كيف يؤثر سرطان الثدي على إحساس بعض النساء بهويتهنّ الأنثوية ورغبتهنّ الجنسية؟

الخميس 29 أكتوبر 202004:27 م

بالرغم من التقدم الطبي الكبير، إلا أن مرض السرطان، لا يزال يكتنفه الغموض وتحيط به جدران من الصمت المطبق، فلا يكون الحديث عنه إلا بالهمس والغمز والنظرات الفضولية التي تحمل في طياتها أسئلة كثيرة من دون وجود أجوبة شافية، فكيف إذا فتك السرطان بجزء مكشوف من جسد المرأة، وتحديداً الثدي؟

صورة الجسد والهوية الأنثوية

تعاني النساء المصابات بسرطان الثدي من مشاكل جسدية عديدة نتيجة التغييرات الكثيرة التي قد تطرأ على أجسامهنّ، وما يزيد الأمور سوءاً هو غياب الدعم الاجتماعي والوصمة المرتبطة بمثل هذا النوع من الأمراض، فبغض النظر عمّا إذا كانت السيدة قد خضعت لعملية استئصال الثدي أم لا، فتلاحقها الوصمة نفسها، وتشعر بأنها وحيدة في معركتها مع المرض، وعرضة للأحكام المسبقة حتى من أقرب المقربين منها، وكلها عوامل تؤثر سلباً على حالتها الصحية وعلى تقدمها في الشفاء، بخاصة حين تكون ثقتها بنفسها معدومة، أو تنظر إلى جسدها بعيون مهتزة وقلقة.

"بالنسبة للنساء المصابات بسرطان الثدي، هناك طبقة إضافية حول كيفية نظرتهنّ لهويتهنّ الأنثوية، والتعامل المحتمل مع التغييرات التي تطرأ على ذلك"

في الواقع، تعد اضطرابات صورة الجسد واحدة من أهم المشاكل النفسية التي تعاني منها النساء المصابات بسرطان الثدي، والمقصود بصورة الجسد هي التصورات والأفكار والمشاعر التي لدى كل فرد حول جسده، مظهره، حياته الجنسية، حالته الصحية وأدائه البدني.

إلى جانب الضغط العاطفي الذي يمكن أن يسببه السرطان وعلاجه، تجد العديد من النساء المصابات بسرطان الثدي أنفسهن أيضاً مجبرات على التأقلم مع التغيرات في مظهرهنّ نتيجة العلاج، وبالرغم من أن بعض التغييرات قد تكون قصيرة المدى، مثل تساقط الشعر، إلا أنه يمكن أن يكون لها تأثير عميق على شعور المرأة تجاه نفسها.

أما عندما يكون هناك تغييرات أكثر ديمومة، مثل فقدان جزء أو كل الثدي بعد الجراحة، قد يكون الخيار المتاح أمام بعض النساء هو إجراء جراحة ثدي ترميمية لاستعادة مظهرهنّ السابق وثقتهنّ بأنفسهنّ، بحيث يرتبط سرطان الثدي إلى حدّ كبير بالتغيير الذي يطرأ على نظرة المرأة إلى صورة جسمها، بالإضافة إلى تأثير المرض على الرغبة الجنسية والرضا عن الأداء الجنسي.

التأثير على الرغبة الجنسية

قد يكون لدى المرأة المصابة بسرطان الثدي مخاوف كثيرة، ومن بينها كيفية استعادة النشاط الجنسي، إذ يمكن للتغييرات الجسدية، بما في ذلك خسارة أو زيادة الوزن، تساقط الشعر واستئصال الثدي، أن تجعل بعض النساء أقل راحة مع أجسادهنّ، وقد يكون هناك فقدان للإحساس في الثدي المصاب، كما أن العلاجات الأخرى لسرطان الثدي يمكن أن تغير مستويات الهرمونات لدى النساء، وقد تؤثر على اهتماماتنّ الجنسية ومدى استجابتهنّ للعلاقة الحميمة مع الشريك.

في هذا الصدد، كشفت بعض النساء اللواتي يعانين من تأثيرات أكثر جوهرية على حياتهن الجنسية وعلاقاتهن الحميمة، عن اهتزاز هويتهنّ أو صورتهنّ الجسدية، بالإضافة إلى الألم الجسدي أو الانزعاج النفسي اللذين يشعرن به أثناء العلاقة الحميمة.

وفي حين تعاني بعض النساء من فقدان الاهتمام بالجنس بسبب الإرهاق الناجم عن فترة العلاج الطويلة، تلاحظ نساء أخريات مدى التغيرات في الطريقة التي يشعرن بها تجاه أنفسهن أو حياتهن الجنسية مع الشريك، إذ يؤدي أحياناً فقدان أحد الثديين أو كليهما والندوب المتبقية، إلى شعور المرأة بفقدان أنوثتها، كما أن الآثار الجانبية للعلاج تساهم بشكل كبير في الخلل الوظيفي الجنسي لدى المرأة المصابة بسرطان الثدي، وتؤثر سلباً على رغبتها الجنسية.

في هذا الصدد، كشفت الدكتورة كريستين كاربنتر، مديرة الصحة السلوكية للمرأة والمتخصصة في علم النفس في جامعة ولاية أوهايو، أنه من الشائع جداً أن تفقد المرأة المصابة بسرطان الثدي الدافع الجنسي أثناء العلاج، بخاصة وأنها لا تتعامل فقط مع الآثار الجسدية المحتملة، مثل الغثيان، التعب وآلام العضلات، ولكن هناك أيضاً عنصراً عاطفياً يمكن أن يؤثر سلباً على الرغبة الجنسية لديها.

وأوضحت كاربنتر أن "صراعات الصحة الجنسية طبيعية أثناء أي نوع من أنواع علاج السرطان، بخاصة وأن الناس يبدؤون بالضغط على أنفسهم بشأن ما يريدونه وما ينبغي عليهم فعله"، وأضافت قائلة: "بالنسبة للنساء المصابات بسرطان الثدي، هناك طبقة إضافية حول كيفية نظرتهنّ لهويتهنّ الأنثوية، والتعامل المحتمل مع التغييرات التي تطرأ على ذلك".

على الرغم من أنه قد يكون من المغري الضغط ببساطة على زر "التوقف عن الجنس" حتى الانتهاء من مرحلة العلاج، إلا أن هناك بعض الفوائد التي يمكن أن تجنيها النساء المصابات بسرطان الثدي من الحفاظ على صحتهنّ الجنسية أثناء هذه الفترة الصعبة. فالهوية الجنسية، بحسب كاربنتر، هي جزء مما هي عليه المرأة وكيف تنظر إلى نفسها، وهو جانب مهم، لكي ترى نفسها كشخص جذاب ونابض بالحياة: "مجرد الاستفادة من هذه الهوية يمكن أن يكون مفيداً لها لكي تتذكر أنها ليست السرطان نفسه"، على حدّ قول كريستين، مضيفة بأن هناك ما هو أكثر بكثير من التشخيص والعلاج، وهي الهوية الجنسية التي تشكل جزءاً من تلك الطبقات المتعددة.

التخبط النفسي

لا شك أن تعلّم المرأة أن تكون مرتاحة مع جسمها ونفسها، أثناء وبعد العلاج من سرطان الثدي، هي رحلة شخصية تختلف من سيدة إلى أخرى، ويبقى الأهم أن تتسلح بالدعم النفسي لكي تتجاوز هذه المرحلة الصعبة من حياتها.

استهلت الأخصائية في علم النفس لولوا كالويروس، حديثها لموقع رصيف22 بالقول إن التركيز على الحالة السرطانية بحدّ ذاتها هي مشكلة نفسية ووجودية كبيرة، بحيث يعاني الشخص المصاب بالسرطان من صراع نفسي كبير: "أي شخص مصاب بهذا المرض سيمر بمشاكل وأفكار وأسئلة وجودية تتخبط في رأسه، كأن يسأل نفسه: لماذا أنا؟ متى ستكون النهاية...؟".

استئصال الثدي يشكل لدى العديد من السيدات "عقدة نقص" ويخلق عائقاً بعلاقاتها الجنسية

من هنا أكدت لولوا أنه وبغض النظر عن العلاجات وأعبائها النفسية والجسدية والاجتماعية والاقتصادية، فإن وقع المرض قوي ويفرض ثقلاً نفسياً كبيراً، بخاصة وأن هذه الحالة المرضية مرتبطة إلى حدّ كبير بفكرة الموت: "سواء كان كيميائياً أو إشعاعياً أو هرمونياً، فإن العلاج متعب ومرهق جسدياً ونفسياً، ومش حبة دواء والحياة بتكفي".

ولفتت كالويروس إلى أن سرطان الثدي ليس المرض الوحيد الذي يصيب المرأة بشكل خاص، فهناك سرطان المثانة وسرطان الرحم وغيرهما من الأمراض التي لها علاقة بالأعضاء التناسلية عند المرأة، والتي تشكل عبئاً كبيراً على هوية الأنثى، شارحة ذلك بالقول: "بمجرد أن يكون هناك أمر له علاقة بعملية الإنجاب والصورة الكونية للحياة، فهذا كفيل بخلق عبء نفسي وقتل للهوية التطورية، بخاصة عندما يطال السرطان نساء في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات من عمرهنّ، أي بعز عطائهنّ الجسدي والإنساني والجنسي، فتجد كل شابة نفسها أمام سلسلة من الأسئلة التي تشغل بالها، سواء كان ذلك في الوعي أو اللاوعي: هل سأتمكن من إنجاب الأطفال؟ هل لا زلت (امرأة كاملة) من مفهوم الإنجاب والخصوبة؟".

وعن السبب الذي جعل سرطان الثدي يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام المجتمع، قالت لولوا: "المجتمعات الحديثة أعطت أهمية للأعضاء الظاهرة في جسد المرأة والتي تمثل أنوثتها الجنسية، على غرار الشفاه والخدود، وبطبيعة الحال الثدي، الذي تنظر إليه مختلف المجتمعات على أنه جزء من جمال المرأة وهويتها وجاذبيتها ورمز للهوية الجنسية".

وأوضحت كالويروس أن المرأة التي تصاب بسرطان الثدي لا تستطيع في معظم الأحيان إخفاء الموضوع، لأن الثدي هو جزء ظاهر بعكس أعضاء أخرى في الجسد، الأمر الذي يجعل المعاناة أكبر وأصعب: "قد تستأصل المرأة الرحم من دون أن يعرف أحد بذلك، ولكنها لن تستطيع أن تخفي عملية استئصال الثدي"، وتابعت بالقول: "عندما تتم إزالة أعضاء لا نراها بالعين المجردة، مثل الكلى أو الرحم أو أي عضو داخلي، وبالرغم من كل الألم والتعب والعلاجات، فإن المرء قادر على النسيان بسهولة، لأنه ببساطة لن ينظر مثلاً إلى جسمه ويقول: أين هي الكلية الثانية؟ في حين أن الثدي جزء ظاهر تراه المرأة كل يوم، أمام المرآة وتحت الدوش وعند ارتداء الملابس".

وتحدثت لولوا عن تخبط المرأة المصابة بسرطان الثدي مع هويتها الجسدية الجديدة: "تتربى المرأة في مجتمعاتنا على فكرة أن جسمها هو هويتها، وبالتالي عندما تكتشف أنها مصابة بسرطان الثدي في (خبطة) لهويتها الجسدية يلي بتظهرها للمجتمع، بخاصة وأنو استئصال الثدي بالكامل فيه خسارة، وكأنو عم نمحيلها هويتها ونجردها من الدور يلي بتلعبو بالتاريخ البشري".

من التشخيص للعلاج وصولاً للجراحة، تعاني المصابات بسرطان الثدي من القلق والتوتر والكآبة، وكلها عوامل تؤدي لعرقلة الأحاسيس الجنسية.

في هذا الصدد، شددت كالويروس على أن هؤلاء النساء يجدن صعوبة في التكيف مع فكرة السرطان والعلاج، ويتخبطن بهويتهنّ الجسدية والاجتماعية والجنسية، بخاصة وأن البعض منهنّ يشعر بفقدان الرغبة الجنسية والخوف من الظهور بجسد جديد أمام الشريك: "السرطان بيكسر من صورة المرأة لنفسها وبيخلق صعوبة بأنو تشارك بالعملية الجنسية برغبة، يعني قديه هيي حاضرة تتعرى وتظهر حقيقة الوضع يلي صارت فيه"، مضيفة بأن استئصال الثدي يشكل لدى العديد من السيدات "عقدة نقص" ويخلق عائقاً بعلاقاتها الجنسية، بغض النظر عمّا إذا كان الشخص الآخر متقبلاً أو مسانداً وداعماً لها أم لا.

إذن من المهم، بحسب لولوا، أن يكون هناك متابعة نفسية عميقة لتحصين المرأة المصابة بسرطان الثدي، ومساعدتها على التعاطي مع التغييرات الجذرية التي تحدث لها: "مع المتابعة النفسية يصبح التجاوب مع العلاج الطبي أقوى وتكون الرغبة بالحياة أفضل، بالإضافة إلى إفساح المجال للتعبير عن المشاعر والمخاوف. يعني وقت المرأة تجي تقول أنا كيف بدي كون عم بمارس الجنس من دون صدر، يمكن المقربين منها ما يتفهموها، بس هيدا حقها، وحقها تخاف وتتفاعل مع الموضوع، والسؤال الأهم هو قديه قادرة تكون حالها بهيدي المشاركة بالعملية الجنسية؟".

وفي حين أن العلاقة الجنسية يجب أن تكون مبنية على الثقة بالنفس، أكدت كالويروس أن المرأة المصابة بالسرطان والتي لديها ضعف في قيمتها الذاتية وفي ثقتها بنفسها، سوف تترجم تغاضي شريكها عن حالتها كأنه رفض لها، ما سيجعلها تعيش في قلق وخوف ينعكسان سلباً على رغبتها الجنسية: "القلق والكآبة بيخلقوا حاجز لأي شعور أو أحاسيس جنسية، فبصير في نوع من التخدير للجسم، يعني غياب أي تفاعل مع الشريك".

"تتربى المرأة في مجتمعاتنا على فكرة أن جسمها هو هويتها، وبالتالي عندما تكتشف أنها مصابة بسرطان الثدي في (خبطة) لهويتها الجسدية"

من هنا نصحت كالويروس الثنائي بالخضوع سوياً لمتابعة نفسية من أجل تقبل حياتهما الجديدة: "لازم التركيز ما يكون بس على الفحوصات السريرية ونلاقي المرض ونعالجه بس، يكون التركيز أكتر على المرأة المعنية ككيان إنساني وككتلة مشاعر، بخاصة وأنو المرض رح يترك أثر طويل الأمد عليها، حتى لو شفيت بدها تتابع علاجات هرمونية لتتفادى يعاودها المرض، والمهم نبحث بآثار العلاجات الهرمونية على حياتها الجنسية وعلى شعورها بالاكتفاء".

وفي ختام حديثها، شددت لولوا كالويروس على ضرورة أن يكون هناك تشارك في الخبرات مع نساء أخريات عانين من وضع صحي مشابه، وتمكنّ في نهاية المطاف من التغلب على سرطان الثدي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard