إمبراطور إثيوبيا هايلي سيلاسي... "المسيح الأسود" الذي انتظر أفارقة كُثر أن يحررهم

الثلاثاء 10 نوفمبر 202011:18 ص

ربما يعتقد البعض أن العلاقة بين الحبشة وشبه الجزيرة العربية بدأت بأمر النبي محمد، عام 614م، أصحابه الأوائل بالهجرة إليها، باعتبار أن فيها "ملكاً لا يُظلَم عنده أحد"، إلا أن الأمر أقدم من ذلك بكثير، إلى حد أن اليمن والحبشة تبدوان تاريخياً كبلد واحد.

فالحضارة الحبشية القديمة كما الحضارة اليمنية المجاورة لها مدوَّنة بخط المسند السبئي، وكان حكام البلدين، خاصة الأحباش، يسجّلون انتصاراتهم في الحروب بنقشها على حجارة أو مسلات، معرّفين عن أنفسهم بأنهم ملوك الحبشة واليمن.

وورد في أثر ملك أكسوم (إثيوبيا حالياً) "عيزانا"، المنقوش على حجر بتاريخ 350م، ما يلي: "أنا عيزانا بن إيلي أميدا بسخالينا، ملك أكسوم وحمير وريدان وسبأ وصالحين، وحاكم سيامو والبجا وكاسو، نجاشي النجوش، الملك غير المهزوم أمام الأعداء".

كما ورد في نقش ملك اليمن أبرها الأشرم الحبشي في منطقة مريغان جنوب السعودية عام 552م التالي: "بقوة الرحمن ومسيحه، الملك، نحن أبرها زيبمان، ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت، وقبائلهم (في) الجبال والسواحل".

علاقة خاصة بالعرب

تعتقد كثير من القوميات الإثيوبية الحالية أن جذورها تعود إلى اليمن وجنوب السعودية، خاصة قوميتي التيغراي والأمهرا، ومن الأخيرة تحدّر إمبراطور الحبشة الأشهر هايلي سيلاسي (1892-1975) الذي وُلد في مدينة هرر، إحدى أهم مدن ما كان يُعرف سابقاً بإمارات الطراز الإسلامي، والتي تأسست في القرن السابع الميلادي مع بداية ظهور الإسلام على أيدي العرب واعتناق أهلها الإسلام في وقت مبكر.

رغم نشأته في بيئة إسلامية خالصة، إلا أن هايلي سيلاسي واسمه الحقيقي "تافاري مكونن" ظل وفياً لمسيحيته ونسبه اليهودي الذي قال إنه يعود إلى النبي سليمان وملكة سبأ الحبشية (ماكدا/ ماجدة)، التي تُسمّى عربياً بـ"بلقيس" وتُنسب إلى اليمن، مستشهداً بالرواية الحبشية الواردة في كتاب "كُبرانِجِستْ"، أي "مجد الملوك"، وهو كتاب يتضمّن نصوصاً ملحمية قديمة عن ملوك الأحباش.

إذاً، نشأ تافاري مكونن، المسيحي ذو الأصول اليمنية القديمة، من قبيلة "مهرة حبشت" الحضرمية، في بيئة عربية إسلامية، متشبّعاً بعبق الروحانيات وبأساطير سلالته السليمانية النبيلة ومذهبه الأرثوذكسي التوحيدي، وكان شديد التديّن ما قرّبه إلى القساوسة الذين كانوا يلعبون دوراً بارزاً ومحورياً في تنصيب وخلع الملوك والأباطرة الأحباش، فضلاً عن أنه تلقى تعليماً نوعياً في مدارس فرنسية خاصة بأبناء الطبقات الأرستقراطية فنال من الحضارة الغربية حظاً معتبراً.

لاحقاً، وفي عام 1916، استطاع الرجل الحصول على لقب "راس" أي رأس، وهي كلمة أمهرية تقابل كلمة "نبيل" العربية أو (دوق ولورد اللاتينيتين)، فأصبح الراس تافاري مكونن. وبالتواطؤ مع الكنيسة، تمكّن عام 1930 من اعتلاء عرش إثيوبيا، فأصبح إمبراطوراً متوَّجاً بلقب ديني مؤثر وشديد النفاذ، وهو "هايلي سيلاسي"، ومعناه العربي "قوة الثالوث"، أي قوة الرب، فغلب لقبه اسمه الحقيقي وسطا عليه.

سبط يهوذا من نسل سليمان

لم يكن الطريق ممهداً أمام الإمبراطور الشاب، لكنه استطاع بناء هالة حول نفسه، تارة عبر الدهاء والمكر وتارة أخرى عبر الأسطرة، إذ ظل يسوّق نفسه كحاكم بأمر الرب (بقوة الثالوث) وكشخص متحدّر من نسل شريف.

كذلك، أضفى على ذاته الإمبراطورية المهولة ألقاباً أخرى، منها "ملك الملوك"، "الأسد القاهر من سبط يهوذا"، "المختار من الله"، وكان يربّي الأسود ويطعمها بيديه.

ومن أجل مزيد من التكريس لهذه الصورة الذهنية، عمد إلى تضمينها في دستور البلاد، بعد عام واحد فقط من توليه العرش، فنصت المادة الثالثة على أن يكون الحكم في إثيوبيا حصرياً لأسرة الإمبراطور هايلي سيلاسي، وتم تأكيد ذلك مرةً أخرى في دستور 1955 المعدّل، إذ تقول مادته الثالثة أيضاً: "يظل العرش موروثاً خاصاً وبصفة دائمة في نسل هايلي سيلاسي الذي يتحدّر دون توقف من نسل عائلة ملك إثيوبيا العظيم ‘منيلك الأول’ ابن ملكة سبأ من سليمان ملك بيت المقدس".

تمكّن عام 1930 من اعتلاء عرش إثيوبيا، فأصبح إمبراطوراً متوَّجاً بلقب ديني مؤثر، وهو "هايلي سيلاسي"، ومعناه العربي "قوة الثالوث"، ثم أضفى على ذاته الإمبراطورية ألقاباً أخرى منها "ملك الملوك"، "الأسد القاهر من سبط يهوذا"، "المختار من الله"

رغم أن هايلي سيلاسي عمد إلى إقرار إصلاحات شكلية في التعليم والقانون والتنظيم السايسي، إلا أنه واجه معارضة شرسة من الحداثيين والطبقات المتعلمة، ولم يسلم من معارضة المحافظين القساوسة والإقطاعيين والنبلاء من قومية الأمهرا التي ينتسب إليها.

أسس "الإمبراطور" المدارس على الطراز الغربي وأطلق كلية أديس أبابا الجامعية وضم إريتريا، المستعمرة الإيطالية السابقة، إلى إمبراطوريته، طمعاً في موانئها الواقعة على البحر الأحمر، فكانت كل هذه الإنجازات، بحسابات ذلك الزمان، مضافاً إليها سيرته الشخصية المؤسطرة بإحكام وإتقان، كفيلة بجعله مُهاب الجانب والجناب، خاصة وأن بلده كان الدولة الإفريقية الوحيدة التي لم يتمكن الاستعمار الغربي إلا من احتلال أجزاء قليلة منها، ولخمس سنوات فقط.

كل هذه الأمور جعلت نفوذ هايلي سيلاسي يتجاوز حدود بلاده إلى عموم إفريقيا بل وإلى بعض دول أمريكا الوسطى والكاريبي ذات الأغلبية السكانية من أصول إفريقية.

وساهم المفكر الجامايكي ماركوس غارفي (1887-1940)، وهو أحد أبرز وأهم رواد حركة القوميين السود في القرن العشرين، في الترويج للإمبراطور الحبشي، ولو بشكل غير مقصود، عندما أطلق عام 1920 نبوءة راجت وسط مريديه، مفادها بأن خلاصهم من العبودية سيكون على يد ملك إفريقي أسود.

رغم اغتيال إمبراطور إثيوبيا هايلي سيلاسي عام 1975، إلا أن جلّ الراستفاريين يؤمنون حتى اليوم بأن الحفيد الـ125 للنبي سليمان وملكة سبأ لم يمت، وأن روحه ما تزال حية ترفرف في سماء الرب، وستعود إلى جسدة يوماً ما، آخر الزمان، ليجعل العالم مليئاً بالسلام والمحبة

بعد عشرة أعوام من تلك النبوءة، جاءت الأقدار بتفاري مكونن ملكاً على إثيوبيا، فهلل له العمال والمزارعون الجامايكيون السود. وترسخت هذه الأسطورة أكثر إثر تأويل رجل دين مسيحي أسود، اسمه ليونارد هويل، لنبوءة إنجيلية تتحدث عن ظهور ما يُعرف بـ"المسيح الأسود"، في إشارة إلى إمبراطور إثيوبيا الجديد، كونه الحاكم الإفريقي الوحيد في ذلك الوقت، إذ كانت القارة كلها ترزح تحت الاستعمار.

في ما بعد، أصبح كل من غارفي والقس هويل المروجان الرئيسيان لما صار يُعرف لاحقاً بالديانة "الراستفارية" المشتقة من اسم الإمبراطور (الرأس تافري) الملقب بهايلي سيلاسي.

أصبح إمبراطور إثيوبيا وفقاً لذلك "المسيح الأسود" وصارت إثيوبيا أرض الميعاد لكثيرين من الإفريقيين الذين أُخذوا كعبيد إلى أمريكا وأوروبا، وبين كثيرين من الأوروبيين والأمريكيين غير الأفارقة ممن كانوا يؤمنون بما روّج له الرحالة الإيطالي مارك بولو (1254-1324) من أن إثيوبيا هي أرض الملك المسيحي الصالح برستر جون Prester John.

الراستفارية وبوب مارلي

لم يدّخر هايلي سيلاسي جهداً إلا استغله للترويج لنفسه كمخلّص لإفريقيا والسود من معاناتهم. عندما زار جامايكا، عام 1966، التحم بالجماهير الهادرة التي خرجت لاستقباله، ودعاها للعودة إلى إفريقيا الأم، واقتطع للراغبين في العودة أرضاً شاسعة شديدة الخصوبة في منطقة شاشمني، الواقعة على بعد 250 كيلومتراً، جنوب العاصمة أديس أبابا.

وبالفعل، وصلت مجموعة تتألّف من 300 شخص إلى إثيوبيا، عام 1969، ومنذ ذلك الحين وحتى الآن تضاعفت أعدادهم، خاصة بعد انضمام مغني الريغي الشهير بوب مارلي إلى الديانة الراستفارية عام 1966 عن طريق زوجته ريتا التي خصّها بأجمل أغانيه مثل No more trouble no more pain التي اقتبس كلماتها من خطاب هايلي سيلاسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1963.

كما غنى مارلي أغنية Zion train is coming our way، وهي على عكس ما قد يُفهم منها عربياً بأنها تمجد الصهيونية، لا تعني ذلك، بل إن عبارة "قطار الصهيونية" يُقصد بها الأسرة السليمانية أي سلالة "هايلي سيلاسي" المتحدّر من صلب النبي سليمان ملك القدس، بحسب المثيولوجيا الإثيوبية "كُبرانِجِستْ".

ويؤمن الراستفاريون بجميع الأديان والأنبياء، فهم يغنّون للنبي محمد وللمسيح وللنبيين موسى وإبراهيم ولبوذا، وغيرهم، دون أن يتركوا دياناتهم الأصلية، ويتّخذون من ألوان العلم الإثيوبي، الأحمر والأخضر والذهبي، مطعَّمة بصورة لأسد يهوذا، إضافة إلى اللون الأسود، رموزاً لهم. فالأحمر هو لون الدم والشهداء، والذهبي يرمز إلى الثروة الإفريقية، والأخضر للأرض والطبيعة، والأسود للأم إفريقيا، أما أسد يهوذا فيشير إلى الأسرة السليمانية التي يعتقدون بانتماء هايلي سيلاسي إليها.

حياة مذهلة وموت مفجع

رغم اغتيال هايلي سيلاسي عام 1975 على يد ضباط انقلابيين ماركسيين بزعامة منغستو هايلي ماريام، ودفنه أسفل أحد مراحيض القصر الملكي، إذ لم يتم اكتشاف رفاته إلا بعد إطاحة نظام منغستو عام 1992، إلا أن جلّ الراستفاريين يؤمنون حتى اليوم بأن الحفيد الـ125 للنبي سليمان وملكة سبأ لم يمت، وأن روحه ما تزال حية ترفرف في سماء الرب، وستعود إلى جسدة يوماً ما، آخر الزمان، ليجعل العالم مليئاً بالسلام والمحبة والطمأنينة.

حينها، بحسب معتقداتهم، سيغنّي العالم كله لحناً واحداً، ويرقص على إيقاعات الريغي، وابتهالات الأنبياء والصالحين من كل الأديان، حين يتجمعون في "شاشمني"، جنة الراستفارية، ولن يُعذَّب أحد، بل سيغفر الله للجميع، لأنه كريم متسامح وغفور رحيم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard