الشعبوية والاستثمار فيها لمواجهة الانتفاضات الشعبية

الثلاثاء 3 نوفمبر 202011:29 ص

قد يكون مصطلح "شعبوية" قديماً وقد يكون حُمّل من المعاني ما لا يحتمل، ولكنه في كل الأحوال مصطلح يحمل من السلبية ما يسمح باستخدامه لوصم الأخصام به كمعادين للمصالح والطموحات الشعبية الفعلية التي قد تنهض بها ولأجلها الجموع.

وهو من حيث الصياغة يتساوق مع "الثوروية" أو "الثورجية" وهو الآخر مصطلح يوصم به أدعياء العمل الثوري ومقلدوه خصوصاً في زمن تتقدم الثورات وتحقق بعضاً من أهدافها، ومحاولة "الثورجية" المتسلقين اقتناص بعض الأهداف والمصالح الوضيعة بتوسّل تماهيهم مع الثورة.

كذلك يتصاعد الخطاب الشعبوي كلما تصاعدت وتيرة الحراكات والانتفاضات الشعبية، لا بهدف الدفع بها إلى غاياتها، بل بهدف تفكيكها وضربها من الداخل تسهيلاً لإجهاضها. فالخطاب الشعبوي جزء من حملة مضادة يقودها أطراف في النظم الحاكمة أو على هامشها، وهم بالتالي أصحاب مصلحة في إدامة هذه النظم، لا في إسقاطها أو تغيير سياساتها.

ويلعب الخطاب الشعبوي على الغرائز والمخاوف والهواجس مستخدماً بعضاً من شعارات الانتفاضات الشعبية التي تمكنه من الوصول إلى ناسها. 

لماذا تحدث الانتفاضات الشعبية؟

قد تكون الثورة الفيتنامية آخر الثورات الشعبية المنظمة والمسلحة حتى الآن، وقد حازت من الدعم والتأييد من شعوب العالم ومن عدد من الدول ما مكّنها من أن تنتصر. في المقابل، شهد العالم، وخصوصاً المنطقة العربية، عدداً كبيراً من الانتفاضات الشعبية التي بدأت عفوية ثم تلاشت إما ببعض الانجازات أو بالكثير من الخيبات قد يكون أولاها انتفاضة الخبز في مصر "انتفاضة يناير 1978". غير أن زمن الانتفاضات العربية الواسعة بدأ مع انتفاضة سيدي بوزيد في تونس ولن ينتهي بالانتفاضتين العراقية واللبنانية اللتين مضى على اشتعالهما أكثر من عام.

ولكن، لماذا تنتفض الشعوب؟ قد يكمن الجواب عن هذا السؤال في عبارة المفكر العربي الراحل سلامة كيلة التي طالما رددها: "عندما يتساوى الخوف من الموت جوعاً مع الخوف من بطش السلطة تصبح الانتفاضة أمراً حتمياً..."

يلعب الخطاب الشعبوي على الغرائز والمخاوف والهواجس مستخدماً بعضاً من شعارات الانتفاضات الشعبية التي تمكنه من الوصول إلى ناسها

إذٍاً، هو الخوف من الموت جوعاً حين يرتفع منسوب الضغوط على القاع الاجتماعي بشكل لا يعود يطاق فتنتفض الجموع قافزة فوق الأحزاب والمنظمات النقابية والمعارضات السياسية حتى لكأنك ترى ذلك القاع الاجتماعي المنسي يقفز إلى السطح مرة واحدة بدون أي سابق إنذار.

هذا ما حصل في تونس نهاية سنة 2010 ثم امتد إلى مصر فليبيا فاليمن فالبحرين فسوريا... وترددت أصداؤه في المغرب والعراق والأردن ولبنان سنة 2011.

إذاً هي انتفاضات شعبية خالصة من أية شبهات وحرة من أية تدخلات تحاول كسر احتكار القوى المسيطرة للسلطة وللثروة وانتزاع حقها بـ"العيش والحرية والكرامة الإنسانية" الشعار الذي تردد في جميع الانتفاضات.

كانت مقاومة الأنظمة والقوى المسيطرة للسقوط تحت ضربات الانتفاضات متفاوتة بحسب المفاجأة التي أحدثتها، فتدرجت قوتها من تونس حيث أزيح رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي بدون أية مواجهات دموية، إلى مصر التي أزيح أيضاً رئيسها حسني مبارك بعد مواجهات محدودة إلى اليمن وسوريا وليبيا حيث استعدت القوى المضادة للثورة فأطبقت على الشعوب وسحقت انتفاضتها بدموية مفرطة. 

بين هذا وذاك ارتفع منسوب الخطاب الشعبوي وصولاً إلى الموجة الثانية من الانتفاضات في كل من السودان والجزائر والعراق ولبنان. وخصوصاً في البلدين الأخيرين حيث لعب هذا الخطاب على هواجس الطوائف والمذاهب كما استخدم المنظومة الدعائية في مواجهة الوجود الأمريكي في المنطقة ومقاومة الاحتلال الصهيوني وتحرير القدس! 

في لبنان، كان لكل طرف في السلطة "شبيحته" على الأرض، كما على وسائل التواصل الإلكتروني، يثيرون المخاوف من الانتفاضة التي حركت جموع اللبنانيين. 

بدأ ذلك بالتشهير والاتهام بالتمويل الخارجي ثم تدرج إلى الخطاب الطائفي الذي يحرك الغرائز ويثير الهواجس في محاولة لإعادة المنتفضين إلى بيوت الطاعة الطائفية. 

في لبنان، حيث لا تزال قوى السلطة تلوّح بالحرب الأهلية لإخافة الشارع ومنعه من الاستمرار بانتفاضته، والتي لن تحدث لا كرهاً من قوى السلطة لها بل لعجزها عن إشعالها، كان للخطاب الشعبوي دور بارز في تراجع المد الشعبي

بعض القوى السلطوية الطائفية استخدم تعابير الانتفاضة واستسهل إعلان انتمائه إلى "الثورة" في الوقت الذي يتمسك بالخطاب الطائفي والمناطقي في مقابل إعلان الانتفاضة الشعبية دفن كل ذلك. بعضهم يعلن انتماءه إلى 17 تشرين التي أعلنت انتهاء الحرب الأهلية ثم لا يفتأ يذكرنا ببطولات الحرب الأهلية... بعضهم الآخر ردد شعارات الشارع مثل المطالبة باستقلالية القضاء في الوقت الذي يعطل التشكيلات القضائية التي أعدّها مجلس القضاء الأعلى. بعضهم يطالب باستعادة الأموال المنهوبة والمهربة في حين تحوم الشبهات حوله في تهريب مئات ملايين الدولارات إلى الخارج.

في لبنان، حيث لا تزال قوى السلطة تلوّح بالحرب الأهلية لإخافة الشارع ومنعه من الاستمرار بانتفاضته، والتي لن تحدث لا كرهاً من قوى السلطة لها بل لعجزها عن إشعالها، كان للخطاب الشعبوي دور بارز في تراجع المد الشعبي فمثّل بذلك سلاحاً فعالاً لدى قوى السلطة والمنتفعين من استمرار نظامها لكبح جماح الشارع متكاملاً مع أشكال القمع الأمني التي مارستها أجهزة الدولة حيناً وبلطجية قوى السلطة أحياناً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard