دولة "شوف تي في " بقيادة "أبو وائل الريفي" فوق الجميع

السبت 31 أكتوبر 202012:49 م
Read in English:

AbuWael Al-Rifi Rules Morocco: The State of Chouf TV

حكاية صناعة الحراس الصحافيين ليست جديدة في المغرب، كان للسلطة دائماً أبواقها من الصحافيين الذين يدافعون عن كل سياساتها واقتراحاتها وأخطائها، وهؤلاء كانوا دائما لاعبين رئيسيين في معركة تزييف عقول الناس وتحنيط التفكير خارج الصندوق، كانوا دائماً أكثر ضراوة من دون أخلاق وبأفواه تنفث كلاماً خارجاً عن اللباقة ناضحاً بالوقاحة عن كل من له رأي معارض أو نصف موقف في دولة تنقصها ثقافة الاختلاف.

لكننا في السنوات الأخيرة انتقلنا إلى مرحلة أكثر تقدماً في سلوك الدولة في مواجهة الأصوات النقدية. تزامن ذلك مع انتقال إدارة هذه الملفات من المحيط القريب من الملك إلى يد الجهاز الأمني والاستخباراتي الذي يقوده عبد اللطيف الحموشي بعدما بزغ نجمه خلال السنوات الأخيرة ليصبح الرجل الأكثر نفوذاً داخل النظام. انتقل مركز الثقل إلى الجهاز الأمني الذي أصبح اللاعب السياسي الرئيسي، وفلسفة هذا الجهاز الذي بذل عبد اللطيف الحموشي جهداً كبيراً في تحديثه وتطوير أسلوب اشتغاله، تختلف نسبياً في إدارة ملفات المعارضة السياسية عن السابق، إذ كانت هذه الملفات تعهد سابقاً لصديق الملك فؤاد عالي الهمة، الذي كانت طريقته تزاوج بين العصا والجزرة، أو الترهيب والترغيب.

اليوم، يأخذ شيء من الحنين بعض المعارضين والصحافيين المستقلين إلى هذه المرحلة، على الأقل كانت الأمور واضحة، والإشارات كانت تُفهم، وكان مزاج الدولة وتقلباته أمراً يمكن التنبؤ به. الآن مع تحكم وتغول البوليس أصبح الأمر أكثر خطورة، لا يؤمن العقل الأمني إلا بالمعادلة الصفرية وهو أيضاً يتجاوز أحياناً المعارضين لتصفية الحساب حتى مع رجالات محسوبين على النظام أو مراكز النفوذ الاقتصادي المقربة من السلطة.

 لذلك خلقت الأجهزة الأمنية صحافتها، صحافة شبه رسمية تخبرك عن تصور الأمنيين للمرحلة، وعن أعدائهم وأصدقائهم. والأهم من ذلك أنها تخبرك بموعد اعتقالك المنتظر، وتبقى منصة "شوف تي في" إحدى أبرز هذه المنصات الصحافية التي رُصد لها دعم مادي ومعنوي كبير لتأدية خدمات قذرة: التشهير بالمعارضين وتحنيط العقول.

كيف أصبحت "شوف تي في" المغربية الرقم 1 من دون منازع في الماكينة الإعلامية للدولة؟

تزييف العقول وتجارة المآسي

أسس دريس شحتان، موقع "شوف تي في" في نهاية سنة 2012، كتلفزة رقمية، كان الصحافي الذي أسس صحيفة "المشعل" وقضى فترة في السجن سنة 2009 بسبب نشر أخبار عن صحة الملك، يحلم بأن يقدم منتوجاً إعلامياً غير كلاسيكي للجمهور مستفيداً من بداية تحولات الصحافة إلى عالم الديجيتال.

يتذكر بعض من عرفوا دريس شحتان أنه بعد خروجه من السجن أغلق على نفسه في منزله، ورفض الالتقاء بالمتضامنين معه حينذاك. لم يكن شحتان صاحب آراء نقدية، أو صحافياً لامعاً، لكن ذلك كان مؤشراً على انقلاب يريد شحتان إحداثه في مساره، ولاحقاً سيتم الإيعاز إليه بتأسيس "شوف تي في".

في يوم من الأيام دخل دريس شحتان إلى قاعة التحرير، ووجد عدداً من صحافييه بصدد قراءة الجرائد اليومية، فراح يصرخ بهم: "هل أدفع لكم رواتبكم لتقرأوا الجرائد؟". تكشف هذه القصة جزءاً من طريقة تفكير مؤسس ما سيصبح أول موقع إلكتروني في المغرب.

تصاعد نجم "شوف تي في" بشكل مطرد بفضل الفيديوهات الموضبة التي تبثها بشكل يومي وتحظى بنسبة مشاهدات خيالية في ربوع المغرب وخارجه، نجحت ثقافة "البوز" في أن تحقق للموقع نجاحاً مبهراً، خصوصاً أن المتعاونين معه يغطون جميع أنحاء البلاد تقريباً، وباتت المعالجة الفضائحية والشعبوية للمشكلات ذات الحساسية المجتمعية خط تحرير ثابتاً أغرى الكثير من المقاولات الإعلامية للسير على خطاه لاحقاً.

حادثة سير بسيطة في بلدة صغيرة، جريمة اغتصاب عائلي، قصة خيانة زوجية، شغب جمهور كرة القدم، حالة اجتماعية صعبة، تفكيك خلية إرهابية... كاميرا "شوف تي في" حاضرة في كل مكان وفي الزمان المناسب دائماً. قربها من الأجهزة الأمنية يجعلها صاحبة السبق في الحضور إلى موقع الحدث بل بثه بشكل مباشر عبر تقنية "اللايف" على صفحة القناة، ويقول الساخرون إن "شوف تي في" قد تصل إلى مرحلة بث الحدث حتى قبل وقوعه.

ليست لها خطوط حمر أو رادع. قبل عدة أسابيع مثلاً رافقت "شوف تي في" زوجة تشك في خيانة زوجها لها إلى مكان خيانته، وظلت الكاميرا أمام المنزل بضعة أيام إلى أن خرج الزوج الخائف من الفضيحة، كما يمكنها أن تجري حواراً مع شاب حاول الانتحار للتو ، أو تصوير طفلة قاصر تعرضت للاغتصاب.

يمكن لـ"شوف تي في" أن تغطي جميع الأحداث، يفاخر دريس شحتان بذلك، وهو يشير إلى اشتغال نحو مئة صحافي مع موقعه. ويتباهى بثقة الناس في المنتوج الذي تقدمه "شوف تي في" التي هي "مرآة المجتمع"، بحسب وصفه لها في أحد التصريحات الصحافية.

قبل سنة، لم تكن تلعب "شوف تي في" دوراً خارج خطط تضليل الجمهور وتمييع المشهد الإعلامي والمتاجرة في مآسي البسطاء، وتحصيل غنائم مادية هائلة من وراء "البوز" و" الكليك" وتقديم خدمات مدفوعة الأجر لبعض الشركات الكبرى لإطفاء حرائق حملة ضدها من قبل منافس. آخر هذه الخدمات تجندها للدفاع عن الخطوط الملكية المغربية (شركة الطيران المغربي) ضد ربابنتها المفصولين.

 "شوف تي في اليوم واقع لم تعد حلماً، إنها قناة الملايين التي يتابعها أكثر من 28 مليون مغربية ومغربي، “شوف تي في” نجحت لأنها تتكلم لغة الشعب الذي احتضنها، طرحت مشاكله كما هي، فهمت المغاربة وفهمها المغاربة، كل الذين ينتقدونها وسبق أن قادوا معارك من أجل تركيعها يتسللون خفية لها، لقد وصلت إلى دواوير المغرب العميق في الجبال والسهول والصحاري، “شوف ت يفي” ليست قناة النخبة الفاسدة، إنها قناة الصف الوطني الديمقراطي"، نقرأ في إحدى المقالات المنشورة في الموقع .

حين تبدأ "شوف تي في" بنشر مقالات عن شخص معين، يكون ذلك إيذاناً بأن الأسوأ ينتظره، وبأن المتحكمين في زمام الأمور قد اتخذوا قرار عقابه والانتقام منه...

سلاح الأمنيين الفتاك

سيبدأ الدور السياسي لـ"شوف تي في" كأداة في يد الأجهزة الأمنية، حينما سيصبح نهج استعمال القضايا الجنسية للانتقام من الصحافيين أكثر وضوحاً كنمط قائم بذاته في المغرب، أي تحديدا، مع قضية اعتقال الصحافية في يومية "أخبار اليوم" هاجر الريسوني واتهامها بـ"الإجهاض غير القانوني"، إذ كانت "شوف تي في" قد انفردت بنشر الخبر، قبل أن تنقله لاحقاً وسائل إعلام أخرى موالية للسلطة، كان ذلك مؤشراً على تغييرات في موازين القوى في مربع الحكم، وأيضاً على تغيير اللاعبين الرئيسيين في معركة الدولة ضد الأصوات الشاردة.

هكذا أصبحت "شوف تي في " الرقم 1 من دون منازع في الماكينة الإعلامية للدولة، تحظى بحماية لم يسبق أن توفرت لأي من الإعلام السابق المحسوب على الدولة، تجاوزت قواعد الاشتباك والأعراف التي كان حتى بعض إعلام السلطة يتجنب خرقها، والحياة الخاصة للناس مجال خصب ومادة دسمة للاغتيال المعنوي والرمزي للمخالفين.

حين تبدأ "شوف تي في" بنشر مقالات عن شخص معين، يكون ذلك إيذاناً بأن الأسوأ ينتظره، وبأن المتحكمين في زمام الأمور الآن قد اتخذوا قرار عقابه والانتقام منه، والأمثلة على ذلك كثيرة ومتكررة. أصبحت المعادلة واضحة الآن: منشور على فيسبوك أو تصريح قد يكلفك استعراض حياتك الخاصة على "شوف تي في" بأكثر الطرائق دناءة وخسة.

أبو وائل الريفي الأفاتار الذي تمت صناعته

أيام قليلة بعد صدور بيان وقعه صحافيون مغاربة ينتقدون فيه الاعتقال غير القانوني للصحافي سليمان الريسوني، نشرت "شوف تي في" مقالات تحريضية ضد الموقعين على البيان، مطالبة الدولة بمقاضاتهم بتهمة انتحال صفة، وعلى رأسهم الصحافي عمر الراضي الذي كان أحد المبادرين بالتفكير في إصدار البيان، ومن الذين ساهموا في حشد الدعم له، إذ نشر الكاتب "أبو وائل الريفي" ( وهو الاسم الحركي الذي يدعي دريس شحتان أنه يكتب به) قائمة البيانات البنكية للصحافي عمر الراضي ومداخيله الشهرية زاعماً تعامله مع جهات استخباراتية أجنبية بهدف المس بأمن الدولة، وهي المقالات الصحافية الصادرة في 14 و21 حزيران/ يونيو، والتي بنت عليها النيابة العامة قرار فتح بحث قضائي مع الصحافي عمر الراضي.

تضمنت هذه المقالات التي استمرت بوتيرة مقال أسبوعي إلى حين اعتقال الراضي، معطيات شخصية وأفكاراً تبادلها مع عدد من عارفيه عبر رسائل نصية أو مكالمات، على سبيل المثال محادثات خاصة مع باحث أمريكي، ومع أحد أفراد عائلة سليمان الريسوني، ومع بعض النشطاء في الجمعيات المدافعة عن حقوق المثليين.

حتى قبل سجنه عيّن أبو وائل الريفي تاريخ اعتقال الراضي حين ألمح إلى أنه سيتناول لحم عيد الأضحى في المعتقل. وبعد خمسة أيام جرى اعتقال عمر الراضي. وفي المقال نفسه أشار الكاتب إلى أن المؤرخ المعطي منجب صاحب الآراء النقدية هو القادم على لائحة المتابعات، ثم أصبح المعطي منجب الموضوع الرئيسي لمقالات أبو وائل الأسبوعية إلى أن أعلنت النيابة العامة فتح بحث قضائي معه. كتب أبو وائل لاحقاً بلغة لا تخلو من التشفي: "الحقيقة هي التي يملكها أبو وائل الذي يملك أدلتها وما على المعطي وهشام وصبيه إلا أن يكذبوه. لقد انتهى زمن الطابور الخامس، والمعطي جزء من الماضي".

لم يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى الصحافي سليمان الريسوني، إذ توقع أبو وائل تاريخ اعتقاله قبل حصوله، وقبل أن يوجه القضاء إليه أي اتهام أو استدعاء للمثول أمامه، بل نشر الموقع صوراً لاعتقاله من أمام منزله على يد فرقة أمنية بزي مدني.

لا يسلم المتضامنون مع المعتقلين أو منتقدو تنامي صحافة التشهير من سهام "أبو وائل الريفي". الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني مثلاً كان هدفاً لاقتحام حياته الشخصية، حين تجرأ وأعلن تضامنه مع المعطي منجب. مرة أخرى وفى أبو وائل الريفي بوعده، ونشر تفاصيل حميمية من حياة الحقوقي، لا يمكن أن تتوفر إلا لدى الأجهزة الاستخباراتية.

حصل الأمر ذاته حين وقّع مئات الصحافيين مانيفستو ينتفض ضد صحافة التشهير. لم يتضمن البيان إشارة واضحة إلى "شوف تي في"، لكن كان مفهوماً أنها المعنية الأولى بهذه الانتفاضة غير المسبوقة للصحافيين المهنيين، خصوصاً أن البيان جاء بعد أيام قليلة من واقعة تعقب الصحافيين عمر الراضي وعماد استيتو من مصور يشتغل لحساب الموقع نفسه، واستفزازهما بعد تصويرهما إثر خروجهما من مطعم في الدار البيضاء، قبل اقتيادهما إلى مخفر الشرطة بعدما حضر رجال الأمن عقب بداية النزاع بدقيقة واحدة، وهي العملية التي وصفها الكثيرون بـ"الكمين" الذي يؤكد العلاقة الوطيدة بين "شوف تي في" والجهاز الأمني.

الدعوة إلى مقاطعة "شوف تي في" أغضبت "أبو وائل" الذي توعد موقّعي المانيفستو واحداً واحداً، واصفاً إياهم  بـ"الطابور الخامس" والخونة المتعاونين مع اللوبيات والقوى العظمى وأدواتها الحقوقية.

لا يعتقد كثيرون ممن اشتغلوا سابقاً مع دريس شحتان أنه كاتب هذه المقالات التي تنشر كل يوم أحد، الساعة الحادية عشرة، إذ  تشبه هذه المقالات بيانات صادرة عن تيار داخل الدولة، وتعكس وجهة نظره حول مسار الأمور في البلاد. لذلك نجد هذه المقالات المكتوبة بشعبوية توجّه أحياناً رسائل تقريع إلى رجالات دولة أو أصحاب نفوذ، ثم تختم بتحية إلى "حراس الجدار" الذين يدافعون عن المصالح العليا للمغرب، في إشارة إلى جهازَي الأمن الوطني والمخابرات الداخلية.

لم تتغير القواعد في المغرب ليصبح الصحافيون قادرين على الكتابة بشجاعة عن ثروة الأمير هشام  وأرصدته في الخارج مثلاً، أو أن يوجهوا نقداً لاذعاً لأعضاء لجنة النموذج التنموي التي عيّنها الملك، أو إلى والي بنك المغرب. وحده "أبو وائل" يفعل ذلك بثقة كبيرة وبلغة تهديدية. تصل الرسائل بوضوح إلى من يهمه الأمر من دون أن يرد المعنيون برغم قوتهم وشبكة علاقاتهم.

 لقد جرت صناعة شخصية "أبو وائل" على غرار صناعة "أفاتار"، وفي الأسابيع الأخيرة أعطي الأمر لمواقع أخرى مواليه للسلطة من أجل إعادة نشر مقاطع من مقالاته وتحليلاته والترويج لها باللغتين العربية والفرنسية، وتقديمه كالكاتب الأكثر قرباً من مصدر المعلومات في المغرب. إنه "أبو وائل" الذي يحل مكان النائب العام، ويعرف عن غرف النوم والأرصدة البنكية للناس ما لا يعرفونه هم عن أنفسهم. يهابه المعارضون، ويفهم الموالون رسائل وعيده.

بينما توارت بقية وسائل الإعلام الموالية للسلطة لتلعب أدواراً هامشية، تصدرت "شوف تي في" المشهد، مستفيدة من حماية كبيرة وهيبة تستمدها من القرب من الأجهزة الأمنية وتجعلها تفلت من العقاب، وتشهر سيف التحدي أحياناً. 

فقبل سنة نشرت "شوف تي في" رواية غير صحيحة تتضمن شهادات مفبركة لواقعة إطلاق شرطي للنار على مواطنين. عرض التقرير الحادثة وكأنها دفاع مشروع عن النفس أثناء عملية توقيف مخالفين عنيفين للقانون، قبل أن يتبين لاحقاً زيف هذه الرواية ويتم اعتقال الشرطي من دون أن تتعرض "شوف تي في" لأي عقاب.

حتى عندما قررت وزارة الداخلية قبل عدة أشهر فرض حظر تجول ليلي بسبب كورونا، انتفض دريس شحتان على صفحته بفيسبوك ضد القرار الأولي الذي لم يستثن الصحافة من الحظر، معلناً تحديه هذا القرار، وبعد أيام قليلة تم العدول عن القرار، ولم يكن مؤسس "شوف تي في" ليكون بهذه الجرأة في تحدي أم الوزارات لو لم يكن له سند قوي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard