التشهير سلاح الدولة للقتل الرمزي للصحافيين المستقلين

السبت 31 أكتوبر 202012:50 م

في السنوات الأخيرة تنامى عدد الصحف والمواقع الصفراء أو ما يسميها المغاربة "صحافة التشهير". واللافت أن ظهور هذه المنابر بدأ مع تراجع مستوى حرية الصحافة، وحملة التضييق على المنابر الصحافية المستقلة. وقد ظهرت صحافة متخصصة في السب والقذف والتشهير والخوض في الحياة الخاصة بالصحافيين المستقلين والنشطاء الحقوقيين، المعروفين بمواقفهم المنتقدة للسلطة وسياسات الدولة، ولم يسلم من أذاها الفاعلون السياسيون المنتمون لبعض التيارات السياسية المزعجة للسلطة، وهذا النوع من الصحافة لا يتعلق بحالات معزولة، بل أصبح "خطاً تحريرياً" رسمياً تتبناه مقاولات إعلامية كبيرة مقربة من السلطة أو تحظى بدعمها وفقا لوصف الصحافي المغربي علي أنوزلا في مقال له عن "صحافة التشهير في المغرب".

لم تعد تقتصر "صحافة التشهير" على نشر معلومات عن الحياة الخاصة للحقوقيين والسياسيين والصحافيين المستقلين، بل تنشر معلومات عن تواريخ اعتقال بعض الأشخاص، وتوجه إليهم التهم قبل أن تفتح النيابة العامة التحقيق فيها، وكان آخرهم المؤرخ والناشط الحقوقي المعطي منجب الذي تعرض لحملات تشهير واسعة منذ نحو خمس سنوات بسبب نشاطه الحقوقي. وقبل قرابة أسبوع على صدور بلاغ رسمي من النيابة العامة أعلنت فيه انطلاق البحث مع المؤرخ المغربي وعائلته حول ما سماه البلاغ شبهة "تبيض الأموال"، نشر أحد المواقع المقربة من السلطة مقالاً يوضح التهم التي ستوجه لمنجب.
الموقع نفسه نشر التّهم التي ستوجه للصحافي عمر الراضي قبل استدعائه من قبل الفرقة الوطنية للتحقيق حول “شبهة تورطه في الحصول على تمويل من الخارج له علاقات بجهات استخبارية" وفقاً لما نشر في بلاغ النيابة العامة. وقد نشر الموقع خبراً يتعلق باعتقال الراضي قبل أن يصدر قاصي التحقيق قراراً بذلك. الأمر نفسه حدث مع الصحافي سليمان الريسوني رئيس تحرير يومية "أخبار اليوم" الذي تعرض لحملة تشهير واسعة قبل أسبوعين من اعتقاله، وذكر الموقع عينه موعد اعتقال الريسوني إذ نشر مقطع فيديو يوثق لحظة اعتقاله في بيته يوم 22 أيار/مايو 2020، بعد وقتٍ وجيز من توقيف الريسوني.
"الملك الراحل الحسن الثاني كان يواجه المعارضة بأشرس الأساليب، ولكنها تبقى أساليب شريفة إذا قارناها بما يحدث الآن..."

صحافة تُحارب الصحافة

في سياق متصل، ينص الفصل 24 من الدستور المغربي على حق كل شخص في حماية حياته الخاصة، وحقه في ألا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها، ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلها أو بعضاً منها، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون. مع ذلك فإن عدداً من المنابر المقربة من السلطة، نشر معطيات شخصية عن بعض السياسيين والنشطاء الحقوقيين والصحافيين تتصل بحساباتهم البنكية وعلاقاتهم الحميمية وفحوى مكالماتهم الهاتفية.
وبرغم أن ميثاق أخلاقيات المهنة الذي صادق عليه المجلس الوطني للصحافة يمنع هذه الممارسات، فإن الشكاوى التي تصل إلى المجلس تبقى حبيسة مكاتبه من دون رد، إذ سبق أن أعلن تلقيه بضع شكاوى من أشخاص ذاتيين واعتباريين، تتعلق باتهامات بخرق أخلاقيات الصحافة من صحف ووسائل إعلام وصحافيين، وتمت إحالتها على لجنة أخلاقيات المهنة والقضايا التأديبية، وفقاً لما تنص عليه قوانين المجلس، لكن برغم مرور عدة شهور لم ينشر المجلس أي قرار بشأن الشكاوى المحالة على لجنة أخلاقيات المهنة.
يُذكر أن تنامي الحملات التشهيرية ضد السياسيين والنشطاء والصحافيين المستقلين دفع نحو مئة صحافي وصحافية لإصدار بيان اعتبروا فيه أن "صحافة التشهير والإساءة تنامت، في الآونة الأخيرة، في كل قضايا حرية التعبير والمتابعات، التي يتعرض لها الصحافيون والشخصيات المعارضة"، وأشاروا إلى "أنه كلما تابعت السلطات أحد الأصوات المنتقدة تسابقت بعض المواقع والجرائد لكتابة مقالات تشهيرية تفتقد لغة أخلاقيات المهنة، وتسقط كذلك في خرق القوانين المنظِّمة لمهنة الصحافة في المغرب من دون أي تدخل من الجهات، التي من المفترض أن تكون رقيبة على المهنة، للتنبيه لدى وقوع سقطات مهنية، بحسن نية، أو من دونها".
"هناك ارتفاع في عدد المواقع التي تستهدف النشطاء الحقوقيين والصحافيين المستقلين بالتلفيق والسب والتحريض على القتل والتخوين في المغرب"

القتل الرمزي للمعارضين

يجمع عدد من الحقوقيين والنشطاء على أن أسلوب التشهير أصبح ممنهجاً، الغرض منه القتل الرمزي للنشطاء وتشويه صورهم أمام الرأي العام. وفي هذا الشأن، اعتبر حسن بالناجح، القيادي في جماعة العدل والإحسان، أن "التشهير أسلوب من أساليب النظام لمواجهة المعارضين أصحاب الرأي"، موضحاً أن "النظام السياسي المغربي يستعمل أكثر الأساليب حقارة ونذالة من خلال الخوض في الحياة الخاصة ليس للمستهدفين فحسب بل كذلك لعائلاتهم وأصدقائهم. وهذا خرق واضح للمواثيق الدولية والقوانين الوطنية التي تحمي الحياة الخاصة للأفراد من أي تطاول". وأشار إلى أن هدف هذه الحملات "القتل الرمزي وتشويه سمعة المعارضين".
وأضاف بناجح في حديثه لرصيف22: "المواقع التشهيرية أصبحت تعرف تاريخ اعتقال المعارضين وتصل لحساباتهم البنكية"، واصفاً إياها بـ"أخطر الأساليب" في محاربة المعارضين للنظام. وتابع: "الذين يقفون وراء هذه المنابر يحاولون أن يغطوا على فشلهم في تدبير شؤون البلد بإلهاء الرأي العام وجعل المعارضين مشغولين بما يحاك ضدهم، وبالتالي إبعادهم عن متابعة الشأن العام وعن رصد الوضع الحقوقي والسياسي في المملكة".
وشدد بناجح على أن النظام المغربي "يصفي حساباته مع المنتقدين لسياساته والمعارضين لها بشكل غير أخلاقي وبأسلوب العصابات، خلافاً لعصر الملك الراحل الحسن الثاني الذي كان يواجه المعارضة بأشرس الأساليب، ولكنها أساليب شريفة إذا قارناها بما يحدث الآن. في ذلك العصر لم يكن المغرب يعرف استخدام القضايا الأخلاقية ضد المعارضين".
 ودعا بناجح "المجلس الوطني للصحافة والنقابة الوطنية للصحافة إلى تحمل المسؤولية وإعلان مواقف وقرارات ضد هذا النمط من الصحافة الذي يسيء للمهنة قبل أن يسيء المستهدفين بالتشهير".
وقالت خديجة الرياضي الحقوقية المغربية البارزة لرصيف22: "هناك ارتفاع في عدد المواقع التي تستهدف النشطاء الحقوقيين والصحافيين المستقلين بالتلفيق والسب والتحريض على القتل والتخوين". وأضافت: "صحافة التشهير تستهدف سمعة النشطاء في مجتمع محافظ، بهدف التأثير على الرأي العام عبر الاتهامات الأخلاقية للمعارضين والإعدام الرمزي لهم".
وأكدت الرياضي الحاصلة على جائزة الأمم المتحدة للمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان أن "سياسة التشهير تتخذ منحىً خطيراً"، معتبرة أن "هذه الأساليب تفضح أصحابها أكثر مما تفضح الضحايا، لأن الهجمات توضح أي نوع من متخذي القرار يحكموننا، وتبيّن ضعف النظام السياسي الذي لا يواجه معارضيه بشكل مباشر من خلال إنشاء أرضية للنقاش العمومي الديمقراطي".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard