"تزوجت صغيرة وكنت خائفةً كثيراً"... حملة ضد تزويج القاصرات في مخيمات اللجوء اللبنانية

الثلاثاء 30 يونيو 202002:40 م

منذ شهر أيلول/ سبتمبر الفائت وحتى اليوم، وتحت عنوان "لا تكبرونا بعدنا صغار"، تعمل مجموعة من الناشطين والناشطات في البقاع الأوسط بلبنان، على خفض نسبة تزويج القاصرات في المنطقة التي يعيش فيها آلاف اللاجئين واللاجئات، وعلى الأخص من سوريا وفلسطين.

تعمل الحملة بدعم تنظيمي من منظمة "النساء الآن من أجل التنمية" ومؤسسة "أهل"، وهي ثمرة لجهود متضافرة ما بين المجتمع اللاجئ والمجتمع المضيف، من أجل حماية جميع حقوق الأطفال دون أي تمييز أو عنصرية، "فالتنمية لا يمكن أن تكون فعالة ومثمرة دون إشراك اللاجئين فيها، عن طريق توحيد القضايا المجتمعية وخلق جسور للتضامن بين المجتمعات"، وفق ما يتحدث عاملون فيها.

 "التنمية لا يمكن أن تكون فعالة ومثمرة دون إشراك اللاجئين فيها، عن طريق توحيد القضايا المجتمعية وخلق جسور للتضامن بين المجتمعات"

وحققت الحملة في الأشهر الماضية، ومن خلال نشر التوعية حول مساوئ زواج القاصرات، جزءاً كبيراً من أهدافها، في منع حالات زواج عديدة ورفع الوعي بشأن هذه القضية، حيث وقّعت 1800 عائلة ضد تزويج القاصرات، وامتنعت 150 عائلة عن تزويج بناتها القاصرات بعد أن كانوا مقتنعون بالفكرة، في بلد يعيش فيه أكثر من مليون ونصف لاجئ سوري، وحوالي مئتي ألف لاجئ فلسطيني، وتتزوج حوالي 40 بالمئة من الفتيات اللاجئات فيه وهن لا زلن بعمر الطفولة.

لا تكبرونا بعدنا صغار

القاصر أو القاصرة من الناحية القانونية، هو/ي كل شخص دون الثامنة عشر من عمره، لا يزال طفلاً تحت وصاية والديه أو أحدهما، أو أي وصيٍّ شرعيٍّ في حال عدم تواجد الوالدين.

تختلف مسببات تزويج القاصر، وعلى رأسها الفقر الشديد الذي يدفع بربّ الأسرة للتضحية بابنته، فيقدّمها قرباناً لعريس مفترس يقايضه على طفولتها، مقابل المهر الذي يتلقّاه، غير مدرك أن احتمال حدوث الطلاق وارد، وأن ابنته ستعود ومعها أطفال سيزيدون العبء المادي عليه.

وفي أحيان أخرى، يقايض الوصيّ ابنته بحسب العرف وخوفاً على سمعتها، وخلاصاً مما يمكن أن تجلبه من وبال على اسم وسمعة العائلة، فيسارع إلى تزويجها قبل بلوغها، مستبقاً الزمن، وكثيراً ما يتكرر هذا الحال في العائلة الواحدة، فيغدو تقليداً عائلياً.

ومن الأماكن التي يلاحظ فيها تفاقم ظاهرة تزويج القاصرات بشكل كبير، مخيمات اللاجئين في لبنان، نتيجة لما يتعرضون له من معاناة بسبب قلة الموارد وتعذّر الحصول على دخلٍ ثابت وكثرة عدد الأبناء والبنات. يحدو ذلك بالآباء لعرض بناتهن للزواج قبل أن تكتمل شخصياتهن وأجسادهن، فتبدأ رحلة المعاناة النفسية والجسدية للفتاة، بسبب المسؤوليات الكبيرة والإنجاب المبكر، بالإضافة إلى خطر وفاة المواليد أو اعتلالهم.

ومن هنا انطلقت حملة "لا تكبرونا بعدنا صغار"، وهي تضمّ مجموعة متنوعة من المجتمع، من لبنانيين/ات ولاجئين سوريين/ات وفلسطينيين/ات، فيهم من مر بتجربة زواج القاصرات شخصياً، وبعضهم من شهدها عن قرب من خلال أقارب له من الدرجة الأولى، أما البعض الآخر فيشارك في الحملة إيماناً منه بمبادئها، ضرورة إيقاف عادة تزويج القاصرات والحدّ من آثارها النفسية والصحية والاجتماعية والاقتصادية الكبيرة، التي تؤثر على بنية المجتمع بأكملها.

وتعتمد الحملة، كما يتحدث منسقها، أنس تللو، لرصيف22، على التواصل المباشر بين مشاركين ومتطوعين مع عائلات من اللاجئين، ما يسمح بالحديث عن أهداف الحملة، وعرض قصص حقيقية لفتيات مررن بتجربة الزواج المبكر مسبقاً، والأهم بيان مخاطر زواج الأطفال وانعكاساته النفسية والاجتماعية والصحية، ذلك بالإضافة لزيارة مستوصفات ورجال دين بهدف التوعية والحصول على الدعم.

ويتابع أنس تللو التعريف بالحملة: "تتميّز بتنوّعها، فهي تضمّ نساء ورجالاً وفتيات وأمهات، إما مررن بالتجربة بشكل شخصي أو أقدمن على تزويج بناتهن وندمن، وطبعاً نحن لسنا أول مجموعة تعمل على هذه القضية، فهناك محاولات عديدة للتغيير من قِبل الكثير من المنظمات النسائية والنسوية المحلية والدولية، ونعتقد بأن ما يميز حملتنا هو عزمنا على تشكيل قاعدة قوية وراسخة، تتكوّن من أصحاب القضية ذاتهم من المجتمع المحلي، لأننا واثقون بأنهم الأكثر قدرة على قيادة الحملة، وإحداث التغيير المجتمعي المطلوب".

من الأماكن التي يلاحظ فيها تفاقم ظاهرة تزويج القاصرات هي مخيمات اللاجئين في لبنان، نتيجة لما يتعرضون له من معاناة بسبب قلة الموارد وتعذّر الحصول على دخلٍ ثابت وكثرة عدد الأبناء والبنات

حبسي في الغرفة حتّى موعد الزفاف

باسمة الزحلاني، ناشطة لبنانية ومنسقة أحد فرق حملة "لا تكبرونا بعدنا صغار"، وصاحبة تجربة شخصية بالزواج المبكر، وصفتها في حديث لرصيف22 بأنها "مريرة"، وهي ما دفعها للانضمام للحملة.

"تزوجت في سن الخامسة عشر، ولم أفقه حينها شيئاً عن الزواج، وكنت خائفة كثيراً، لكن والدتي أصرت على تزويجي بعد حبسي في الغرفة حتّى موعد الزفاف، وحصلت على الطلاق بعد شهرين فقط"، تتحدث باسمة عن تجربتها.

وتتابع بأن ما مرت به من اغتصاب وعنف كانا كفيلين بترك أثر بالغٍ في نفسها وخَلق خوف دائم من فكرة الشريك، "إلا أني تغيرت كثيراً واستعدت ثقتي بنفسي، لا سيّما بعد أن تابعت دراستي وعملت في حقل الأزياء بتشجيعٍ من والدي، ونلت استقلالي المادي فأصبحت مصدر إلهام للفتيات في عائلتي ومن حولي".

انضمت باسمة إلى الفريق نتيجة لوعيها التام بمدى قدرتها على التأثير والتغيير، بما أنها صاحبة تجربة وقضيّة، فهي تؤمن كثيراً بما تفعله وتؤكّد على أهمية الدراسة والاستقلال المادي للمرأة، لاستعادة حقها المسلوب في تقرير مصيرها.

وتضيف باسمة: "نعتمد على الاجتماعات الفردية أو المصغّرة لنشر التوعية، كما نقوم بزيارة المستوصفات، وقد عملت مؤخراً مع رجال الدين في محاولات حثيثة لإقناعهم بقضيتنا، فالفكرة شائكة عندما يتم تناولها من الناحية الشرعية، إلا أن أحد الشيوخ ساعدني كثيراً وآمن بمبادئ الحملة الإنسانية، بالإضافة إلى طبيبة نسائية قمنا بالتواصل معها، فقاموا بتسجيل فيديوهات توعوية لصالح الحملة، لإدراكهم حجم المعاناة والظلم الذي تتعرض له القاصر عند تزويجها".


تجربة لكلّ الحياة

تؤكد جمانة رحمون، وهي سورية وتشارك كمنسقة في فريق أمل -من الفرق الممتدة للحملة- أن مشاركتها هذه هي من أهم خبراتها الحياتية، خصوصاً بعد التجربة القاسية التي خاضتها بزواجها في سن مبكر، وتعرضها للقهر والظلم والتعنيف خلال هذا الزواج، ناهيك عن الحرمان من ابنها، حيث أخذه الزوج ومنعها من التواصل معه أو رؤيته.

وتتحدث جمانة لرصيف22 عن الدافع للمشاركة في الحملة بقولها: "أرغب في حماية الفتيات من مرارة تجربتي، التي لا أنكر في الوقت ذاته بأنها قادتني إلى النضج، فقد اكتسبت قوة داخلية وتعلمت كيف أتحمل المسؤولية بشكل أكبر، إضافة إلى تطويري لمهارات الإقناع والتواصل".

ويعمل فريق الحملة حالياً على مقابلة الأشخاص الذين يشجعون على زواج القاصرات، ويحاول أن يبين لهم النتائج السلبية التي ستؤثر على أطفالهم وعلى المجتمع بشكل كامل، "والكثير منهم يعاود التفكير مرة أخرى بالأمر عندما يستمع إلى قصتي"، كما تقول جمانة.

"تزوجت في سن الخامسة عشر، ولم أفقه حينها شيئاً عن الزواج، وكنت خائفة كثيراً، لكن والدتي أصرت على تزويجي بعد حبسي في الغرفة حتّى موعد الزفاف، وحصلت على الطلاق بعد شهرين فقط"

لم تتوقف الحملة رغم الحجر الصحي

يوضح عاهد الصبح، قائد ومنسق فريق في منطقة بر الياس، أنه انضم وزوجته –وهما سوري وفلسطينية- إلى الفريق، مدفوعين بوعيهما لما يمكن أن يتسبب به زواج القاصرات من حالات طلاق وتفكّك أسري، ويُعزي ارتفاع نسبة زواج الأطفال إلى ظن الأهل بأنه الحل لمشكلاتهم المادية، رغم علمهم بأن أطفالهم غير مؤهلين لتحمل تلك المسؤولية الكبيرة والمرهقة.

ويتحدث عاهد لرصيف22 عن كيفية تنفيذ اللقاءات الخاصة بالحملة أثناء فترة الحجر الصحي، بقوله: "أنا وزوجتي والفرق نعتمد في الأساس أسلوب اللقاءات الفردية، من خلال الزيارات أو استضافة مجموعات من الأشخاص في منزلنا، لكن الحجر الذي فُرض علينا بسبب فايروس كورونا منعنا من اللقاءات الفردية، فاستعضنا عنها بإجراء المقابلات عن بعد".

تحديات لا مهرب منها

ولا يخلو الأمر من التحديات التي تواجه الفريق كما يؤكد عاهد: "تواجهنا في كثير من الأحيان صعوبات تكمن في محاولة إقناع من هم ضدنا، لأسباب مختلفة اجتماعية أو دينية، فيعملون على إفشال حملتنا، أو من بعض الأهالي الذين يرفضون كلياً النقاش في تلك المسائل، مما يتطلب منا جهوداً مضاعفة ووقتاً كثيراً للإقناع".

ولعلّ أسوأ ما يمكن أن تتعرض له ضحية الزواج المبكر هو الصدمة النفسية البالغة، فهي لا زالت طفلة لم تعش المراحل الطبيعية والتدريجية، من الطفولة إلى الشباب والنضج، عدا عن تخليها عن كل أحلامها وعزلها عن أهلها وأصدقائها لتنطلق في رحلة معاناة كاملة، ما سيترك آثاره على أجيال كاملة سُلِبت منها حقوق الطفولة الطبيعية.

من هنا تأتي أهمية حملة "لا تكبرونا بعدنا صغار"، وفق حديث عاهد، إذ تعمل على نشر الوعي بعيداً عن الطرق التقليدية، فتعتمد في هيكلها التنظيمي على مجموعة من أبناء المجتمع المؤمنين بالقضية ومن أصحاب التجارب الشخصية، ليكونوا المسؤولين عن التأثير المباشر ونشر الوعي بهدف التغيير المجتمعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard