هل الفن "مقاوم" إن كان التراب مهدداً بالانفجار؟

الأربعاء 11 نوفمبر 202004:46 م

توطئة خارج السياق، لكن على الحافة... 

في مقدمة الترجمة العربية لرواية "صداقة مع ابن شقيق فيغنشتاين" المنشورة عام 1982، من تأليف توماس برنهارد، يكتب المترجم ومؤلف المقدمة سمير جريس، أن" النمسا في رأي برنهارد لم تبرأ بعد من تاريخها النازي، ولا تعصبها الكاثوليكي، لذا "أصر برنهارد في وصيته على ألا تنشر أعماله أو تعرض في النمسا، حتى تنتهي فترة حقوق المؤلف"، ويضيف جريس أن الكاتبة النمساوية ألفريده يلنك، التي حازت على جائزة نوبل للأدب عام 2004، تبنت ذات الموقف.

هذ الموقف "النقدي"، حسب تعبير جريس، يعكس وعياً ليس فقط بالمنتج الفني، بل بآليات إنتاجه وكيفية تداوله. هو يحوي "مقاومة" للشكل القائم، خيار اتخذه المؤلف تعبيراً عن رافضه الانخراط في منصات بلده الأم ومساحاته الإنتاجية.

الأمر يختلف حين الحديث عن الفن، خصوصاً أن سؤال "المقاومة" الآن طارئ. المنحوتات والتسجيلات المصورة بأنواعها والتشكيل كلها ترتبط بالسؤال السياسي وقوانين السوق ولقمة عيش الفنان، والأهمّ مساحة العرض، أي المكان الفيزيائي أو التراب الذي يمكن عبره للجمهور المشاهدة والتلقي. هذه المتغيرات تجعل الموقف الجذري السابق صعب التحقيق، فإما يعرض الفنان أعماله في مساحة خارج وطنه، ليتلقّاها جمهور "أبيض" بوصفها تأتي من "الجنوب العالمي"، أو يعرضها في بلاده أمام الجمهور المحلي، ما يعني الحرمان من السوق العالمية، والأهم الخضوع لسياسات "تراب الوطن" وممنوعاته ومرغوباته.

المقاومة العالميّة... لكن في باريس

هذه التساؤلات التي تنفي الموقف الراديكالي لبيرنهارد ويلنك، نراها في معرض "المقاومة العالمية" الذي يستضيفه مركز بومبيدو في العاصمة الفرنسية باريس، وفيه نتعرف على أكثر من 100 عمل تعود لستين فناناً ينتمون للـ "الجنوب العالمي"، مع وعي القائمين على المعرض بأن المتحف ذاته وأسلوب العرض ضمنه قد يعني الانصياع لـ "مؤسسة الفن الغربية" ونفي سياسية هذه الأعمال وأثرها على المتلقي.

تشير كريستيان ماكيل، واحدة من القيّمين على المعرض، لمفهوم "المقاومة" في النص المرافق لكاتالوج المعرض، المعنون بـ"Stare أو الفنان في المقاومة"، وتعود إلى المعاني المتعددة لكلمة مقاومة،résistance ، وتشير إلى أنه يختزن معنيين، الأول "يشير إلى حضور الشخص وقوته اللتين تؤدّيان لبقائه ثابتاً وعلى موقف واحد"، المعنى قادم من كلمة sistere، والتي تعني أيضاً الوقوف واللاحراك، المواجهة و امتلاك الرغبة بالمعارضة.

يعود معرض "المقاومة العالمية" الذي يستضيفه مركز بومبيدو في العاصمة الفرنسية باريس إلى المعاني المتعددة لكلمة مقاومة،résistance ، ويشير إلى أنه يختزن معنيين، الأول "يشير إلى حضور الشخص وقوته اللتين تؤدّيان لبقائه ثابتاً وعلى موقف واحد"، المعنى قادم من كلمة sistere، والتي تعني أيضاً الوقوف واللاحراك، المواجهة و امتلاك الرغبة بالمعارضة.

هذه العودة اللغويّة لأصل الكلمة والحذلقات المرتبطة بذلك، سنجربها باللغة العربية، خصوصاً أن تعبير "فن مقاوم" متداول بشدة، فقاوم بالعربية، تأتي من قوم، والقيام هو نقيض الجلوس، والعزم على الشيء والوقف والثبات وعدم المبارحة.

هناك تشابه بين المعنيين في اللغتين، وهو مواجهة الشكل القائم والثبات على الموقف أو التراب، لكن مفهوم المقاومة في كلتا الإحالتين المعجميتين، وهذا ما لم يشر إليه في النصوص المرافقة للمعرض، يفترض أن الأرض ثابتة، واصطلاحاً يعني الثبات أن ممارسة العمل الفني مضمونة في مساحات "الجنوب العالمي"، دون تحديد خصوصية كل منطقة تنتج فناً محلياً، "ينتقى "و"يختار" ليستعرض في "المتاحف" و"المعارض" الغربية.

تعبير "فن مقاوم" متداول بشدة، وقاوم بالعربية، تأتي من قوم، والقيام هو نقيض الجلوس، والعزم على الشيء والوقف والثبات وعدم المبارحة ولكنه يفترض أن الأرض ثابتة، أي أن المرء يملك مساحة للاستقرار.... كي يتمكن الفنان من "العمل" والاكتفاء من عمله وهذا ما يغفله مفهوم المقاومة في تعبير "الفن المقاوم" 

نقصد بعدم ثبات الأرض، أي أن الفرد لا يمتلك مساحة للاستقرار، سواء على الصعيد الجسدي أو المادي، فالقدرة على الإنتاج خارج الزمن اللازم لتأمين متطلبات الحياة مهددة ومنتهكة، الأرض المائعة والمتزحزحة أشبه بطوف ينتظر العاصفة لتغرق. بالتالي، كي يتمكن الفنان من "العمل" والاكتفاء من عمله، عليه بالثبات أولاً كفرد، لا كفاعل في المجتمع، وهذا ما يغفله مفهوم المقاومة في المعرض، أن هناك سياسات تهدد الأرض ومن عليها، والثبات ليس إلا توازناً، كون الفرد مهدداً بالسقوط، هذه الحذلقات اللغوية حول المعنى تحاول أن تمنطق القوى السياسية في العالم العربي التي نسفت الأرض في بيروت، ووضعت الناس في أقفاص في سوريا.

المثير للاهتمام في المعرض، وما نقرأه في بيانات القيمين عليه، هو التفسيرات والحكايات التي تحيط بالأعمال "المنتقاة" من أنحاء الجنوب العالمي، والتي تهدف لتعريف المشاهد بأسلوب المقاومة الذي يعمل وفقه فنانو تلك المنطقة، هذا الاختيار نفسه يطرح سؤالاً جمالياً يرتبط بطبيعة الممارسة الفنية، وعلاقتها مع الحداثة والاستعمار والاستبداد. فوصف الأعمال والممارسات المحلية بـ "الفن" ثم نقلها إلى متحف في الخارج، وحسب البيانات، يفترض من الفنان أن يتحدث لغة هذه المؤسسات، ما يعني أن تكوين العمل الفني أو الاعتراف به خاضع للشكل الغربي، ذاك المألوف والمتعارف عليه من قبل القائمين على المعرض أو الجمهور، لكن المثير للاهتمام أن عبور الحدود يجعل من العمل أنثروبولجياً أكثر منه ذا تساؤل جمالي-سياسي، إذ يحاول إعادة النظر في المحلي ومكوناته لمخاطبة ذاك العالمي و"ما بعد الاستعماري"، ضمن سردية تروق لـ "ذوق" المتحف وجمهوره.

ما بعد التنظير والحذلقة: العمل الفني في المتحف

يشد الانتباه في المعرض عملان، الأول منحوتة للفنان الفلسطيني خليل رباح بعنوان "كل شيء على ما يرام"، التي يقتبس فيها الرجل العجوز الذي نراه في لوحة "جمل المحامل" للفنان الفلسطيني سليمان منصور، التي أنجزها في السبعينيات، فالعجوز الذي كان في اللوحة يحمل القدس على ظهره، نراه في المنحوتة فائقة الواقعية، يحمل اللا شيء، أشبه بتمثال ساخر يحمل مأساته بعد أن خسر موضوعها، فـ "كل شيء على ما يرام"، حسب توصيف العمل في الكاتالوج، فبالرغم من خسارته "كل شيء" بقي واقفاً.

لكن لنفكر مرة أخرى هنا بالمقاومة، وبسذاجة المعنى الحرفي لنربطه بالعمل الفني نفسه ومكوناته: العجوز يقف على أرض المتحف النظيفة وبين جدرانه البيضاء، يحدق بأعين المارة وهو لا يحمل شيئاً. هو يخاطب تاريخ الفن الفلسطيني والنضال ضد الاحتلال، فالأصل، أي لوحة "جمل المحامل" لا نراها أمامه، ليظهر أمام المشاهد بوصفه أيقونة يعرف المشاهد تاريخها من النص حولها، لا من مكوناتها. مهارة صناعة المنحوتة لا تخفي أنها معلقة في الهواء، تشابه حالتنا نحن من في "الخارج"، إذ نعمل ونكتب وننتج ما هو "مقاوم" لجمهور نفترض أنه يدرك الخصوصية الفنية لما ننتجه، لكننا مجبرون على مخاطبته بشيفراته التي يفهمها، دون ذلك، يتحول "المُنتج" إلى نموذج أنثروبولجي "مُختار"، أكثر منه جهد جمالي وليد الآن، يشير إلى علاقات القوة التي جعلته بهذا الشكل، "واقفاً" و"مقاوماً". ناهيك أن التمثال لا يتطابق مع اللوحة، قياساته "صحيحة" بالمقارنة مع حجم يدي وقدمي العجوز في اللوحة الأصلية، وكأنه في المتحف متقن اللحم، لا عنف تعرض له، تكوينه الجسدي خال من آثار الحمل والمشي الطويل.

الاعتراف الفني حين نتجاوز التاريخ المحلي ونقتبس منه، يحول العمل الفني إلى شكل يحاكي الأوروبي، دون أن يخوض حقيقة في طبيعة القوى التي يخضع لها، لنرى أنفسنا كمن يدخل مختبراً طبياً معقماً ونظيفاً ليشاهد "أولئك" المقاومين، ولا نستهدف هنا أبداً جهد الفنان ولا قيمة العمل، بل الأسلوب الذي تعرض ضمنه الأعمال، والذي مهما حاول المعرض فتح حوار بين العمل ومشاهديه، حسب ما هو مكتوب في الكاتالوج، فالحوار بين غرباء. جمهور معجب بالحكاية والإتقان الفني لرجل فقد ما يحمله ويقف ساخراً منهم، غياب حذائه وتجاعيده وأسماله، كلها نتاج تاريخ استعماري، والخوض في حوار معه يجعلنا إما نخاطبه عبر تاريخ الفن الأوربي الذي يراه أقل فنية، أو تاريخ الاستعمار الذي يراه أقل إنسانية. سبب ذلك أن عملية الاختيار التي يقوم بها المتحف تنفي السياق المحلي، ذاك الذي يدركه الخاضعون للاستعمار لا المتفرجون في المتحف النظيف، الذين يشاهدون ولا يتحرك فيهم الذنب، بأن ثبات أرضهم مختلف عن الأرض والتاريخ الذي جاء منه العمل.


العمل الثاني الذي نراه ويشدّ انتباهنا لارتباطه بالمنطقة العربية، هو فيديو للفنان المغربي محسن حراكي، بعنوان "أنوار النجوم" والذي اعتمد فيه على كتاب عالم الفلك الدمشقي ابن الشاطر، واقتبس من كتابه ذي الـ 300 صفحة، ثلاث لوحات متحركة ترسم حركة النجوم، مع اقتباسات من النص الأصلي، في إحالة إلى التاريخ المشترك للإنسانية ودور العلوم الإسلامية في تقدّمها. وهنا يظهر مصطلح "العصر الذهبي" للإسلام في وصف العمل، وتاريخ حوار الحضارات الذي كان قائماً بأسلوب ينفي الآن كلياً ويتجاهل التاريخ السياسي، في حنين نوستالجي يقتبس من التاريخ ما يراه ملائماً ولا إشكالي.

لن نشير هنا إلى الاستشراق، لكن المثير للاهتمام أن العصر الذهبي للإسلام من وجهة نظر المركزية الأوروبية مرتبط فقط بالعلوم التي اقتبسها الغرب". لم لم لا يقيم العصر الذهبي بعلوم البلاغة مثلاً، علم الكلام أو الأنواع الأدبية العربيّة، كالمقامات والسجع؟ سذاجة هذه الأسئلة تعيدنا إلى مفهوم الاستعراض في المتحف، واللغة المستخدمة لمخاطبة الجمهور. العمل الفني هنا ومكوناته وأسلوب تقدمه، يرى أن هناك متخيلاً عن الإسلام وعلومه، وأن "الآن" هو ترد للمنطقة العربية، ولابد من المقاومة، لكن مقاومة من بدقة؟ مقاومة المقارنة مع كوبرنيكوس وكيف سبقه ابن الشاطر في نظرياته، أو كيف أن كوبرنيكوس كان يسرق من مخطوطاته؟ هذه المعلومات من ويكيبديا لا من مصادر دقيقة، لكنها تساؤلات عما يحاول العمل الفني الوقوف بوجهه.

لكن لنفكر مرة أخرى، ما هي المقاومة هنا؟ نحن نشاهد وسيطاً فنياً وظفه الفنان لإنتاج فيديو عن تاريخ العلوم الإسلامية، وكأن تلك النقطة هي مرجعية الحوار، لكن ماذا عن الآن؟ هل هي محاول لغسل صورة الإسلام والعرب اليوم وتبييضها مما تشهده؟ وأكرر، هنا لا نتهم الفنان ولا جودة العمل الفني، بل العلاقة بين المقاومة والجمهور ومساحة الإنتاج.

أزمة المقاومة "خارجاً"

ما نحاول أن نشير إليه في النموذجين والمثالين السابقين هو الوعي الذي يخلقه العمل الفني بشروط إنتاجه وعلاقته مع ما "يقاومه"، أي هل يشير إلى ما يقف بوجهه؟ خصوصاً أننا أمام سؤال التلقي والبحث عن المتخيل الذي يخلقه العمل الفني، ذاك الذي يكتمل تعاضدياً مع المتلقي، ويرتبط بمكان العرض وأسلوبه وما يحيط بالعمل نفسه، إلى جانب ما يحتويه العمل نفسه، فهذه الأعمال لا تشير إلى العلاقات القمعية التي أنتجتها الآن، بل تشير إلى ماضيها دون حاضرها، وهذه الإشارة محكومة بنظام التقييم الفني "الغربي".

عدم ثبات الأرض، أي تزحزحها وتهديدها لاستقرار الأفراد، ليس متخيّلاً أو تلاعباً لغوياً، ففي بيروت أطاح الانفجار بنصف العاصمة، واختفت العديد من الأعمال الفنية، وفي سوريا اضطر النحات عاصم الباشا إلى دفن منحوتاته في ريف دمشق. أي فنّ هنا يمكن أن يُنتج ويقاوم إن كانت المدينة مهددة بالخراب

من جهة أخرى عدم ثبات الأرض، أي تزحزحها وتهديدها لاستقرار الأفراد، ليس متخيّلاً أو تلاعباً لغوياً، كما نقرأ في وصف المعرض، ففي بيروت أطاح الانفجار بنصف العاصمة، واختفت العديد من الأعمال الفنية، وفي سوريا اضطر النحات عاصم الباشا إلى دفن منحوتاته في ريف دمشق. أي فنّ هنا يمكن أن يُنتج ويقاوم إن كانت المدينة مهددة بالخراب، ناهيك عن "عبوره" نحو الغرب حيث المتاحف النظيفة. ما نحاول قوله إن هذ الانتقال عبر الحدود محكوم بتحديقة ونظام علاقات القائمين على المعارض التي تقاوم أيضاً ما يهدد شرعيتها وسلطتها، فالمقاومة خارجاً، إن لم تكن واعية للشرط والتراب الذي يمكن أن يوضع فيه العمل الفني، وواعية لتاريخ هذا العمل نفسه، تتحول إلى تنظير يمكن أن يملأ صفحات الكاتالوج الفرنسي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard