سنة على انتفاضَتي تشرين… لماذا لم ينقلب حملة السلاح على مشغليهم؟

السبت 17 أكتوبر 202011:33 ص

سنة كاملة مرت على انتفاضتَي العراق ولبنان، شهدتْ ما شهدته من أشكال التظاهر والانتفاض السلمي، الذي تراوح بين المهرجانات الكرنفالية وبين مشاهد العنف الجسدي الذي مورِس بحق المتظاهرين، على أيدي الأجهزة الأمنية مرة وعلى أيدي مليشيات القوى المسيطرة مراراً، وصولاً إلى عمليات خطف واغتيال الناشطين في الانتفاضة العراقية، والتي بلغت حداً مرعباً، والتي لم تلقَ من مؤسسات السلطة أيَّ ردّ فعل زجري يحاول الحدّ منها.

وفي حين لم يحدث حتى الآن أية عملية اغتيال للناشطين اللبنانيين، رغم سقوط أربعة شهداء على الأقل في المواجهات، كان هناك عمليات قمع وبلطجة واختطاف مؤقت وتعذيب وتهديد بالقتل، لم يحرّك القضاء اللبناني أو الأجهزة الأمنية ساكناً تجاهها.

وهنا يتضح تواطؤ مؤسسات الدولة مع القوى المسيطرة وخضوعها شبه التام لها، في مواجهة الانتفاضتين، العراقية واللبنانية، اللتين واجهتا بالفعل قوى تتماثل، من حيث الأيديولوجيا والتبعية السياسية للخارج، وخصوصاً لنظام مافيا الملالي في طهران، الذي بدوره كان ولا يزال يواجه التحركات الاحتجاجية في إيران بالقتل والتنكيل.

كان من المؤكد، بالنسبة لي وبالنسبة لكثيرين غيري، أن النهج الاقتصادي والمالي المافيوي المسيطر على الدولة في لبنان وفي العراق، سيوصل حتماً إلى انهيارات مخيفة على مستوى القدرة على العيش لدى النسبة العظمى من المجتمع. هذا النهج القائم على نهب المال العام من خلال الصفقات في مشاريع خلبية، ومن خلال الاختلاسات الكبرى وتوزيع مغانم السلطة بين القوى المسيطرة، والإمساك بكافة مفاصل مؤسسات الدولة لتسخيرها في خدمة مصالح هذه القوى، وهذا ما دفعنا للاعتقاد أن الانتفاضات قادمة لا محالة. فتساوي احتمالات الموت جوعاً مع احتمالات الموت في مواجهة القوى المسيطرة سوف يدفع أولئك المسحوقين إلى الثورة، التي هي طريق الخلاص الوحيد المتبقي لديهم.

كان أول من تصدّى لانتفاضة 17 تشرين في لبنان، هو حسن نصر الله، زعيم حزب الله، في خطابه الشهير بعد ثلاثة أيام من انطلاقتها، ملوحاً باللاءات الثلاثة: لا لأسقاط الحكومة (حكومة أقطاب المنظومة برئاسة سعد الحريري)، لا لإسقاط عهد ميشال عون، لا لإسقاط مجلس النواب ولانتخابات نيابية مبكرة.

ومن بعد هذا الخطاب اندفع شبيحة حزب الله وحركة أمل (يرأسها نبيه بري، رئيس البرلمان) في عمليات الهجوم على ساحات التظاهر في بيروت والجنوب والبقاع، رافعين شعارات طائفية (شيعة شيعة) في وجه الثوار الذين يرفعون العلم الوطني والهتافات الثورية والوطنية. كان ذلك بمثابة الضوء الأخضر لباقي قوى المنظومة لتحرّك شبّيحتها لمهاجمة المتظاهرين، كلٌ في مناطق تواجده.

ربما كانت الانتفاضة العراقية أوسع امتداداً وأكثر اندفاعاً وأعمق في توجهها السياسي، حيث سلطت شعاراتها على الهيمنة الإيرانية وما ينتج عنها من فساد ونهب وإفقار ونشر للخرافة والجهل في المجتمع (تعقيمه)، وبالتالي كان ردُّ قوى السلطة وميليشياتها أكثر شراسة، ما نتج عنه مئات الشهداء المنتفضين، في حين حاولت الانتفاضة اللبنانية تحييد حزب الله بعض الشيء، وأقصى ما واجهته به هو وضعه في خانة قوى السلطة، أي من جملة "كلن يعني كلن". وكان هذا كافياً ليتصدر حامي المنظومة وسيدها مشهدَ مواجهة الانتفاضة بكل ما هو دون الاستخدام المباشر للسلاح.

ربما كانت الانتفاضة العراقية أوسع امتداداً وأكثر اندفاعاً وأعمق في توجهها السياسي، حيث سلطت شعاراتها على الهيمنة الإيرانية وما ينتج عنها من فساد ونهب وإفقار ونشر للخرافة والجهل في المجتمع (تعقيمه)، وبالتالي كان ردُّ قوى السلطة وميليشياتها أكثر شراسة، ما نتج عنه مئات الشهداء المنتفضين

ومنذ أن بادرت مجموعات البلطجية، هنا وهناك، لمواجهة الجموع المنتفضة والاعتداء عليها في محاولة لكتمها وإجهاضها، قيل الكثير عن موازين القوى الراجحة لمصلحة النظامين المتسلحين بكل ما يمكنهما من قمع الانتفاضات الشعبية المتفاقمة. وكان التلويح بالمصير السوري قائماً دائماً، لكنني كنت في كل مرة أرد بعبارات من مثل: "غداً سينقلب حملة السلاح على مشغليهم". "البلطجية أنفسهم سوف يسحبون أسيادهم من بيوتهم ويسحلونهم في الشوارع".

خلال الأيام والأسابيع الأولى لانتفاضتي تشرين في العراق وخصوصاً في لبنان، خرج من تحت العباءة الطائفية وتحرر من تبعية "الزعيم" و"السيد" ألوف البشر، الذين انخرطوا لأول مرة في التظاهر تحت عنوان "إسقاط النظام" و"إيران برا برا بغداد حرة حرة" و"كلن يعني كلن"، وشعارات إبعاد الأحزاب عن السلطة ومحاسبة الفاسدين ناهبي المال العام أمام قضاء مستقل، وكان ذلك يبشّر بخواء تلك القوى والأحزاب وإفراغها من مناصريها وقواعدها الشعبية.

ولكن قوى السلطة لم تستسلم لإرادة الجماهير المنتفضة، وهي لن تستسلم طالما بقي لديها السيطرة على مؤسسات الدولة وأجهزتها، وطالما بقي لديها أتباع يحصلون على امتيازات تجعلهم في وضع اجتماعي ومالي متفوق على باقي الناس.

مع مرور الوقت، ارتفع منسوب المواجهات. تكررت بشكل يومي الهجمات على ساحات التظاهر. لوحق المتظاهرون إلى بيوتهم. تمت عمليات الخطف والترويع للناشطين وعائلاتهم. ارتفع منسوب التهديد.

كلما شعر أرباب السلطة بضعفهم كلما ازداد توترهم ورفعوا منسوب المواجهة، إضافة الى التلويح الدائم بالحرب الأهلية، على وقع الشعارات الطائفية التي يطلقها أنصارهم.

في العراق وصل الأمر إلى تنفيذ عشرات الاغتيالات للناشطين، ومئات عمليات الخطف التي انتهى بعضها إلى قتل المختطفين.

في لبنان حصلت بعض عمليات الخطف التي انتهت بالتعنيف والتهديد، في مشهدية أطلق عليها تسمية "السحسوح"، حيث كان هناك ما قبل "السحسوح" وما بعده.

ومن أسلحة قوى السلطة كانت الاختراقات لمجموعات المنتفضين، إما بأفراد أو حتى بمجموعات، كان دورها إنتاج ووضع العراقيل أمام احتمالات إنتاج قوى سياسية وطنية جديدة، يمكن لها أن تعدل ميزان القوى السياسي في البلاد. كما كانت محاولات بعض قوى السلطة للركوب على الانتفاضة واستخدام اندفاعاتها في تعديل ميزان القوى بينها وبين باقي قوى السلطة.

 هذا، إلى جانب التنوع الكبير الذي احتشد في الساحات والشوارع، أعاق، بل أخّر حتى الآن إنتاج تلك القوى، وسهّل على قوى السلطة إعادة السيطرة على الموقف. وهنا بات من الصعب على الانتفاضة أن تنتزع المزيد من أتباع تلك القوى، بل على الحفاظ بين صفوفها على أولئك الذين سبق أن حررتهم منها. رغم التفاقم المستمر للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، انهيار تام للقطاعات الخدمية وافتضاح عمليات النهب المتواصلة لموارد البلاد وحتى للمساعدات الخارجية الشحيحة التي وصلت وقد تصل، وعلى الرغم من الجريمة الكبرى المفضوحة التي أصابت اللبنانيين في الرابع من آب في تفجير المرفأ، وما اتضح حول أسبابه ومسببيه، وكذلك ترك المفجوعين يلملمون أشلاءهم وحدهم... وبالرغم من انعدام الوضوح والشفافية في التحقيقات القضائية التي تجرى بشأنه بعد قرابة عشرة أسابيع من الكارثة التي أحدثها.

انتفاضة 17 تشرين في لبنان انتهت، إنما لوحاتها الأكثر إشراقاً وتفانياً وجرأة، والتي هشّمت هالات القداسة عن زعماء مافيا الطوائف ومليشياتها، أضافت الى نضالات الشعب اللبناني مداميك لا بد أن يكون لها دور كبير في مستقبل هذا البلد

انغلاق آفاق التغيير بعد أن شرعتها على مصاريعها انتفاضتا تشرين في العراق وفي لبنان، دفع أعداداً متزايدة من الناشطين الفاعلين إلى الهجرة، وهذا مثّل ضربة قوية إضافية للانتفاضتين. في حين يعيد ائتلاف المافيات المسيطرة إنتاج نظام سيطرته على البلاد بعمليات التفافية، بدأت بإسقاط حكومة من هنا والتفاوض بين القوى نفسها على تشكيل حكومة من هناك... بينما تدخل الانتفاضة الشعبية في نفق التجاذب والإحباط، بعد أن ضربها التشرذم وأضعفتها المناطقية والتردد.

وبالتالي، لم يعد متوقعاً، في المدى المنظور ومن ضمن الستاتيكو القائم، أية إمكانية لكسر هذه الحلقة الجهنمية المستحكمة، بدون عمل ثوري استثنائي بكل المقاييس وعلى مختلف المستويات: شعبياً وتنظيمياً وسياسياً، وبعيداً عن أي مراهنة على أي تدخلات خارجية، أو على أيٍّ من المؤسسات القائمة، بما في ذلك الجيش والأمن والقضاء وخصوصاً الإعلام.

انتفاضة 17 تشرين في لبنان انتهت، إنما لوحاتها الأكثر إشراقاً وتفانياً وجرأة، والتي هشّمت هالات القداسة عن زعماء مافيا الطوائف ومليشياتها، أضافت الى نضالات الشعب اللبناني مداميك لا بد أن يكون لها دور كبير في مستقبل هذا البلد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard