"اللاسامية الجديدة": جندي إضافي لإسكات الصوت الفلسطيني في الفضاء الرقمي

الخميس 5 نوفمبر 202004:16 م

أقام الائتلاف الأهلي للحقوق الرقمية الفلسطينية مساء الأربعاء، الرابع من تشرين ثاني/ نوفمبر 2020، حوارية تحت عنوان "حملة إعادة تعريف اللاسامية وتأثيرها على حرية الفلسطينيين في التعبير عن الرأي". وقد شاركت فيها كلّ من مها عبد الله من مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ومروى فطافطة مديرة السياسات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة أكسس ناو والمحامية سهير أسعد منسقة المرافعة الدولية في مركز عدالة في حيفا، وأدارت الجلسة منى شتية من مركز حملة- المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي.

جاءت هذه الحوارية في ظلّ الضغط المتواصل الذي تمارسه مجموعة مؤسّسات صهيونية على شركة فيسبوك لتبني التعريف الجديد لمصطلح اللاسامية، والذي طُرح في السنوات الأخيرة من قبل التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، بحيث يشمل أي نقد سياسي لإسرائيل وحكومتها ووصفه كفعل معادٍ للسامية. ومهما حاول الفلسطينيون، مؤسّسات وأفراد، إجراء تمايز بين اللاسامية ومعاداة الصهيونية، تصرّ الأخيرة على أن تلوي المصطلحات لصالحها وتضمن تسكيت وتجريم أي أصوات معارضة لسياسة الاحتلال الإسرائيلي، لا على مستواها المحلي بل على مستوى العالم أيضاً.

ما الذي استجدّ في تعريف اللاسامية

تقول المحامية سهير أسعد عن اللاسامية الجديدة: "اللاسامية ليست مصطلحاً جديداً. فقد مرّ بتطوّرات وتحوّلات كثيرة، آخرها إعادة تعريفه عام 2005 بعد ضغوطات مارستها إسرائيل ومنظّمات صهيونية وأكاديميين إسرائيليين على التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست IHRA من أجل تبنيه. جاءت هذه الضغوطات بعد انتقادات من المجتمع العالمي واجهتها إسرائيل بسبب قمعها الوحشي للفلسطينيين خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لحقها حدوث اعتداءات على يهود في أوروبا".

إذن نحن نتحدّث عن لاسامية جديدة وليس عن تعريف جديد. الفرق الذي أحدثته جهود الحركة الصهيونية هو "ربط معاداة الصهيونية باللاسامية وانحراف السؤال من سؤال العنصرية ضد اليهود كأفراد أو جماعة إلى سؤال الدفاع عن إسرائيل ككيان، حتّى وإن جاء هذا الدفاع على حساب اليهود أنفسهم. حتّى أن أكاديميين يهود وباحثين في قضية المحرقة قالوا إنّ هذا التعريف يضع مصالح إسرائيل في المركز لتحلّ محل حماية اليهود".

التعريف، الذي صيغ عام 2005 من قبل المركز الأوروبي لرصد العنصرية ورهاب الأجانب وتبناه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست عام 2016، تبنّته دول كثيرة هي جزء من هذا التحالف وأدرجته في منظوماتها السياسية والقانونية. "التعريف غير ملزم قانونياَ، وهو تعريف عملي وقيد البناء كما يدّعي من صاغه. وعلى الرغم من هذه الحقيقة إلا إنه أحدث أثراً على أرض الواقع فيما يتعلّق بحريات التعبير سيما لمجموعات مناصرة للقضية الفلسطينية"، تقول سهير في حديثها عن نصّ التعريف، وتشير إلى أنّ الجزء الأوّل منه فضفاض جداً وعام، ما يسهّل عملية استخدامه لأغراض سياسية. وفي جزئه الثاني يورد أمثلةً على ما يعرّف باللاسامية واضعاً إسرائيل في مركزها. "نحن أمام محاولات جادّة لتحويل اللاسامية إلى وسيلة لحماية إسرائيل"، تقول.

جاءت هذه الحوارية في ظلّ الضغط المتواصل الذي تمارسه مؤسّسات صهيونية على فيسبوك لتبني التعريف الجديد لمصطلح اللاسامية، والذي طُرح مؤخراً، بحيث يشمل أي نقد سياسي لإسرائيل وحكومتها ووصفه كفعل معادٍ للسامية

الفضاء الرقمي: جبهة عمل إسرائيلية

لا شكّ أنّ تعريف اللاسامية ينعكس بدوره على الفضاء الرقمي، فقد فهمت إسرائيل مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على البشر والرّأي العام، ما جعل من الأخيرة جبهةً للعمل. لكن إسرائيل ليس استثناءً. تقول مروى فطافطة: "لا يمكن فصل جهود إسرائيل عن السياق الدولي الذي تقوم فيها الحكومات، الديكتاتورية والديمقراطية أيضاً، استغلال مصطلحات وتشريعات وقوانين فضفاضة تحت شعار محاربة الإرهاب وخطاب الكراهية والضغط على منصات التواصل الاجتماعي من أجل حذف المحتوى وتقييد الحريات".

اتساقًا مع هذا المنهج، نلحظ سياسات إسرائيل في السنوات الأخيرة المتمثّلة بحملات الاعتقالات واستخدام خوارزميات تحت ادّعاء محاربة الإرهاب الحدّ من التحريض على العنف أو محاولة الضغط على منصّات التواصل. تشير مروى إلى أنّ "هذا الضغط يتجسّد من خلال وحدة السايبر التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية التي تعمل من خلال جيوشها على إرسال رسائل تهدف إلى حذف المحتوى الفلسطيني".

أما المحاولة الإسرائيلية الأخيرة، تقول مروى: "أرسل ائتلاف من المؤسسات الصهيونية برسالة مفتوحة إلى شركة فيسبوك في شهر آب/ أغسطس الماضي، بهدف حثّها على تبني هذا مصطلح اللاسامية الجديد على اعتبار أنّه مصطلح حيادي وعملي من أجل الحدّ من انتشار اللاسامية على مواقع التواصل الاجتماعي". المشكلة بحسب ما تقوله مروى هو أنّ هذه الشركات، كشركات ربحية، تحرّض على المحتوى الذي يثير البلبلة وينتشر بسرعة كخطاب الكراهية كونه محتوى ربحي".

"لا تحتاج إسرائيل كثيراً إلى تطبيق هذا التعريف في فلسطين، فلديها أدواتها القامعة الكافية للحدّ من حرية التعبير والرأي".

استدراج العالم إلى جيبة الصهيونية

على الرّغم من أنّ التعريف الجديد واستخدامه من قبل الحركة الصهيونية قد يبدو موجّهاً ضدّ الفلسطينيين، إلا أنّه يؤثّر على الساحة الإقليمية والأوروبية وعلى قدرة المجتمع الدولي، بمؤسساته ونشطائه، على الدفاع عن القضية الفلسطينية ومناصرتها.

تقول مها عبد الله: "إنّ إعادة التعريف الذي تبنّاه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست يوظّف لتحقيق مكاسب سياسية وإسكات المعارضين لإسرائيل في كلّ مكان. وفي ذلك مسعى لمحو الرواية الفلسطينية وحقّ التعبير والرأي الفلسطيني".

وعن قوّة التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، الذي عمل على إعادة إحياء التعريف، "فهو هيئة دولية حكومية تضمّ أعضاء من 35 دولة، وهذا يدل على مدى التأثير الذي يملكه على صنّاع القرار والسياسيين حول العالم خاصّة في أوروبا وأمريكا وكندا.

وعلى الرّغم من أنّ التعريف غير ملزم قانونياً لكن نرى مثلا كيف أن الكثير من الجامعات تبنته وتستخدمه سياسياً من أجل تعتيم الخطاب، في الوقت الذي نحن فيه بأمسّ الحاجة لفضح إسرائيل ومحاسبتها". إن هذا الاستخدام المضلّل يقوم، بحسب ما تقول مها، بالرجوع إلى نص التعريف وإلى الأمثلة الواردة فيه كمرجع في محاكم مرفوعة ضد نشطاء فلسطينيين وأجانب في أوروبا وأمريكا. "وهكذا تجد هذه الجهات ذرائع لإلغاء الكثير من النشاطات والمؤتمرات في الجامعات الدولية والمدن حول العالم"، تقول.

ثمّة نحو 25 دولة حتّى الآن قامت حكوماتها بتبني ودعم تعريف اللاسامية الجديد مثل بريطانيا والنمسا وألمانيا وبلغاريا والسويد والأرجنتين واليونان وغيرها. نلحظ أنّ معظمها أوروبية، ففي حزيران/ يونيو 2017 صوّت البرلمان الأوروبي على تبني قرار يدعو الدول الأعضاء ومؤسساتها إلى تبني وتطبيق التعريف.

وعلى صعيد الأمم المتحدة، كذلك، فقد قام المقرر الخاص المعني بمكافحة معاداة اللاسامية والعنصرية عام 2019 بتأييد هذا التعريف على منصّة الجمعية العامة للأمم المتحدّة. هكذا أصبح ترهيب الصّوت المناهض لإسرائيل، عالمياً، أمراً رسمياً.

تعطي مها مثالاً حياً حدث في ألمانيا عام 2019، بعد أن تبنى البرلمان الألماني اقتراح يشير إلى التعريف وأعلن البرلمان قراراً بأنّ حملة المقاطعة الـBDS هي حركة معادية للسامية. "قرار كهذا ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، سيما حرية التعبير. علينا أن ننظر إليه على أنّه جزء من ردّ فعل منظّم بقيادة إسرائيل واللوبي الصهيوني لنزع الشرعية عن حملة المقاطعة وتشويه سمعتها بعد أن حقّقت إنجازات كثيرة".

وللمفارقة، تقول مها، فإنّ حملة المقاطعة محمية في إطار الحقوق في حرية التعبير والرأي من قبل الحكومة الألمانية والحكومات الأوروبية الأخرى. وفي النتيجة، منعت الكثير من الفعاليات المرتبطة بالقضية الفلسطينية في ألمانيا وتمّ إغلاق حسابات بنكية للعديد من المؤسّسات مثل Jewish voice for peace، مقلّصاً مساحة العمل والتفاعل ومُسكتاً للصوت المعارض.

هل من قانون دولي يضبط فيسبوك؟

إن نظرنا إلى القضية من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان، سنجد عدد من الإشكاليات؛ فالحقّ في التعبير هو مكفول قانونياً والتقييدات المفروضة عليه ينبغي أن تمرّ بمعايير وضوابط دقيقة مسؤولة عنها الدولة"، تقول مروى مشيرة إلى كيفية تشريع الحظر أو التجريم، وتضيف: "أي تقييد أو تجريم لحرية التعبير تحت شعار الحدّ من خطاب الكراهية، والذي يُطلب الآن من فيسبوك أن تدرج تحته مصطلح اللاسامية، يجب أن تخضع لضوابط الشرعية الدولية. وعليه فإن الضغط على فيسبوك هو اختصار لهذا الطريق وتجاهل كامل للقانون الدولي وحقوق الإنسان".

تؤكد مروى على أنّ انقاد الحكومات هو أيضاً مكفول تحت حرية التعبير عن الرأي في القانون الدولي ولا يندرج تحت خطاب الكراهية. وفي حال تبنى فيسبوك هذا المصطلح، برأيها، فسيحدث خصخصة لتطبيق القانون. فحرية التعبير هي من مسؤولية الحكومات وليس من مسؤوليات شركات خاصّة مثل فيسبوك. "يجب ألا نتوقّع من شركات ربحية أن تضع مسألة حقوق الإنسان كأولوية سابقة لأهدافها الربحية"، تقول مروى.

وتتابع: "عندما ندخل كمستخدمين إلى هذه المنصات نرى وضوحاً في معايير وشروط الخدمة؛ تشرح الشروط التي على المستخدم الالتزام بها بما فيها منع أي خطاب عنصري أو تحريض على العنف والكراهية. لكن المشكلة الأساسية هي أنّه ليس هنالك أي شفافية في الكيفية التي يطبّق فيها فيسبوك هذه السياسات. من هي هذه الفئات التي يحميها الفيسبوك من خطاب الكراهية؟ والمشكلة الثانية ليست هنالك أي مساحة عند المستخدم للطعن في قرار المنصّة. وعليه، فنحن سنواجه كارثة حقيقية في مسألة التعبير عن الرأي، سيما فيما يتعلّق بالمحتوى الفلسطيني".

إنّ هذه المعايير التي تعمل بحسبها هذه المنصات تمّت صياغتها بمعزل عن القانون الدولي وعن المجتمع المدني ومستخدمين المنصّات. فهذه شركات بمعظمها أمريكية يحكمها القانون الأمريكي، و90٪ من مستخدميها هم ليسوا أمريكيين أصلاً.

"إنّ إسرائيل، بضغوطها هذه، لا تخرس الرواية الفلسطينية وحسب، بل تعمل أيضاً على عزلنا عن قضايا عادلة عالمية أخرى وتعمل على قمع مناصرتنا لها وتقاطعنا معها"

كيف سيدافع الفلسطينيون عن روايتهم؟

لقد فهم العالم وفهمت الحكومات، خاصّة بعد الانتخابات الأمريكية الماضية، مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي وقدرتها على إحداث تحوّلات سياسية كبيرة. ولا تخفى علينا أيضاً جهوزية الكثير من المجتمعات لمثل هذه التحوّلات، كما تصفها سهير أسعد، المدفوعة بالتحريض على العنصرية ضدّ الأقليات العرقية والدينية وكراهية السود والإسلاموفوبيا وغيرها.

تقول مروى إنّ ثمّة نقاش في أمريكا من أجل الحد من سيطرة هذه المنصات. لكن الأخيرة، وتجنباً لمواجهة أية تداعيات قانونية، فإنّها تلعب الكرت الآمن. فبدل أن تفرض رقابة دقيقة تُدخلها في متاهات مع الحكومات، فهي تعمل على إمحاء أي محتوى "مشكوك به" بشكل كلّي. ولا شكّ أنّ المحتوى الفلسطيني سيكون المتضرّر الأول من هذه السياسة.

"لا تحتاج إسرائيل كثيراً إلى تطبيق هذا التعريف في فلسطين، فلديها أدواتها القامعة الكافية للحدّ من حرية التعبير والرأي"، تقول سهير، فتتبدّى إذن أهمية تطبيقه في دول العالم وفي أوروبا وأمريكا، بحيث تقوم هذه الدول بنفسها بتطبيقه.

في سؤال لرصيف22 حول الجهود الجمعية التي يمكن للفلسطينيين القيام بها من أجل مواجهة هذه الحقبة، تجيب مروى: "المسألة معقّدة وليس هناك صيغة واضحة، لكن من المهم أن نخرج من فرضية أن الفضاء الرقمي محصور في مواقع التواصل الاجتماعي. يجب أن توضع جهود أكبر في الفضاء الرقمي لنشر الرواية الفلسطينية بعيداً عن هذه المنصّات". وتضيف سهير أسعد: "إنّ إسرائيل، بضغوطها هذه، لا تخرس الرواية الفلسطينية وحسب، بل تعمل أيضاً على عزلنا عن قضايا عادلة عالمية أخرى وتعمل على قمع مناصرتنا لها وتقاطعنا معها". جهات ونشطاء فلسطينيون يحاولون إقناع فيسبوك بأنّ تبنّي مصطلح اللاسامية سيحدّ من حرية الفلسطينيين وغير الفلسطينيين في التعبير عن رأيهم. وسيكشف المستقبل القريب عن ثمار هذه الجهود إن نضجت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard