استعراضات المسؤولين المصريين... الإصلاح لا يتحقق عبر إهانة الموظفين

الجمعة 23 أكتوبر 202011:54 ص

خلال جولاتهم الميدانية، يصطحب المسؤولون الحكوميون في مصر فريقاً من الصحافيين لتصوير وتسليط الضوء عليهم أثناء لقاءاتهم مع المواطنين أو أثناء تفقدهم مشاكل القرى والمدن أو أثناء الزيارات المفاجئة لبعض المؤسسات الخدمية.

وفور انتهاء الزيارات، تُقتطع بعض المواقف وتُنشر على وسائل الإعلام بهدف إظهار المسؤول كـ"البطل الهمام" الذي لا يتسلل النوم إلى جفنه إذا كان هناك مظلوم أو محروم من خدمة بين "رعيته".

هذا الأمر معتاد، ولكن الجديد الذي يتكرر في الآونة الأخيرة هو تعمّد بعض المسؤولين اختلاق مواقف للترويج لأنفسهم بين الناس ولدى الجهات الرقابية التي تراقب عملهم وقراراتهم، عبر إهانة أو إحراج موظفين بغير حق، رغم أن أكثرية المصريين يعلمون أن الهدف من معظم هذه الزيارات هو "الشو".

محافظ يُهين مديرة مدرسة

آخر استعراض لمسؤول حكومي مصري كان إهانة محافظ الدقهلية أيمن مختار لمديرة مدرسة عمر مكرم في دكرنس، كريمة محمود. لم يتوانَ عن نعتها بـ"الفاشلة" بل أجبرها على خلع شباك أحد الفصول الدراسية من أجل تنظيفه، قبل أن يقرر عزلها من عملها وإحالتها إلى التحقيق.

حدث هذا كله أمام عدسات الكاميرات والوفد المصاحب للوزير والعاملين في المدرسة. وما أن أنهى المحافظ زيارته حتى نشرت وسائل الإعلام مقطع الفيديو وتداوله المستخدمون عبر "السوشال ميديا" بشكل كبير.



ظن المحافظ أن الفيديو سيُظهره في صورة الحازم الذي لا يتوانى عن محاسبة المقصّرين في عملهم، لكنه لاقى هجوماً حاداً من مستخدمي "السوشال ميديا" الذين انتفضوا للدفاع عن حق السيدة كريمة محمود، واصفين ما حدث بأنه "إهانة غير مقبولة وتعدٍّ على حق المعلم ومكانته".

المديرة علّقت على الحادثة، خلال حديثها مع بعض وسائل الإعلام، وأوضحت أن مديرية التربية والتعليم خصصت 1900 جنيه (122 دولاراً) فقط كميزانية سنوية إجمالية لإصلاح جميع الأعطال في المدرسة، وهو بطبيعة الحال مبلغ ضئيل جداً ولا يسدّ الحاجة.

وأشارت المديرة إلى أن المبلغ المرصود وصلها قبل زيارة المحافظ بيوم واحد فقط، وقالت: "لعلمي بأهمية رسالتي أنا ومدرّسي المدرسة، كمعلمين للأجيال، بادرت إلى اقتطاع جزء من قيمة راتب زوجي الذي أنفق منه على أسرتي وجمعت أموالاً من بعض المعلمين وباشرنا بإجراء أعمال الصيانة اللازمة قبل بدء العام الدراسي الجديد".

ولفتت إلى أن "المدرسة خالية تماماً من العمال والوزارة لم تعيّن أي عمال لدينا منذ سنوات، ونعتمد بشكل أساسي على استئجار عمال للقيام بأعمال النظافة الخاصة بالمدرسة".

رغم كل هذه الظروف التي يُفترض بالمحافظ أن يعرفها أتى وقام باستعراض عضلات منصبه. "عندما زارنا المحافظ فجأة، لم يمهل نفسه لحظات للاستماع إليّ، وبدأ هجومه عليّ ووصفني بـ’الفاشلة’ ليهدم مسيرتي التي تمتد لسنوات طويلة"، قالت المديرة.

الاستخدام السيئ لـ"الشو"

حجم الضرر من التنصل من المسؤوليات وإلقائها على الآخرين بهدف الظهور بظهر البطل يتفاقم عندما يتعلق الأمر بوظيفة عامة أو منصب سياسي. يتسبب "الشو" في تضرر شعب بأكلمه، وفي مصر يبلغ حجم المتضررين من "شو" المسؤولين الحكوميين 100 مليون مواطن.

اعتاد المصريون في الآونة الأخيرة على مشاهد قضاء المحافظ الجديد، فور توليه مهام عمله، أياماً في جولات ميدانية يستطلع بها أحوال ومشاكل منطقته، كما اعتادوا على تعليقاته كل شيء وسعيه إلى إحراج المسؤولين عن المؤسسات والهيئات الخدمية، بقصد أو دون قصد، وحتى ولو لم يكونوا مقصرين في عملهم.

وبطبيعة الحال، تسجل عدسات كاميرات فريق الإعلام المرافق للمحافظ تلك المواقف وتقطعها وتنشرها على وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، كي يظهر المحافظ الجديد في ثوب "الفارس الهمام" الذي سيخلص الإقليم من مشاكله الكبيرة ويضرب الفاسدين والمتكاسلين والمتخاذلين بيد من حديد.

ولكن دائماً لهذه القصص تتمات لا مقاطع فيديو متداولة عنها على السوشال ميديا. هؤلاء "الفرسان" أنفسهم هم في طليعة المتخاذلين والمتقاعسين عن أداء مهام عملهم. يتسلّمون مناصبهم وتمرّ الأيام والشهور ولا يرصد المواطنون أي تحسّن في مستوى الخدمات التي يتلقونها.

وزير يُقيل مدير مستشفى

في شباط/ فبراير 2018، أقال وزير الصحة السابق أحمد عماد الدين مدير مستشفى رأس التين في محافظة الإسكندرية، وأحال وكيل وزارة الصحة في المحافظة إلى التحقيق، وذلك بعدما "اكتشف" توقّف وحدة السكتة الدماغية في المستشفى عن العمل، رغم وجود لافتة تفيد بافتتاحها عام 2017ن عليها اسم رئيس الجمهورية ووزير الصحة ومحافظ الإسكندرية.

القصة أن وزارة الصحة اشترت جهازاً يشخّص حالات السكتات الدماغية وسلمته إلى المستشفى وطلبت تدشين وحدة للسكتات الدماغية فيه. ورغم اعتراض إدارة المستشفى على الأمر وقولها إنها لا تمتلك الأطباء المختصين بإدارة هكذا وحدة، تجاهلت الوزارة الأمر وأصرت على طلبها، فأنشأ المستشفى الوحدة وافتتحتها ثم أغلقها لعدم وجود كوادر طبية تديرها.

"استعراضات المسؤولين المصريين الإعلامية تتسبب في حرمان 100 مليون مواطن من الخدمات العامة الأساسية الجيّدة، في قطاعات التعليم والصحة وغيرها. والمشكلة ليست في تقصير موظف من هنا وآخر من هنالك، بل في تنصل المسؤولين من مسؤولياتهم"

وزير الصحة السابق كان يعلم بعدم وجود هذا التخصص النادر داخل إدارة الصحة في محافظة الإسكندرية، وأن هذا هو سبب إغلاق الوحدة، لكن السعي وراء "الشو" الذي كان الوزير بحاجة له، في وقت كانت الحكومة على أعتاب تغيير جزئي فيها، أو "لحاجة أخرى في نفس يعقوب"، جعله يقوم بما قام به.



السيسي يحرج محافظ القاهرة

في كانون الأول/ ديسمبر 2018، أحرج الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي محافظ القاهرة اللواء خالد عبد العال، بعدما سأله ثلاثة أسئلة تتعلق بمهام منصبه ومشاكل محافظته، خلال مؤتمر حاشد افتتح خلاله بعض المشروعات، بحضور جميع قيادات ومسؤولي الدولة، وفي حدث يبث مباشرة عبر جميع الفضائيات المحلية وبعض الفضائيات الدولية.

قال السيسي للمحافظ: "أنا هسألك أسئلة مش عارف حضرتك هتعرف ترد عليها ولا لأ". ورغم تدخل رئيس الوزراء للإجابة على أول سؤال أشار له السيسي بيده وطالبه بالصمت وعدم التدخل، ثم سأله السؤال الثاني والثالث، وتابع السيسي: "أنا مش قاصد أحرجك، بس أنا حافظ مصر بتدخّل كام في كل منطقة فيها، وعارف كل حاجة عنها كويس".

وسأل السيسي عبد العال: "ما حجم الأموال المتوافرة في صندوق العشوائيات في المحافظة؟ وما هو دخل محافظة القاهرة المالي؟ وما عدد مشروعات الكباري التي نُفّذت خلال السنوات الأربع الماضية؟"، مستنكراً عدم إلمام المحافظ بتلك الأرقام التي يتوجب عليه حفظها كي يتمكن من اتخاذ القرارات والرد على استفسارات المواطنين.



محافظ يوبخ مدير مركز شبابي

محافظ أسيوط السابق (محافظ كفر الشيخ الحالي) اللواء جمال نور الدين كان يجري جولة على المؤسسات الخدمية في مراكز ومدن محافظة أسيوط، بعيد توليه مسؤوليته، مصطحباً كعادته صحافيين، هو الذي دائماً ما كانت تشهد جولاته تعنيفه للمسؤولين عن المؤسسات الخدمية.

"الجديد الذي يتكرر مؤخراً في مصر هو تعمّد بعض المسؤولين اختلاق مواقف للترويج لأنفسهم بين الناس ولدى الجهات الرقابية التي تراقب عملهم وقراراتهم، عبر إهانة أو إحراج موظفين بغير حق، رغم أن أكثرية المصريين يعلمون أن الهدف من معظم زياراتهم الميدانية هو ‘الشو’"

خلال إحدى زياراته لأحد مراكز الشباب في مركز منفلوط، شرق المحافظة، وبّخ المحافظ مدير المركز واصفاً المركز بأنه "مقلب زبالة". ورغم أن مدير النادي راح يقول له إنه رفع عدة مذكرات إلى وزارة الشباب والرياضة يطالبها فيها بتعيين عمال في المركز وتخصيص بعض الأموال لإصلاح بعض الأعطال وصيانة الملاعب وإرسال بعض الأدوات الرياضية التي تساعد الشباب في ممارسة بعض الألعاب الرياضية، إلا أن المحافظ استمر في توبيخه. وعندما يئس مدير النادي من تفهم المحافظ لجوابه وحالة النادي، قال له: "خصصلي ميزانية وهخليه زي مركز شباب الجزيرة".

أين المشكلة؟

هنالك أسباب كثيرة لتردي الخدمات المقدّمة للمصريين. ولكن العقبة الرئيسية التي تواجهها جميع المؤسسات الخدمية الحكومية هي ضعف الميزانيات المخصصة لعملها، ويترتب على ذلك سوء كبير في جودة ونوعية وحجم الخدمات المقدّمة للناس.

هذه الظروف يتناساها المسؤولون. وسعياً منهم للمكوث على الكرسي لأطول فترة ممكنة، يسعون دائماً إلى "عمل شو" يظهرهم بمظهر المسؤول الحازم الذي يهتم بمصالح المواطنين ضد المتكاسلين والمتخاذلين، ويكسبهم تأييد الجهات الرقابية التي ترفع تقارير دورية إلى مجلس الوزراء ومؤسسة الرئاسة حول أداء المسؤولين الحكوميين والمحافظين والوزراء، وهي تقارير لها دور فاعل في استمرارهم في مواقعهم.

محافظ الدقهلية كان بالتأكيد يعلم بضعف الميزانية المخصصة لصيانة المدارس سنوياً، وبمشكلة عدم توافر عمال في المدارس الحكومية، ليس في محافظته وحدها، بل في كل الجمهورية، لعدم رغبة وزارة التعليم في تعيين عمال جدد، ورغم ذلك أهان مديرة المدرسة ووبخها ولم يتردد لحظة في نشر أفعاله على جميع وسائل الإعلام و"السوشال ميديا".

محافظ أسيوط السابق كان أيضاً يعلم بحالة الخراب التي تعيشها معظم مراكز الشباب على مستوى الجمهورية لا محافظته وحدها بسبب ضعف ميزانية وزارة الشباب والرياضة، ورغم ذلك عنّف مدير المركز وتعامل معه بحدة.

وزير الصحة كان يعلم أنه لا يوجد أي أطباء بتخصص "النفسية والعصبية" تابعين للوزارة بمحافظة الإسكندرية لتشغيل وحدة السكتات الدماغية في مستشفى رأس التين العام، ولكنه أمام الكاميرات أراد الظهور بمظهر البطل.

السيسي كان يعلم قبل أن يوجه أسئلته إلى محافظ القاهرة بأنه لن يجيب عنها، والهدف هو أيضاً "الشو".

هذه الاستعراضات تتسبب في حرمان 100 مليون مواطن مصري من الخدمات العامة الأساسية الجيّدة، في قطاعات التعليم والصحة وغيرها. والمشكلة ليست في تقصير موظف من هنا وآخر من هنالك، بل في تنصل المسؤولين من مسؤولياتهم وامتناعهم عن تطوير الإدارات المصرية ورصد الميزانيات التي تسمح لها بأداء خدماتها بشكل جيّد.

فمتى يعي المسؤولين مسؤولياتهم تجاه مواطنين لا حول لهم ولا قوة؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard