم، ولكننا نمرِر زجاجة ماء من تحت الطاولة أحياناً. المراحيض نظيفة ومعقمة وفيها جميع المستلزمات. العمل ذاته مرهق لأنه يتوجب علي الوقوف طوال الوقت".

وعن المضايقات التي تتعرض لها تقول: "قسمي مليء بالرجال، عدد النساء المتواجدات في هذا المصنع لا يتجاوز الخمسة. المضايقات لا تنتهي، أحياناً النظرة وحدها تكون مضايَقة. طبعاً السخرية والنكات لا تفارقهم، يحرصون دائماً على الإيحاءات المبطَّنة. اعتدتُ الأمر، حتى أنني لم أعد ألحظ وجودهم، أضع السماعات في أذني وأعمل على آلاتي، بصمت وهدوء".

يُطرح السؤال حول سبب عدم إدراج قضية النساء العاملات في المستوطنات ضمن أولويات عمل الجمعيات النسوية الفلسطينية، أيضاً، في سبيل يتحقّق حق هؤلاء النساء في أن يحلمن، أن يمارسن حياتهن بطريقةٍ صحية نفسياً وجسدياً؟

تتماهى لينا مع الآلة أحياناً، لكنَها لا تسنى أبداً أنَها لن تكون مثلها، فهي بهذا القلب (الشيء الوحيد الذي يُشعرها بإنسانيتها، حسب تعبيرها) ستقاوم من أجل عائلتها، أو ما تبقى منها.

يقول إبراهيم دراغمة، مسؤول النقابة العمالية في فلسطين، لرصيف22: "إن توفير فرص العمل ليست من مسؤوليتنا. هذه مسؤولية الحكومة ونحن نعلم أنَ الأوضاع الراهنة لا تسمح، ولن تسمح أبداً في توفيرها. مشكلة النساء العاملات في المستوطنات لا حلَّ لها، هذا صعبٌ جداً. أما بالنسبة لدورِنا فنحن نقدِّم لهن التوعية والإرشاد، نطلعهن على حقوقهن القانونية والإنسانية".

يُطرح السؤال حول سبب عدم إدراج قضية النساء العاملات في المستوطنات ضمن أولويات عمل الجمعيات النسوية الفلسطينية، أيضاً، في سبيل يتحقّق حق هؤلاء النساء في أن يحلمن، أن يمارسن حياتهن بطريقةٍ صحية نفسياً وجسدياً؟

كلَّما اشرقت الشمس، كلما سرتُ في الطريق، كلما اشتريتُ علبة سجائر أو جلستُ على مقعدٍ خشبيٍ في حديقةٍ عامّة، تذكّرت المرأة العاملة في المصنع، تلك التي لن تملك وقتاً أبداً لتشتري لنفسها ملابس أنيقة، أو تذهب إلى صالونات التجميل لصبغ شعرها وطلاء أظافرها. تلك التي لن تشهدَ الفصول الأربعة بعينين كاملتين، بل تختزله بارتداء جاكيت أو الاكتفاء بكنزةٍ واحدة. 5000 عاملة في المستوطنات وداخل الخط الأخضر حُكم عليهن بالشقاء إلى وقتٍ غير معلوم. سيقفن دائماً في طابور التفتيش، وطابور انتظار الفرص على أمل أن ينصفهن القدر، فيحصلن على فرصة ولو ضئيلة لتغيير واقعهن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard