نشأ مواطنوها على الدعاء في الحرمين على اليهود... معوقات أمام تطبيع السعودية مع إسرائيل

الخميس 29 أكتوبر 202009:29 ص

في دولة نشأ مواطنوها على الدعاء في الحرمين الشريفين على اليهود وتحرير المسجد الأقصى، ليس يسيراً أن يُطلب منهم فجأة محو كل فكرة سلبية عن إسرائيل من ذاكرتهم لأن ولي الأمر الذي تجب طاعته بشكل مطلق يريد التطبيع معها.

الأمر يحتاج إلى سياسات كثيرة تمهّد لذلك. وقد يكون عمل الآلة الإعلامية السعودية في الآونة الأخيرة على زرع أفكار سلبية في عقول السعوديين عن الفلسطينيين، خطوة في سياق السعي إلى تهيئة الرأي العام للتطبيع مع إسرائيل.

وأبرز ما في هذا السياق كان ظهور السفير السعودي السابق لدى واشنطن بندر بن سلطان في سلسلة حلقات تلفزيونية، بثتها قناة العربية في تشرين الأول/ أكتوبر، هاجم فيها الفلسطينيين بشكل حاد وحث السعوديين على اتّباع القيادة في ما تقرره.

المؤكد أن في السعودية تيار عريض من رجال الدين الذين يعتبرون أن التطبيع تخلٍّ عن المقدسات الإسلامية في القدس وطعنة للإسلام، وهذا ما يدركه ولي العهد محمد بن سلمان وجعله يصرّح بأن حياته ستكون في خطر إذا قرر التطبيع مع إسرائيل.

مؤشرات مهمة

بعدما أعلنت الإمارات والبحرين تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، بدأت وسائل الإعلام السعودية وبعض أفراد العائلة المالكة في إظهار مواقف داعمة لاتفاقيهما، وهو ما يعكس تحولاً تدريجياً في نهج الرياض تجاه تل أبيب.

وفي تصريح لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، قال سفير الولايات المتحدة السابق في تل أبيب مارتن إنديك إنه يشك في أن ظهور بندر بن سلطان المذكور ينذر بخطوة سعودية وشيكة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ولكنه "مؤشر على أنه سيجري العمل على خلق مناخ داعم لخطوة مماثلة".

الأخبار التي تشير إلى تغيّرات نوعية في علاقة الرياض وتل أبيب كثيرة. في أيلول/ سبتمبر الماضي، وافقت الرياض على فتح المجال الجوي السعودي أمام الرحلات الجوية المنطلقة من إسرائيل والمتوجهة إليها، وهي خطوة اعتبرها مراقبون مؤشراً على اقتراب التطبيع مع الدولة العبرية.

وصرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 23 تشرين الأول/ أكتوبر بأنه متأكد من أن السعودية ستنضم لمسار السلام مع إسرائيل قريباً.

وكان الملك سلمان بن عبد العزيز قد أرسل خطاباً إلى ترامب، بعد توليه منصبه عام 2017، أكد فيه أنه يؤمن بحق إسرائيل في الوجود، وأيضاً بحق الفلسطينيين في أن تكون لهم دولتهم الخاصة.

في ذات العام، أظهر محمد بن سلمان انفتاحاً غير عادي تجاه إسرائيل، خصوصاً في مجالي الأمن والتجارة، وذلك بعدما أعلن عن خطة لبناء مدينة نيوم، قرب إسرائيل، فقد اقترح خلال مناقشات مع مستشاريه ودبلوماسيين أجانب أن يلعب الإسرائيليون دوراً في تطوير هذه المدينة، من خلال استثمارات في التكنولوجيا الحيوية والأمن السيبراني.

تطبيع مشروط

مثلما هنالك مؤشرات على اقتراب التطبيع السعودي مع إسرائيل، هنالك مؤشرات مماثلة على أن الملك سلمان يرفض السلام مع تل أبيب في حين أن نجله ولي العهد يتطلع إلى تحقيقه.

في تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية في 18 أيلول/ سبتمبر، أشارت إلى أن الملك سلمان يرفض التطبيع مع إسرائيل، وهو ما ظهر في تصريحات وزير الخارجية فيصل بن فرحان، والتي أعلن فيها أن المملكة ملتزمة بخيار السلام استناداً إلى المبادرات العربية وقرارات الشرعية الدولية، وبعد تحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

لا يزال الملك السعودي يتمسك بمبادرة السلام العربية. ففي مكالمة هاتفية مع ترامب في السادس من أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلن رغبته في حل القضية الفلسطينية، وأشار إلى المبادرة العربية التي طرحتها السعودية في عام 2002 وتبنّتها جامعة الدول العربية، والتي تعد بعلاقات طبيعية مع إسرائيل بمجرد إقامة دولة فلسطينية. كما عبّر الملك سلمان في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 23 أيلول/ سبتمبر الماضي، عن تمسك دولته بالمبادرة العربية.

في دولة نشأ مواطنوها على الدعاء في الحرمين الشريفين على اليهود وتحرير المسجد الأقصى، ليس يسيراً أن يُطلب منهم فجأة محو كل فكرة سلبية عن إسرائيل من ذاكرتهم لأن ولي الأمر الذي تجب طاعته بشكل مطلق يريد التطبيع معها

يرى الكاتب والمحلل السعودي عادل الحميدان أن المملكة التي أطلقت وعملت مبكراً على وضع مبادرات سلام في المنطقة ليست مستعدة للتنازل عن الحد الأدنى مما طالبت به المبادرة العربية.

ويضيف لرصيف22: "المملكة لها ثقل إسلامي وعربي، ولا أعتقد أنها ستقدّم أي تنازلات في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، بغضّ النظر عن موقف بعض التيارات والمواقف المحسوبة على الفلسطينيين".

ويتابع: "هنالك مبادرة عربية تبنتها الدول العربية تم طرحها ولم يكن هنالك أي تجاوب إسرائيلي معها ولا جدية دولية في دعمها، وما طُرح سابقاً يصلح لأن يُناقَش في الوقت الراهن إذا كانت إسرائيل جادة في إحلال السلام، وإذا كانت أمريكا قادرة من جديد على أداء دور أكثر إيجابية في هذا الشأن".

ماذا لو جرى التطبيع؟

في تقرير نشرته الباحثة في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي ياسمين فاروق، رأت أن التطبيع السعودي مع إسرائيل لن يعزز السلام أو الاستقرار في الشرق الأوسط مثلما يروّج مؤيدو التطبيع الإسرائيلي الخليجي.

بحسب الباحثة، فإن السعودية "تتوقع من الولايات المتحدة وإسرائيل تعزيز تعاونهما الدفاعي والأمني معها، ومن واشنطن غضّ الطرف قليلاً عن مسألة وجهة استخدام الأسلحة الأمريكية"، كي تستخدمها بدون ضغوط في حربها في اليمن.

وأضافت: "من أجل الدفاع عن نفسها في وجه الاعتداء الإيراني، يمكن للمملكة حتماً الاستفادة من خبرة إسرائيل والتعاون المعزز معها في الحروب غير النظامية التي تشارك فيها أطراف فاعلة أو ميليشيات لا تنتمي إلى الجيوش النظامية للدول".

ورجحت فاروق أن "التعاون السيبراني والاستخباراتي الإسرائيلي–السعودي يعني أن تعريف الإرهاب قد توسع ليشمل المعارضين السياسيين السلميين للنظام السعودي الذين هم أيضاً ضد التطبيع مع إسرائيل في الكثير من الأحيان".

"لا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومشروعه التوسعي لإعادة إحياء ما يُسمّى بالخلافة العثمانية، ولا مشروع تصدير الثورة الإيرانية قادرون على اختراق قيادة العالم الإسلامي وإزاحة السعودية من موقعها"

من جانبه، يرى الدكتور عاطف عبد الجواد، المحاضر الدولي في جامعة جورج واشنطن الأمريكية، أن التطبيع السعودي سيكون له أثر كبير في المنطقة من عدة جوانب، أولها تحوّل المقاطعين لإسرائيل إلى كيانات معزولة، وتحول المطبعين بخجل إلى إقامة علاقات أكثر جهراً مع إسرائيل.

وبرأيه، ستتقلص حركات المقاومة مادياً ومعنوياً رغم زيادة وعلو صوتها في بادئ الأمر وهذا الصوت العالي قد يتحوّل إلى عودة نحو العمليات الاستشهادية والتفجيرات والخطف.

وقال لرصيف22 إن الرياض ستستمر ولو لفترة انتقالية في مواصلة الدعم المالي لبعض هذه الحركات المسالمة مثل منظمة التحرير الفلسطينية.

ولفت إلى أن الأثر الأكبر للتطبيع سيقع على السلطة الوطنية الفلسطينية التي يتزعمها الرئيس محمود عباس والذي قد يتعرض لمحاولات انقلاب ضده يتزعمها معارضون له يتمتعون بدعم إماراتي.

وأشار إلى أن هنالك احتمالاً آخر وهو أن تتبع السلطة استراتيجية جديدة تتخلى فيها عن بعض خطوطها الحمراء في التعامل مع إسرائيل، ومنها إبداء مرونة أكبر في مطالبها الأصلية التي تتمسك بها منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

ورجّح عبد الجواد أن هذه التغييرات قد تتضمن قبول تعويضات مالية عوضاً عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والمطالبة بدولة عاصمتها قطاع في القدس الشرقية مع التوقف عن طرح الشعار القديم "القدس عاصمة للدولة الفلسطينية".

وبرأيه، فإن الرفض الفلسطيني للتطبيع السعودي قد يحولهم إلى أكراد وشعب بدون دولة.

من جانبه، أكد المحلل السعودي عادل الحميدان أن المملكة هي قائدة العالم الإسلامي، وهنالك مَن يطمح للنيل من مكانتها، "خاصة تركيا ونظام الملالي في إيران"، و"لن يكون منطقياً أن يحاولوا أخذ مكانتها في أي حال من الأحوال".

وأضاف: "لا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومشروعه التوسعي لإعادة إحياء ما يُسمّى بالخلافة العثمانية، ولا مشروع تصدير الثورة الإيرانية قادرون على اختراق قيادة العالم الإسلامي وإزاحة السعودية من موقعها".

النتائج الداخلية

تمتلك السعودية دورها الخاص في العالم الإسلامي، وستواجه مخاطر مختلفة إذا قررت إضفاء طابع رسمي على علاقاتها مع إسرائيل، بحسب تقديرات مدير معهد دراسات دول الخليج في واشنطن جورجيو كافييرو.

يقول لرصيف22: "بالنسبة إلى المسؤولين في الرياض، سيكون هذا القرار خطيراً وأكثر خطورة عليهم مما هو على نظرائهم في أبوظبي والمنامة، ولا شك أن هناك مخاوفَ لدى القيادة السعودية بشأن رد الفعل الداخلي".

برأيه، ستسير القيادة السعودية على الأرجح عبر خطوات جزئية نحو التطبيع بدلاً من الإعلان عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة بين المملكة الغنية بالنفط والدولة العبرية.

في التقرير الذي نشرته وول ستريت جورنال الأمريكية في 18 أيلول/ سبتمبر يظهر أن هنالك حالة انقسام في العائلة الحاكمة حول التطبيع. يشير إلى أن العاهل السعودي على خلاف مع ابنه ولي العهد حول توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل.

وينقل التقرير عن ديفيد رونديل، وهو دبلوماسي أمريكي عمل في السعودية سابقاً، أن الغالبية الساحقة من الشباب في السعودية يشعرون بأنهم أقل ارتباطاً بأزمة الفلسطينيين مقارنة بآبائهم وأجدادهم.

بحسب رونديل، "أولئك الذين نشأوا على حربين عربيتين إسرائيليتين وعاصروا القضية الفلسطينية منذ أن كانوا أطفالاً هم الغاضبون، ويشعرون أن الإماراتيين خانوا الفلسطينيين، أما معظم السعوديين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً فلا يهتمون بذلك".

في تقريرها، تشرح فاروق المخاطر التي قد تتعرض لها السعودية داخلياً بشكل تفصيلي أكثر، ومنها أن التطبيع لن يؤدي إلى تعزيز الاعتدال أو التحرر في المملكة.

بحسب فاروق، لا يوجد دليل موثوق على وجود مواطنين سعوديين يؤيدون التطبيع: "لم تطالب الأطراف الاجتماعية الفاعلة في المملكة بإقامة علاقات مع إسرائيل بالطريقة نفسها التي طالبت فيها بتطبيق إصلاحات أخرى، على غرار تمكين المرأة أو حتى مكافحة الفساد".

وتضيف: "ليست فلسطين مسألة تتداخل فيها اعتبارات سياسية عليا وحسب، بل هي أيضاً موضوع نقاشات عامة، وتعبئة شعبية سابقاً، في المدارس والدوائر الإعلامية والمنظمات غير الحكومية وقاعات المحاضرات العامة والمساجد، بما في ذلك الحرمين الشريفين".

ولفت التقرير إلى أن استطلاعات الرأي الصادرة عن معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى ومركز زغبي للخدمات البحثية في آب/ أغسطس الماضي تؤكد أن العلاقة مع إسرائيل في الوقت الراهن لا تتمتع بشعبية في أوساط المواطنين السعوديين بصورة عامة".

وقالت الباحثة إن "مثل هذه الخطوات التي لا تحظى بدعم شعبي تشوّه الخطط الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي تحتاجها المملكة، وتغذّي السردية المتطرفة بأن إصلاحات ولي العهد نابعة من دوافع سياسية ضد الإسلام".

وأشارت الباحثة إلى أنه سيكون "بإمكان ولي العهد السعودي استخدام الدعم الأمريكي في مواجهة الأعداء الكثر الذين صنعهم في طريقه نحو سدة الحكم، ليس في السعودية فحسب إنما أيضاً في واشنطن" وذلك على غرار دعم واشنطن للأمير القطري السابق حمد بن خليفة في ترسيخ حكمه بعد انقلابه على أبيه.

مع ذلك، يبدو أن العواقب قد تكون أكبر من ذلك، ففي تقرير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية في 21 تشرين الأول/ أكتوبر، كشفت أن محمد بن سلمان أبلغ الملياردير الأمريكي حاييم سابان بأن إيران وشعبه السعودي سيعمدان إلى قتله إذا أقدمت المملكة على تطبيع العلاقات مع إسرائيل مثل الإمارات والبحرين.

يعتبر الحميدان أن السعودية تسير خلف قيادتها وتعيش على رؤية المستقبل التي تتم صناعتها حالياً ومتماسكة، ويدعو إلى الاطّلاع على وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة مدى التفاف الشعب حول قيادته ودفاعه عن قضايا وطنه، مشيراً إلى سقوط مشاريع تقسيم المملكة.

ويعتبر الحميدان أن دولاً مثل تركيا وإيران وغيرها لن تتمكن مطلقاً من اختراق الشارع السعودي تحت أي ظرف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard