بين الإمارات وقطر... خيارات سلطنة عُمان للخروج من أزمتها الاقتصادية

الأربعاء 4 نوفمبر 202009:33 ص

"قدرة السلطنة الخليجية على الحفاظ على حيادها والابتعاد عن صراعات القوة الإقليمية أصبحت في خطر بسبب المشاكل الاقتصادية التي تفاقمت نتيجة فيروس كورونا وتراجع أسعار النفط"، هذا ما جاء في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشال تايمز" في وقت سابق من الشهر الماضي، في سياق النقاش حول توجهات سلطنة عمان المستقبلية والتساؤلات التي أثيرت حول إمكانية التخلي عن حيادها الذي لطالما امتازت به.

عُرفت سلطنة عُمان بأنها سويسرا الشرق الأوسط بسبب لعب دور الوسيط بين كافة الأطراف في صراعات المنطقة على مدار السنوات الماضية، كما حافظت السلطنة التي تعد حليفاً غربياً وثيقاً على سياسة خارجية محايدة مع كافة الأطراف، فامتلكت علاقات جيدة مع السعودية وعدوتها إيران، وساعدت قطر على فك الحظر التجاري الذي تفرضه المملكة وحلفاؤها على الدوحة.

واستضافت المحادثات السرية التي أدت إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ولعبت في سياق آخر دوراً في المفاوضات التي أجرتها السعودية والولايات المتحدة مع الحوثيين المتحالفين مع إيران.

تعزز السؤال حول سياسة السلطنة المستقبلية، لا سيما بعد وفاة السلطان قابوس مطلع العام الحالي، وخلال الشهر الماضي كانت عُمان أول دولة خليجية تعيد سفيرها إلى دمشق، بعدما حافظت على العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري خلال السنوات الماضية.

وعلى الصعيد الخارجي، وسّعت الصين على سبيل المثال عملياتها في الموانئ العمانية واشترت حصة بقيمة مليار دولار في شبكة توزيع الكهرباء العام الماضي، وفي عام 2017، أقرضت البنوك الصينية سلطنة عمان 3.5 مليار دولار.

هل ستظل السلطنة حيادية؟

بحسب تقرير صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، توقع محللون أن الوضع الاقتصادي سيجعل مسقط تفكر في الاتجاه إلى الجيران الأكثر ثراءاً، وهو ما يهدد بجر السلطنة إلى نزاع سام يضعها مع السعودية والإمارات في مواجهة قطر أو العكس، وما يقوض قدرتها على لعب دور الوسيط الإقليمي.

وقال الباحث في جامعة "كامبريدج" البريطانية جون سفاكياناكيس لـ"فايننشال تايمز": "بالنظر إلى العبء المالي، سيتعين على عمان اللجوء إلى جيرانها الخليجيين للحصول على دعم مالي مباشر أو غير مباشر"، معلقاً بأن "ذلك سيكون معضلة لأن أخذ الأموال الإماراتية قد يعرض حيادية عمان للخطر إذ سيجعل مسقط أقرب إلى تحالف أبو ظبي والرياض، والأمر نفسه إذا لجأت إلى قطر".

بحسب تقرير الصحيفة، توقع صندوق النقد الدولي انكماشاً اقتصادياً بنسبة 10% هذا العام، وهو أكثر من المتوسط ​​في الشرق الأوسط، بينما من المتوقع أن يصل عجز ميزانية السلطنة إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام بعد تراجع الإيرادات.

وتمتلك عمان حوالي 16 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي و16 مليار دولار أخرى من الأصول الخارجية، لكن العجز المالي والسندات العالمية المستحقة يصلان إلى أكثر من 13 مليار دولار في السنة على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

وهكذا "ستحتاج السلطنة، التي اقترضت ملياري دولار من البنوك العالمية في آب/ أغسطس الماضي، إلى سحب ودائع محلية بما في ذلك من صندوق الثروة السيادية ومبيعات الأصول والمزيد من القروض من أجل استقرار الميزانية".

وكشفت الصحيفة أن سلطنة عمان تدرس العودة إلى أسواق السندات لجمع ما بين ملياري و 4 مليارات دولار.

توقع محللون أن الوضع الاقتصادي الصعب الذي تواجهه سلطنة عمان سيجعلها تفكر في الاتجاه إلى الجيران الأكثر ثراءاً، وهو ما يهدد بجرها إلى نزاع سام يضعها مع السعودية والإمارات في مواجهة قطر أو العكس، ويقوض قدرتها على لعب دور الوسيط الإقليمي

من جهته، قال مدير الهيئات السيادية في وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني كريسجانيس كروستينز: "حتى قبل فيروس كورونا والصدمة الأخيرة لأسعار النفط، كانت عمان تكافح… لكنهم الآن في وضع يتعين عليهم فيه تقليل الإنفاق بشكل أكثر جذرية أو قد ينفذ المال".

وخفض السلطان الجديد هيثم بن طارق الإنفاق العام بنسبة 8% في النصف الأول من العام، وخفض الإنفاق على المشاريع الكبيرة والدفاع، مع الحفاظ على فاتورة رواتب القطاع العام الضخمة في السلطنة.

وأعلنت الحكومة هذا الأسبوع عن خطط لفرض ضريبة مبيعات بنسبة 5 في المئة العام المقبل، وهي مقامرة لزيادة الإيرادات لأنها تنطوي على مخاطر استياء شعبي، لا سيما وأنه عندما اجتاحت الاحتجاجات عُمان خلال الربيع العربي، أخمد السلطان الراحل الاضطرابات من خلال إقالة الوزراء ومنح الحكومة سخاء مالياً واسعاً.

الاقتراض من الخارج

في تقرير آخر نشرته "فايننشال تايمز"، في 28 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، قالت الزميلة الزائرة في "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" سينزيا بيانكو إن الإمارات باتت في صدارة الدول التي من المحتمل أن تقدم مساعدات إضافية لعمان.

ولفتت إلى أن عمان فتحت محادثات مع قطر والإمارات حول الدعم المالي، مشيرة إلى أن المحادثات لا تزال مستمرة.

وقال ثلاثة أشخاص مطلعين على المحادثات بين قطر وعُمان إن الدوحة أودعت مليار دولار في البنك المركزي العماني، ووعدت بالمزيد في المستقبل.

وجمعت عُمان بالفعل قرضاً بقيمة ملياري دولار في وقت سابق من هذا العام تم ترتيبه بالاشتراك مع أكبر بنك في أبو ظبي.

قطر أم الإمارات؟

لطالما كانت العلاقات الإماراتية العمانية مشحونة ومتوترة، لأسباب عديدة منها اكتشاف خلية تجسس إماراتية في الديوان الملكي قبل عقد من الزمن.

قال الكاتب الصحافي حمد العلوي إن عُمان سبق وأن رفضت كل مساعدة خليجية بشروط من أحد، ولكنها قبلت أو ستقبل ذلك من دولتي الكويت وقطر.

وحول خلفيات النزاع مع الإمارات، قال العلوي لرصيف22: "حينما حوّل ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد ثلاثة مليارات دولار إلى البنك المركزي العُماني، وذلك بعيد المصالحة التي قام بها أمير الكويت الراحل صباح الأحمد الجابر بين السلطنة والإمارات، وكان ذلك على إثر الكشف عن خلية أمنية إماراتية تجسسية في عُمان، فأمر السلطان الراحل قابوس بأن يحفظ المبلغ في البنك المركزي دون المساس به، وهم قدموا ذلك المبلغ كنوع من تطييب الخاطر لقبول الصلح".

وأضاف: "في مطلع السنة التالية على ذلك التاريخ، خرج برنامج تلفزيوني كشف عن المساعدات التي قدمتها الإمارات إلى الدول الفقيرة، فوضع عُمان على رأس القائمة، لم ترد مسقط على ذلك التشهير المتعمد، وهنا تصدق حكمة السلطان قابوس وبعد نظره، فعلى إثر إنتشار تلك الأخبار المسيئة لعُمان، أمر برد المبلغ المودع من قبل الإمارات في البنك المركزي إليهم، ودون أن يعلن عن ذلك رسمياً".

ولفت إلى أن هذه الرواية أعلنها وزير الدولة للشؤون الخارجية في ذلك الوقت يوسف بن علوي في ندوة محلية، وما كان سيقول ذلك لولا أنه تعرض لسؤال مباشر عن زعم الإمارات مساعدة عُمان.

ومع ذلك، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" أن أبو ظبي تحرص على إقامة علاقة أفضل مع السلطان الجديد الذي يقود أحد أكثر الاقتصادات هشاشة في دول الخليج الغنية بالنفط.

قال ثلاثة أشخاص مطلعين على المحادثات بين قطر وعُمان إن الدوحة أودعت مليار دولار في البنك المركزي العماني، ووعدت بالمزيد في المستقبل، بينما كانت عُمان قد جمعت قرضاً بقيمة ملياري دولار في وقت سابق من هذا العام بالاشتراك مع أكبر بنك في أبو ظبي

وقال مسؤول غربي إن ثمة محادثات حول إمكانات الاستثمار الإماراتي في المشاريع العمانية، وليس مجرد إرسال وديعة مالية.

وذكرت الصحيفة أن الشك في نوايا الإمارات العربية المتحدة موجود بين العديد من العمانيين، وقد يرفضون الشروط المسبقة للدعم الذي قد يقوض استقلال مسقط الثمين، علماً أن العلاقات المشحونة تاريخياً بين الإمارات وعمان تراجعت في عهد السلطان هيثم بن طارق آل سعيد، وذلك بعد عزل وزير الخارجية يوسف بن علوي وتعيين بدر البوسعيدي الذي يُنظر إليه على أنه أقل عداء للإمارات.

في سياق آخر، رأى المحلل والكاتب العماني زاهر المحروقي أن هناك تساؤلات كثيرة حول تأثير الوضع الاقتصادي على استقلالية قرار السلطنة وحياديتها.

وأضاف المحروقي لرصيف22: "كي نجيب على هذه التساؤلات، لا بد أن نعلم أن عمان حافظت على هذا الاستقلال والحياد في أحلك الظروف، عندما لجأت إلى تخفيض قيمة الريال العماني إبان الأزمة الاقتصادية عام 1985، في وقت كانت المنطقة تشهد حرباً عراقية إيرانية، وحافظت على حيادها وعلاقاتها الجيدة بطرفي الحرب.

وتابع: "صحيح أن الضغوط الأمريكية كبيرة على الحكومة العمانية للتطبيع مع إسرائيل، إلا أن الحكومة العمانية ثبتت على موقفها، وفي النهاية بقاء الاستقلال العماني هو في مصلحة أمريكا قبل أي طرف آخر، فقد رأينا كيف نجحت عمان مؤخراً في إطلاق سراح رهائن أمريكيين لدى الحوثيين، وهو ما فعلته من قبل مع إيران"، مستبعداً أن تغير مواقفها السياسية الثابتة بسبب الأوضاع الاقتصادية، وأن تنضم إلى ركب التحالف ضد اليمن أو تخسر علاقاتها بإيران.

وقال المحروقي: "رغم حدة الأزمة، فإن عمان لن تلجأ للبنك الدولي أو إلى صندوق النقد، وبصفة عامة فإن نظرة المسؤولين الاقتصاديين في عمان ترى أن الدولة قد تجاوزت الوضع الأسوأ، وأنها ستكون عما قريب في وضع أفضل اقتصادياً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard