"أبنائي ينادونني باسمي لأني صغيرة"... سوريات يتحوّلن جدّات في عمر الثلاثين

الخميس 29 أكتوبر 202012:06 م
"زوّجت ابنتي بعد وفاة زوجي بعدة أشهر. اضطررت لذلك مع دمار بيتنا وانتقالنا لشقة صغيرة على أطراف دمشق. لم أعد قادرة على دفع بدل الإيجار، وأحتاج لرجل يقود زمام الأمور في بيتي، ولا أرغب بالارتباط مجدداً لأنني أريد تربية أطفالي، فكان زواج ابنتي خياري الوحيد"، تقول سعاد وهي تنتظر وصول الحافلة التي تقل حفيدتها ذات الأعوام الخمسة من المدرسة إلى البيت.

تقطن السيدة وعمرها خمسة وثلاثون عاماً مع طفليها في منزل ابنتها العشرينية لمى وزوجها ربيع وابنيهما، بحي المهاجرين بدمشق. عانت مرارة فقدان البيت والزوج خلال مدة زمنية قصيرة، ولا تعتقد بأن خيارها تزويج ابنتها كان خاطئاً، بل هي مقتنعة بأنها جنّبت العائلة الضياع، برغم أنها تحولت جدّة لديها حفيدان وهي لا تزال في عمر صغير.

تقول سعاد في حديث لرصيف22: "اشترطت على العريس أن أقطن معه في بيته أنا وأولادي، وأن يسمح للمى بالحصول على الشهادة الثانوية، فهي نالت الشهادة الإعدادية وكان مجموعها جيداً، وقد وافق على الشرطين".

سوريات كثر تحوّلن جدّات بعمر الثلاثين نتيجة زواج القاصرات

أما لمى وهي أم لطفلة في الخامسة وطفل في الثالثة فتقول: "طفلاي لا يناديانني ماما بل باسمي، ويحسبان أن أمي هي أمهما وأنني أختهما، فيتعاملان معي مثلما يتعاملان مع إخوتي وأنا أعاملهما بالمثل. أمي أخذت على عاتقها تربيتهما وإخوتي إلى جانب شؤون المنزل. لا تطلب مني إلا أن أبقى بحلة جميلة طوال اليوم، وأن أهتم بدراستي وأنجح".


بيت الزوجية أكثر أماناً!

حال فتحية كحال سعاد وشريحة لا يستهان بها من النساء السوريات، إذ أصحبت جدة وهي في عمر الثالثة والثلاثين.

تقول لرصيف22:" زوجت بناتي وهن في أعمار راوحت بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة لكي أطمئن عليهن، فبيت الزوجية يدوم أكثر من بيت الأهل، إلا أن الأعمار بيد الله. ترملت ابنتي الصغرى نور بعد سنتين من زواجها إثر وفاة زوجها أمامها بقذيفة هاون، وأنا اليوم أربي ابنتها، فهي صغيرة جداً ولا تعي شيئاً في هذه الحياة وقد تراجعت صحتها الجسدية والنفسية".

عانت نور حالة نفسية صعبة جداً وفق قول والدتها، بدءاً بإجبارها على ترك المدرسة عندما كانت في الصف الثامن الاعدادي، أي في عمر الثالثة عشرة، تمهيداً لتزويجها، وصولاً إلى حملها السريع وولادتها المتعسرة فوفاة زوجها، انتهاءً بالأعباء المتراكمة نتيجة وجود طفلة لا يعترف بها أهل والدها وما يرافق ذلك من صعوبة تأمين مستلزمات الحياة الأساسية، وهذا ما أشعر نور أنها عبء ثقيل على ذويها، وفق تعبيرها.

تساعد فتحية عدة سيدات في تحضير مؤونة الشتاء لمنازلهن وفي أعمال التنظيف وطهو المأكولات الصعبة مقابل أجر يومي.

تقول: "تزوجت صغيرة جداً ولا أعرف في هذه الحياة إلا أن أطبخ وأكنس وأمسح الغبار، ونور أيضاً غير قادرة على العمل لأنها لا تملك لا شهادة ولا حرفة. يا ليتني أكملت دراستي حتى الشهادة الثانوية، على الأقل كنت عملت سكرتيرة في عيادة طبيبة، لكني أعزي نفسي بأن العمل ليس عيباً مهما كانت طبيعته".


"طفلاي لا يناديانني ماما بل باسمي، ويحسبان أن أمي هي أمهما وأنني أختهما، فيتعاملان معي مثلما يتعاملان مع إخوتي وأنا أعاملهما بالمثل"

الجدات الصغيرات أكثر عرضة للكآبة

يرى الطبيب جلال شربا، وهو اختصاصي الصحة النفسية، أن من الأفضل للفتاة إتمام دراستها قبل الزواج، والفتاة العاقلة تختار أن تتزوج بعد بدء تجربة العمل وهذا ما يجعلها تنخرط في المجتمع، وعليه يكون اختيارها لشريكها أفضل من اختياره وهي على مقاعد الدراسة.

ويؤكد الطبيب في حديثه لرصيف22 أن من أخطر الآثار الاجتماعية والمادية للزواج المبكر انعدام قدرة الزوجين على إكمال تعليمهما، إضافة للأعباء المادية المترتبة على الزواج وإنجاب الأطفال، والأهم من كل هذا تأثيراته على الصحة النفسية للزوجة القاصر لأنها تزوجت في عمر صغير بدلاً من أن تكمل تعليمها وتدخل معترك الحياة وتكتسب الخبرات وتعيش عمرها مع صديقاتها، فتحملت أعباء الزواج والإنجاب والتربية في حين أنها بسنٍ تحتاج فيها للعناية والدعم والاهتمام.

إضافة لذلك، يشير شربا إلى أن النساء اللواتي يتزوجن باكراً ويصبحن جدات باكراً أيضاً أي في الثلاثين هن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، لأن السيدة التي ترى أحفادها وهي في هذا العمر ستشعر أنها شاخت مبكراً وتحملت أعباء كبيرة ولم تعش الحياة بشكل كامل بل أضاعت عمرها في تربية الأولاد والأحفاد، وبالتأكيد سينعكس ذلك على نفسيتها ورؤيتها للحياة وتقييمها لذاتها.

ويوضح أن الأعباء الملقاة على عاتق الأمهات القُصّر ثقيلة، فاكتمال بناء الشخصية والنضج الجسدي التام لا يمكن أن يتحققا في عمر الخامسة عشرة، وبناء الأسرة يتطلب الكثير من النضج النفسي والاجتماعي والفهم العقلاني والقدرة على التكيف مع الحياة الجديدة، وهذا يصعب تحقيقه قبل سن معينة. ويؤكد الطبيب أنه ضمن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الراهنة يصعب على فئة الشباب ممن هم في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة تحمل أعباء الحياة وبناء الأسر بشكل سليم وهذا يشمل الذكور والاناث.


حلم مؤجل سيتحقق بالأبناء

حرمت نسرين (30 عاماً) من حقها في التعلم كما حرمت نور، فأُرغمت أيضاً على الزواج بعمر الخامسة عشرة من شاب يكبرها بسبعة عشرة سنة. تروي لرصيف22 قصتها: "أنا أكبر إخوتي وأخواتي. أنجبت أمي تسعة أطفال، وفجأة وجدت نفسها وأبي غير قادرين على إعالة هذه العائلة الكبيرة مما دفع بهما لإخراج أخي من المدرسة وإرغامه على العمل في محل لتصليح السيارات، ولحق به بقية إخوتي تباعاً، وأرغماني على الزواج من رجل تقدم لخطبتي بالطريقة التقليدية، وكذلك كان مصير أخواتي، فكلنا تزوجنا قبل أن نصل للصف التاسع".

ككل الفتيات كانت نسرين تحلم بأن تكمل تعليمها، لكن قسوة والديها وظروف حياتهم الصعبة جعلتا من زواجها المبكر أمراً لا مفر منه. تقول: "أنا اليوم أم لصبية عمرها أربعة عشرة عاماً، ولو تركت الخيار لوالدها وجدّتها لكنت الآن جدة وأنا في الثلاثين. أحارب وأناضل ليل نهار كي يكمل أولادي وعلى رأسهم البنات كامل المراحل التعليمية. لن أرتاح قبل أن أعلق صورهم وهم بزي التخرج في إطارات مزركشة على حائط منزلي، كما أرى في المسلسلات".

النساء اللواتي يصبحن جدات باكراً هن أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب، لأن السيدة التي ترى أحفادها وهي في هذا العمر ستشعر أنها شاخت مبكراً وتحملت أعباء كبيرة ولم تعش الحياة بشكل كامل بل أضاعت عمرها في تربية الأولاد والأحفاد، وسينعكس ذلك على نفسيتها ورؤيتها للحياة وتقييمها لذاتها

قانون ولكن!

يشار إلى أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الزواج المبكر والعديد من القوانين التي يفترض أن تقف بوجهه وتحد منه، لكن العادات والتقاليد المرتبطة بالأمر تبدو راسخة جداً ومن الصعب تغييرها.

فإن أردنا الحديث عن الزواج المبكر ومدى علاقته بانتشار الأمية بين الأطفال، فالحرب في سوريا منعت ملايين الأطفال من التعليم، وحتى القانون الصادر عام 2012 والذي يلزم أولياء الأطفال بإلحاق أطفالهم بمدارس التعليم الأساسي مع توجيه إنذار لهم وإحالة قضاياهم للوزارة في حال عدم امتثالهم ليس له تطبيق فعلي على أرض الواقع حتى اليوم.

أما عن قانون الأحوال الشخصية فتحدثنا المحامية صبا محمد، فتقول إنه وضع حلاً غير ناجع في محاربة زواج القاصرات، إذ ترد إلى مكتبها عشرات حالات الزواج غير المثبت في المحكمة وتكون فيه العروس قاصراً وحاملاً أيضاً، "وهنا ما على القاضي إلا أن يثبت زواج هذين الزوجين، فالأعراف والعادات البالية هي التي تسيّر فئة كبيرة من المجتمع، والأمر لا ينحصر بالأرياف فقط كما قد تكون الفكرة الشائعة بل يتعداها إلى المدن الكبرى كدمشق وحلب ودرعا" وفق قولها.

وترى محمد أن على الوالدين الانصياع لقانون الأحوال الشخصية، والتوقف عن تزويج بناتهن تحت السن القانونية، أي ثمانية عشر عاماً، علماً أن قانون العقوبات أيضاً يعاقب بالحبس والغرامة كل من يعقد زواج قاصر بكر خارج المحكمة المختصة من دون موافقة من له الولاية على القاصر، وكل من يعقد زواج قاصر خارج المحكمة المختصة إذا تم عقد الزواج بموافقة الولي. وتضيف: "للأسف التجاوزات هنا موجودة على الدوام".

سعاد اليوم أم لخمسة أطفال ولا تعترف بأنها جدة، فبحسب تعبيرها إن كثيراً من الفتيات اللواتي في عمرها لم يتزوجن بعد. صديقات نور يحضرن أنفسهن لدخول الجامعة، في حين أن كل ما تفعله هو انتظار المساعدات من أهل الخير لتأمين تكاليف دخول ابنتها للمدرسة، ولم تتمكن من زيارة معالج نفسي لضيق الحالة الاقتصادية، فالزمن كفيل بمداواتها، كما قالت أمها.

أما نسرين فقد تخرجت قريناتها من الجامعة ودخلن سوق العمل وبدأت حياتهن الاجتماعية والأسرية منذ سنوات. تضيف ضاحكة: "أعطي الأوامر لجاراتي وصديقاتي ممن أنجبن حديثاً وأعلمهن كيف يتعاملن مع أطفالهن، وأعطيهن النصائح الزوجية والوصفات الشهية لأن خبرتي كبيرة في هذا المجال، فأنا متزوجة منذ خمس عشرة سنة".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard