حملة ضد وزير الإعلام المصري… هل مسؤول المخابرات هو الأقوى نفوذاً في مصر؟

الثلاثاء 20 أكتوبر 202006:27 م

"حملة تشويه ممنهجة" يتعرض لها، منذ ثلاثة أيام، وزير الدولة المصري لشؤون الإعلام أسامة هيكل، بقيادة إعلاميّي الصف الأول الموالين للنظام. بلغ الأمر أن هوجم الوزير في عقر داره: على قنوات التلفزيون الرسمي (ماسبيرو) والصحف القومية التي يفترض أنها تتبعه.

رجح ناشطون بارزون أن خلف "الحملة" شخصاً ذا نفوذ أقوى من الوزير، واقترح الكثيرون أنه المقدم أحمد شعبان ضابط المخابرات العامة المعني بإدارة ملف الإعلام والذي يقال إنه "صاحب الكلمة العليا" في المنظومة الإعلامية المصرية، وأحياناً "رجل محمود السيسي (نجل الرئيس)" و"ظل عباس كامل" رئيس المخابرات العامة.

بدأت "الحملة" بتغريدة لخالد صلاح، رئيس تحرير "اليوم السابع" الموالي للنظام، انتقد فيها بلهجة تحمل إهانة تصريحاً للوزير هيكل، الذي قال فيه إن "الأعمار أقل من 35 سنة، ويمثلون حوالى 60 إلى 65% من المجتمع، لا يقرأون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون، وبالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات"، بحسب الصفحة الرسمية للوزارة عبر فيسبوك.

هجوم ممنهج و"تخوين"

اتهم صلاح الوزير بـ"مواصلة التنظير" عبر "نشر معلومات تصريحات خاطئة" تساهم بشكل كبير في "زعزعة المنظومة الإعلامية". وأضاف: "كنت أظن أن أسامة هيكل تعلم بعض السياسة عبر هذه السنوات الطويلة فى البرلمان، لكنه أخفق حتى فى إدارة اختلاف مهني و‘شرشح بالبلدي‘ مردداً نفس كلام كل أعداء مصر".

متهم بـ"الخيانة وتقويض جهود الدولة ضد الإرهاب"... "حملة ممنهجة" ضد وزير الإعلام المصري لأنه قال إن نحو 60% من المصريين لا يقرأون الصحف أو يشاهدون التلفزيون. خلف الهجوم ضابط مخابرات يعرف بأنه "الرجل الأول لدى محمود السيسي" وهذه التفاصيل

وتساءل مشككاً عن نية الوزير: "هل تبحث عن فرصة عمل أخرى فى واحدة من القنوات المعادية لمصر مثلاً؟ سيادتك عاوز تشتغل منظراتي على خلق الله وسايبنا فى معركة وطنية كبيرة دفاعاً عن وعي مصر والمصريين". قبل أن يختم: "اختشي وشمر وادخل المعركة معانا، عشان مصر".

وسرعان ما انضم إليه محمد الباز، رئيس مجلس إدارة وتحرير جريدة "الدستور"، ومقدم برنامج "آخر النهار" عبر قناة "النهار".

 في منشور عبر فيسبوك كتب الباز: "قلت لأسامة هيكل أن يتقدم باستقالته، فهذا أفضل وأكرم له، لكن الوزير الذى ليس له فى السياسة أو الإعلام يسير إلى حتفه بقدميه".

وأضاف في منشور آخر: "لماذا لا يلتزم أسامة هيكل الصمت؟ لا أعرف ما الذي يريده... يجب أن يجتهد ويقدم أفكاراً لتطوير الإعلام، الذي هو سلاح حقيقي فى معركة الدولة ضد الاٍرهاب، لكنه يتفرغ تقريباً للهجوم عليه وتشويهه والتقليل من قدره وتأثيره".

وزعم أن هيكل "لا يكف عن بث روح الإحباط فى جموع الصحافيين"، ناصحاً إياه: "التزم الصمت... وإلا فيمكنك أن تبحث عن وظيفة أخرى تناسب قدراتك فى التنظير الفارغ".

حتى في برنامجه، اتهم الباز الوزير بأنه "في عالم آخر" ولا يدري شيئاً عن الإعلام المصري، مطالباً النائب العام بتقديم بلاغ ضده بزعم أنه "من دون أن يدري يضرب الصناعة الوطنية في مقتل"، محذراً من تراجع المعلنين بسبب هذه التصريحات.

ودخل على خط الهجوم الضلع الثالثة في معادلة إعلام النظام وأذرعه الرئيسية، المذيع أحمد موسى، الذي سأل خلال برنامجه "على مسؤوليتي" الذي يبث عبر قناة "صدى البلد": "لماذا أدلى وزير الإعلام بهذه التصريحات ونحن في حرب حقيقة؟ ألم يكن بالأولى أن يخوض الحرب معنا؟".

وشاركت في الهجوم، الذي تبنته صحيفة "اليوم السابع" وأفردت له صفحاتها، فاطمة سيد أحمد، عضوة الهيئة الوطنية للصحافة، إذ اعتبرت أن الوزير "فقد عقله بعد فقد حقيبته"، داعيةً الدولة إلى اتخاذ "إجراء عاجل مع وزيرها الذى أساء إليها قبل أن يسيء بتصريحاته للصحافة والإعلام".

وزعمت صحيفة "الدستور"، التي يديرها الباز، بدورها، أن تصريحات الوزير "قوبلت باستهجان وغضب شديدين، بعد أن استخدمتها القنوات المعادية وإعلام الإخوان (المسلمين) ضد الإعلام المصري والدولة"، عبر وسم #أسامة_هيكل_لا_يصلح_للإعلام الذي ادعت أنه تصدر "الترند" على تويتر. 

"اختشي وشمر وادخل المعركة معانا، عشان مصر"... ناشطون يرون أن الهجوم على وزير الإعلام المصري معركة "صراع على فرض النفوذ" بين المخابرات العامة التي يقال إنها تقف خلف الحملة ضده والمخابرات العسكرية التي يعتقد أنها تدعمه

لكن رصيف22 لاحظ أن الوسم يضم عشرات التغريدات التي يتباين محتواها بين من يرى أن الوزير "قال الحقيقة" ومن يرى أنه "ينبغي أن يستقيل ويمنح الفرصة لآخر لتطوير الإعلام" ومن يسأل عن "إنجازاته عقب 10 أشهر على تولي الحقيبة الوزارية" ومن يساير الهجوم عليه بوصفه بـ"الفاشل". وشكك كثيرون في أخبار تصدر الوسم.

تسجيل مسرب على التلفزيون "الرسمي"

لكن الصادم كان أن بث برنامج "التاسعة" الذي يقدمه المذيع وائل الإبراشي عبر القناة الأولى من التلفزيون الرسمي المصري، مساء 19 تشرين الأول/ أكتوبر، "تسجيلاً مسرباً" لوزير الإعلام على الهواء مباشرةً. بل بث أخبار التسريب عبر صحف قومية مثل أخبار اليوم

تضمن التسريب اتصالاً بين رئيس حزب الوفد السابق السيد البدوي وهيكل. وكان البدوي يعطي تعليمات للوزير خلاله بمهاجمة جماعة الإخوان المسلمين وذلك عقب ثورة 25 يناير عام 2011.

اللافت أن الجزء المسرب بث بطريقة ملتوية إذ بدأ باتصال آخر للبدوي بشخص يطلعه على مخرجات "الحوار الوطني" الذي عقد آنذاك بحضور الإخوان وشخصيات اقتصادية بارزة، بينها نجيب ساويرس، واستنكاره عدم دعوة "الوفد" واتصال البدوي بهيكل للتعبير عن سخطه ومطالبته بالهجوم على المجلس العسكري الحاكم آنذاك. ولم يتم بث رد هيكل أو حتى ما قاله البدوي بالتفصيل.

وقال الإبراشي معقباً إن الوزير كان أحد الأشخاص الذين "استخدموا" في الصراع على "كعكة الحكم" وقتذاك، مستطرداً: "أن تخدم أغراض الإخوان أخطر"، في اتهام منه للوزير بأنه تم توظيفه من قبل الإخوان في تصريحاته الأخيرة.

وبينما اعترف بأن لديه موقفاً معادياً للوزير منذ عام 2011، متذرعاً بأن "طموحاته (أي الوزير) أكبر من إمكانياته"، قال الإبراشي إن هيكل "تحول إلى حليف وصديق للإعلام المعادي سواء عن قصد أو بدون قصد".

"جنان ومهزلة"

وأعرب العديد من الناشطين والصحافيين عن دهشتهم مما يحدث، معتبرين أنه "فضيحة" و"جنان" و"مهزلة". عبر تويتر، قال الصحافي حسام بهجت: "أسامة هيكل يبقى وزير الإعلام. ودي شاشة القناة الأولى في التلفزيون المصري. بس نشرة ‘التاسعة‘ من إنتاج المخابرات العامة ايجار جديد (الشركة المتحدة). ولذلك بتذيع على الهواء تسريب لوزير الإعلام على القناة الأولى في التلفزيون الرسمي".

"نتيجة طبيعية للعك الرسمي في إدارة البلاد"... بعدما سرّب نظام السيسي التسجيلات والفيديوهات الجنسية للناشطين والمعارضين، تسرّب المخابرات العامة تسجيلاً لوزير الإعلام وعبر التلفزيون الرسمي

وغردت الناشطة منى سيف: "وزير الإعلام معمول عليه حملة شبه ‘اقلب القدرة على فمها‘، مانشيتات بتقوله ‘اختشي‘ وتسريبات تذاع ع القناة الأولى... الراجل يعامل نفس معاملة النشطاء وبتوع حقوق الإنسان الأشرار".

ووصفت الصحافية المصرية نادية أبو المجد الأمر بـ"الفضيحة"، مذكرةً أن النظام كان قد بدأ بنشر تسريبات صوتية لنشطاء ومعارضين ثم "تسريب فيديوهات جنسية لمخرج الانقلاب (خالد يوسف)" قبل اللجوء إلى "تسريب صوتي قديم من أيام المجلس العسكري لوزير الدولة للإعلام المراسل العسكري السابق #أسامة_هيكل على تلفزيون الدولة".

ورأت الإعلامية اللبنانية ليليان داوود، التي عملت طويلاً في مصر، أن هذه "النتائج الطبيعية المترتبة على العك الرسمي" في نمط إدارة البلاد.

وبينما رجح البعض أن تكون "الحملة" نتاج "تنافس" بين المخابرات العامة -ممثلة في شعبان- والمخابرات الحربية التابعة للجيش المصري والتي يحظى هيكل بدعمها، لخص محمد صلاح، مدير مكتب "الحياة اللندنية" في مصر، أزمة هيكل بقوله إنه عندما "تحدث الوزير بصراحة عن أوضاع الصحف وقنوات التلفزيون، انفجرت في وجهه ماسورة التجريح، ودافع القائمون على الإعلام عن مكتسباتهم ومواقعهم، واستخدموا منصاتهم للخلاص منه"، مضيفاً: "الوزير على حق، لكن مشكلته أنه بلا صلاحيات تمكنه من تغيير وضع متردٍ يسيطر عليه حيتان الإعلام".

لكن يبدو أن هيكل ليس في موقف ضعف، لأنه لم يتراجع عن تصريحاته. ففي رده على مهاجميه، اتهمهم صراحةً بأنهم أقلام مأجورة "تركت أقلامها لغيرها وتكتفي بالتوقيع طمعاً في الرضا والعفو والسماح". واعتبر أن الحملة ضده "لا إبداع (فيها) على الإطلاق... نفس الكلمات ونفس الأسماء، بل ونفس التوقيت".

وفي سلسلة تغريدات، وجه رسالةً مباشرةً لمن هو خلف الهجوم من دون أن يسميه قائلاً: "لن أصمت، فأنا أقول الحقيقة، والحقيقة ستظهر عاجلاً أو آجلاً، فقد أهدرتم الكثير والكثير بلا خبرة وبلا هدف واضح، ولم يعد أحد لا يعرف".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard