في مسائل كالقتل والزنا والسرقة... ما هي الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية؟

الاثنين 9 نوفمبر 202012:37 م

من بين الملاحظات المهمة المعروفة لدى قطاع عريض من الباحثين المتخصصين في تاريخ منطقة الشرق الأدنى القديم، وجود تشابه كبير في الكثير من المسائل القانونية والتشريعية التي عرفتها حضارات وادي الرافدين ومصر وبني إسرائيل وشبه الجزيرة العربية في عصرها الجاهلي، وهو الأمر الذي وضحت آثاره لاحقاً في الشريعة الإسلامية.

هذه الظاهرة يمكن تفسيرها بطريقتين. الأولى تاريخية مادية، يقول أصحابها إن تشابه الظروف الاقتصادية والبيئية وتقارب أنماط الإنتاج في مختلف أنحاء الشرق الأدنى تسبّب في تشابه القوانين والعقوبات في ما بينها وبين بعضها البعض، والثانية تميل للتفسير الديني الغيبي، فيذهب أصحابها إلى القول إن الشرق الأدنى القديم كان ميداناً لنزول الرسالات السماوية المتعاقبة، وعليه من الطبيعي أن تتشابه الشرائع والقوانين كونها ذات مصدر إلهي واحد.

منظومات تشريعية سبقت الشريعة الإسلامية

عرف الشرق الأدنى القديم العديد من المنظومات التشريعية والقانونية في مراكزه الحضارية المختلفة، ومن أهمها تلك التي ظهرت في كل من بلاد الرافدين ومصر وفلسطين وشبه الجزيرة العربية.

من أقدم التشريعات التي ظهرت في بلاد الرافدين، تشريع أورنمو الذي أصدره الملك السومري أورنمو، وتشريع إشنونا الذي دُوّن باللغة الأكادية، وتشريع أيسن الذي كُتب في عهد الملك لبت عشتار في منتصف القرن التاسع عشر قبل الميلاد، أما أشهر التشريعات القانونية في بلاد الرافدين، فكان تشريع حمورابي الذي يعود للقرن الثامن عشر قبل الميلاد، ويُنسب لحمورابي سادس ملوك البابليين.

احتوت تشريعات حمورابي على 282 مادة قانونية عالجت جوانب حياتية متنوعة، فقدمت صورة كاملة وواضحة للأبعاد التاريخية للقانون والتشريع في العراق القديم، وذلك حسب ما يذكر الباحث المصري الدكتور سعيد عطية علي مطاوع في كتابه "القصاص في اليهودية والإسلام".

أما في مصر، فظهرت المنظومة القانونية التشريعية بالتزامن مع توحيد البلاد في عهد نارمر، وتميزت تلك المنظومة بدمجها بين العقوبات المادية والمعنوية إلى حد كبير.

في فلسطين، عرف بنو إسرائيل القانون من خلال الشريعة أو الهلاخا الواردة في أسفار التناخ المقدسة الخمسة، لا سيما أسفار الخروج والعدد والتثنية التي تُنسب عادةً للنبي موسى، وإن مال الكثير من الباحثين إلى أن ما ورد في تلك الأسفار من مواد قانونية، ومنها الوصايا العشر على وجه الخصوص، اقتبسه العبرانيون من أهل العراق أثناء فترة السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد، وذلك حسب ما يذكر جيمس فريزر في كتابه "الفولكلور في العهد القديم".

تشريعات في بلاد الرافدين كأورنمو وحمورابي، وتشريعات في مصر تزامنت مع توحيد البلاد في عهد نارمر، وأخرى عرفها بنو إسرائيل كالهلاخاه وأعراف كرستها القبائل العربية... منظومات قانونية/ عرفية أثرت في تأسيس المنظومة القانونية الإسلامية التي عُرفت باسمها الأكثر شهرة: الشريعة

أما في شبه الجزيرة العربية، فعرفت القبائل العربية مجموعات متباينة من الأعراف المجتمعية، والتي اكتسبت بفعل قدمها واحترامها نوعاً من أنواع الصياغة القانونية التي تماهت مع السلطة البطريركية المشيخية القائمة في شتى نواحي بلاد العرب.

يمكن القول إن تلك المنظومات القانونية/ العرفية كانت الأكثر تأثيراً في تأسيس المنظومة القانونية الإسلامية وتشكيلها في ما بعد، وهي المنظومة التي عُرفت باسمها الأكثر شهرة: الشريعة.

القتل

اتفقت جميع التشريعات القانونية على تحريم القتل وإزهاق الأرواح، وإن تعددت سبل العقوبة من حضارة إلى أخرى، بما يتفق مع الأسس والأعراف المجتمعية السائدة في كل مكان.

في ما يخص تشريعات حمورابي، فقد حرمت القتل بشكل قاطع، واعتمدت قانون "العين بالعين والسن بالسن" لتطبيق القصاص العادل على الجاني، ولكنها مع ذلك وضعت في حسبانها الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها كل من القاتل والمقتول، ففي حين نصت المادة رقم 196 على أنه "إذا أفسد شريف عين شريف آخر فليفسدوا عينه، وإذا كسر عظم شريف أخر فليكسروا عظمه"، نصت المادة رقم 198 على أنه "إذا أفسد عين رجل من العامة أو كسر عظمه، فليدفع منا –عملة نقدية- من الفضة".

بحسب ما يذكر عطية في كتابه سابق الذكر، ظهر الطابع البطريركي الذكوري بشكل واضح في تشريعات حمورابي، في مجموعة من العقوبات التي تضمنت أحكام بالإعدام أو بتر الأعضاء، ومنها قطع يد الرجل الذي ضرب أباه، وإعدام الرجل الذي يجبن في ميدان القتال وقتل من يأوي العبد الهارب.

في مصر القديمة، لم تضع المنظومة العقابية وزناً للطبقة الاجتماعية، إذ حُكم بالإعدام على القاتل سواء كان حراً أم عبداً، وطُبقت بعض العقوبات ذات البعد المعنوي في بعض الأحيان، إذ حُكم بالحرق حياً على الأبناء الذين يقتلون الآباء، فيما حُكم بأن يقوم الأب الذي يقتل ابنه باحتضان جثمان المتوفى لمدة ثلاثة أيام وثلاثة ليالي كاملة، ليشعر بالألم النفسي، وذلك وفق ما يذكر عطية في كتابه.

في الشريعة اليهودية، جرى التأكيد على ضرورة القصاص من القاتل بقتله، إذ ورد في سفر التكوين "سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان"، كما ورد في الوصية السادسة من سفر التكوين "لا تقتل".

بحسب التشريعات اليهودية، لا يجوز التصالح مع القاتل، ولا يمكن قبول الدية منه، بل يجب سفك دمه إن شهد عليه شاهدان أو أكثر، ويكون ولي الدم هو المطالب بالقصاص، ويستثنى من ذلك حالة القتل الخطأ التي سمحت فيها الشريعة اليهودية بهروب القاتل إلى إحدى المدن المحددة، حيث تجري محاكمته، فإذا ثبتت براءته من تهمة القتل العمد، أُبيح له وقتها أن يعيش في تلك المدينة لما تبقى من عمره دون أن يتعرض له أهل القتيل بأي سوء أو أذى.

حرّم التوراة العقوبات البديلة التي كانت شائعة في الهلال الخصيب، والتي تقضي بأنه إذا قتل رجل ابنة رجل آخر مثلاً، فإن والد القتيلة يقوم بقتل ابنة القاتل، إذ ورد في سفر التثنية "لا يُقتل الآباء عن الأولاد، ولا يُقتل الأولاد عن الآباء، كل إنسان بخطيئته يُقتل".

إحدى التشريعات العبرانية المهمة في ما يخص جريمة القتل، كانت تلك التي ذكرها سفر التثنية تحت مسمى "طقس العِجلة مكسورة العنق"، والتي تنص على أنه في حالة العثور على قتيل في أرض ما، فإن شيوخ المدينة القريبة من تلك الأرض يقتادون عِجلة من البقر التي لم تُستغل من قبل في أعمال الحرث والزراعة إلى أرض غير مزروعة، ويكسرون عنقها، ثم يغسلون أيديهم فوقها ويصرخون قائلين "أيدينا لم تسفك هذا الدم، وأعيننا لم تبصر".

انتقل هذا الطقس إلى القبائل العربية الجاهلية فطبقوه تحت مسمى القسامة، إذ اعتاد العرب إذا وجدوا قتيلاً ما أن يجتمع خمسون من أهل المكان الذي وجدت بقربه الجثة، فيحلفون بأنهم ما قتلوه ولا عرفوا من قتله، ثم يُحكم بالدية على أهل المكان جميعاً، وذلك حسب ما يذكر الباحث المصري خليل عبد الكريم في كتابه "الجذور التاريخية للشريعة الإسلامية".

وأقر الإسلام بدوره القسامة، إذ أخرج كل من مسلم والنسائي أن الرسول أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر، وظل مقدار الدية مائة من الإبل ثابتاً في كل من الجاهلية والإسلام.

تشابهت كذلك التشريعات العرفية بين الجاهلية والإسلام في إقرار مبدأ القصاص من القاتل، وأعطت ولي الدم السلطة في تنفيذ العقوبة، ومع ذلك فتح الإسلام الباب واسعاً أمام الصفح والعفو وقبول الدية، إذ ورد في سورة البقرة: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ".

الزنا

من المعروف أن المجتمعات البدائية كانت مجتمعات متريركية بامتياز، بمعنى أن الأسرة كانت تتمحور حول الأم بالأساس، إذ كان الأبناء يتخذون لقب الأم، كما كان الإرث ينتقل من خلال الأنثى لا الذكر.

مع تحول تلك المجتمعات إلى الصورة البطريركية والأبوية، صار الأب هو محور الأسرة، وصار من الطبيعي أن يحرص الأب على نقل ميراثه ولقبه لأبنائه من صلبه، ومن هنا كان الحرص على التأكد من سلامة نسب الأبناء إلى أبيهم. في هذا السياق، تم رفض الزنا، وجرى التأكيد على ضرورة ممارسة العملية الجنسية في إطار علاقة مجتمعية تحظى بالقبول العرفي، وهي علاقة الزواج، وتم تجريم وتحريم أي ممارسة جنسية تتم خارج هذا الإطار، وهو الأمر الذي اتفقت عليه الأغلبية الغالبة من القوانين والتشريعات المعروفة والمتداولة في العالم القديم.

في ما يخص قوانين حمورابي، فقد رفضت الزنا بشكل قاطع، إذ ورد في القانون رقم 129 أنه "إذا تم القبض على زوجة رجل في علاقة مع رجل آخر، يجب ربطها ورميها في المياه. ويمكن للزوج إنقاذ زوجته، كما يمكن للملك أن ينقذ خادمه". وفي السياق نفسه، أقرت القوانين في مصر القديمة عقوبة الإعدام حرقاً، وقطع العضو التناسلي والإخصاء، عقوبةً لجريمة الزنا، حسب ما ورد في وصايا بتاح حتب وتعاليم الحكيم آني.

ظهر هذا التجريم بشكل أكثر بروزاً في العهد القديم في الكثير من المواضع، مثل النهي عن الزنا بـ"لا تزن" في الوصية السابعة من الوصايا العشر التي أنزلت على موسى بحسب الاعتقاد اليهودي التقليدي، كما في سفر اللاويين "وَإِذَا زَنَى رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ"، وورد أيضاً "وَإِذَا تَدَنَّسَتِ ابْنَةُ كَاهِنٍ بِالزِّنَى فَقَدْ دَنَّسَتْ أَبَاهَا. بِالنَّارِ تُحْرَقُ".

أما في المجتمع الجاهلي في شبه الجزيرة العربية، فنُظر إلى الزنا على أنه أحد المحرمات التي تخل بشرف الإنسان إن اقترفها، ومع ذلك، يبدو أن الكثير من "الإماء" كن يمارسن هذا الفعل بعكس "الحرائر" اللواتي كان من المشين تماماً وقوعهن في تلك المعصية، وهي الصورة التي يمكن أن نفهمها من رد هند بنت عتبة على الرسول عند إسلامها بالقول: "وهل تزني الحرة؟!"، حسب ما يذكر الطبري في تاريخه.

في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، عمل المؤرخ العراقي جواد علي على شرح تلك النقطة، فقال: "الزنا الذي يعاقب عليه الجاهليون، هو زنا المرأة المحصنة من رجل غريب بغير علم زوجها، وهو خيانة وغدر. أما زنا الإماء فلا يعدّ عيباً إذا كان بعلم مالكهن وبأمره".

ورغم الاتفاق على حرمة الزنا في الجاهلية، اختلفت صور العقاب على الزناة بحسب الأعراف القبلية المُتبعة عند كل قبيلة. في بعض الأحيان، كان يتم تغريب الزاني ونفيه، وفي أحيان أخرى كان يتم رجمه، وقد قيل إن أول من رُجم في الزنا في الجاهلية ربيع بن حدان، حسب القلقشندي في كتابه "صبح الأعشى في صناعة الإنشاء".

الإسلام بدوره حرّم الزنا، وحدد القرآن الجلد عقوبة له، بحسب ما ورد في الآية الثانية من سورة النور: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ".

كذلك ساير الإسلام القوانين الجاهلية الشائعة التي تفرق بين الحرة والأمة، وهو ما يظهر في الآية 25 من سورة النساء "فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ"، والتي تقضي بأن تكون عقوبة الأمة نصف عقوبة الحرة.

يلاحظ باحثون متخصصون في تاريخ منطقة الشرق الأدنى القديم وجود تشابه كبير في مسائل قانونية وتشريعية عرفتها حضارات وادي الرافدين ومصر وبني إسرائيل وشبه الجزيرة العربية في عصرها الجاهلي، وضحت آثاره لاحقاً في الشريعة الإسلامية خاصة في مسائل كالقتل والزنا والسرقة

عقوبة الجلد، ورغم كونها العقوبة الوحيدة المذكورة في القرآن الكريم، رافقتها عقوبة أخرى للمحصنين من الرجال والنساء، وهي عقوبة الرجم، إذ ورد في صحيح البخاري على لسان الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قوله إن القرآن كان فيه آية خاصة لإقرار عقوبة الرجم، وهي "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم"، وهي الآية التي جرى نسخ نصها والإبقاء على حكمها، بحسب ما تتفق عليه الأغلبية الغالبة من العلماء المسلمين عبر التاريخ.

رغم ما تقدم، تجدر الإشارة إلى أن طوائف من الخوارج والمعتزلة خالفت القول بحكم الرجم، وذكرها ابن عبد البر في كتابه التمهيد بقوله: "أما أهل البدع من الخوارج والمعتزلة فلا يرون الرجم على أحد من الزناة ثيباً كان أو غير ثيب، وإنما حد الزناة عندهم الجلد".

السرقة

اتفقت التشريعات القانونية السائدة في العالم القديم على ضرورة الحفاظ على حق الملكية، سواء كانت خاصة أو عامة، وعلى فرض عقوبات مختلفة بحق من يقوم بالسطو على أملاك غيره، ويمكن القول إن تلك النقطة تحديداً كانت واحدة من أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق الدولة.

في قوانين حمورابي، نصت المادة رقم 22 على إنه "إذا سيد قام بالسرقة، وقبض عليه في أثنائها فإنه يعدم"، فيما تحدثت المادة رقم 23 عن مسؤولية الدولة تجاه الضحية، وعن ضرورة تعويضه بالقول: "إذا تعرض شخص للسرقة، ولم يتم القبض على السارق، فإن على الشخص الذي سرقت منه حاجياته أن يعلن رسمياً عما سُرق منه أمام الإله، وحينئذ على المدينة أو الحاكم في المنطقة التي ارتكبت فيها السرقة أن يعوض الشخص المسروق عن كل ما سرق منه".

في مصر القديمة، جرى التأكيد أيضاً على حرمة السرقة، إذ أُلزم السارق بدفع مبالغ مضاعفة لما سرقه، كما كان يُحكم عليه بالضرب والعقوبة البدنية في بعض الأحيان، أما لو كانت السرقة قد وقعت في المعبد أو في القصور الملكية، كان يُحكم على السارق حينذاك بالإعدام.

أما في الشريعة الموسوية، فحرّم النص صراحة السرقة، بما ورد في الوصية الثامنة من الوصايا العشر "لا تَسْرِقْ"، وفصلت عقوبة السرقة في سفر الخروج بحسب المسروق نفسه، حيث تحدث الإصحاح الحادي والعشرين عن حالة سرقة إنسان حر "وَمَنْ سَرَقَ إِنْسَانًا وَبَاعَهُ، أَوْ وُجِدَ فِي يَدِهِ، يُقْتَلُ قَتْلاً"، أما الإصحاح الثاني والعشرون فتناول حالة سرقة حيوان "إِذَا سَرَقَ إِنْسَانٌ ثَوْرًا أَوْ شَاةً فَذَبَحَهُ أَوْ بَاعَهُ، يُعَوِّضُ عَنِ الثَّوْرِ بِخَمْسَةِ ثِيرَانٍ، وَعَنِ الشَّاةِ بِأَرْبَعَةٍ مِنَ الْغَنَمِ. 2 إِنْ وُجِدَ السَّارِقُ وَهُوَ يَنْقُبُ، فَضُرِبَ وَمَاتَ، فَلَيْسَ لَهُ دَمٌ"، وهو ما يعني أن عقوبة السرقة في العهد القديم تراوحت ما بين التعويض المادي والقتل.

في الجاهلية، عرف العرب قطع اليد كعقوبة للسارق، وبحسب ما يذكر عبد الكريم في كتابه سابق الذكر، فإن جد الرسول عبد المطلب بن هشام أمر بقطع يد السارق في بعض المواقف، أما القرطبي فذكر في تفسيره أن "أوَّلُ مَنْ حَكَمَ بِقَطْعِ يد السارق فِي الْجَاهِلِيَّة، كان الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ".

من أهم القصص التي ذكرت حكم قطع يد السارق في الجاهلية، ما ذكره كل من محمد بن حبيب البغدادي في كتابه "المنمق في أخبار قريش" والمسعودي في "مروج الذهب" عن أن مجموعة من سفهاء قريش، ومنهم أبو لهب بن عبد المطلب، سرقوا تمثالاً نفيساً في الكعبة، وهو المعروف باسم غزال الكعبة الذهبي، فحُكم بقطع أيديهم، ونُفذ الحد على بعضهم فيما منعت العصبيات القبلية القوية تنفيذ الحد على البعض الآخر.

الإسلام في الحقبة المدنية أقر حد قطع يد السارق، وذلك حسب ما ورد في الآية رقم 38 من سورة المائدة "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

وحدد الرسول مقدار السرقة التي ينفذ فيها حكم القطع، فقال بحسب ما يذكره البخاري في صحيحه "تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً"، ومع ذلك وضع الفقهاء مجموعة من الشروط التي يلزم توافرها قُبيل تنفيذ حد السرقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard