السعودية ووهم التحالف مع ترامب

الاثنين 19 أكتوبر 202010:31 ص

في آب/ أغسطس 2016، عُقد اجتماع مع جون ترامب لدعم حملة أبيه دونالد. حضر الاجتماع جورج نادر كمبعوث لمحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وليي العهدين السعودي والإماراتي، وكان الرجل الثاني هو خبير شؤون الدعاية والتوجيه على السوشال ميديا، الإسرائيلي جويل زامل، وكان منظم الاجتماع هو إريك برنس، خبير الشركات الأمنية الخاصة والرئيس السابق لبلاك وواتر.

حضور خبير أمني وخبير في التضليل الدعائي، مع دعم خليجي كبير، جعل الاجتماع الذي كشفت عنه صحيفة نيويورك تايمز يبدو كما لو أن هدفه تدشين تحالف شرق أوسطي جديد، وتحديد تكتيكات هذا التحالف أكثر مما هو دعم مرشح رئاسي.

وفقاً للمصادر، عرض مبعوث الأميرين دعم حملة ترامب مالياً، وعرض الإسرائيلي دعماً تقنياً على شكل عمليات تضليل على السوشال ميديا من خلال شركته التي يعمل فيها ضباط مخابرات إسرائيليون متخصصون في هذا المجال. كان الاجتماع مؤشراً لبداية رهان سعودي-إماراتي على ترامب.

هل ترامب الخيار الأمثل لأمن السعودية؟

كان دعم ترامب على حساب مرشحة الحزب الديمقرطي هيلاري كلينتون لعدة أسباب، أولها أنه قادم من خارج المؤسسة الأمريكية الحاكمة (فلم يسبق له الترشح لأي منصب تنفيذي أو برلماني) أو ما يسمى بالإنكليزية anti-establishment. وقد سئم الخليجيون من ضغوط تلك المؤسسة خاصة في ما يتعلق بمجال حقوق الإنسان والحريات الأساسية. أرادت السعودية أن تتحرر من ضغط المؤسسة بدعم رئيس لا ينتمي إليها ولا يأبه كثيراً بسجلها الحقوقي وبقمعها لمواطنيها.

ورغم أن ترامب أيضاً جاء بخطاب يخلط بين معاداة الإسلاميين وبين معاداة المسلمين أنفسهم، غير أن السعودية والإمارات لم تأبها كثيراً لشق معاداة المسلمين طالما أنه يشاركهم معاداة الإسلاميين الذين وضعتهم الإمارات ومصر كخطر استراتيجي أوّل ووضعتهم السعودية كخطر استراتيجي ثانٍ بعد إيران، الخصم التاريخي للمملكة.

لكن هل كان دعم ترامب القادم من خارج المؤسسة هو القرار الاستراتيجي الأمثل لأمن السعودية على الأقل؟

منذ حرب الخليج، أسست الإدارات الأمريكية استراتيجية الدفاع الأمريكي في السعودية على طبقتين أساسيتين: الأولى مبنيّة على مفهوم الردع الأمريكي الذي يستلزم نشر قواعد عسكرية أمريكية على الأراضي السعودية وفي الخليج العربي، تكون جاهزة لتوجيه ضربة ضخمة لإيران تفوق قدرتها على التحمل، ما يعني رفع تكلفة الاعتداء على المملكة إلى درجة تجعل التفكير فيه غير عملي وغير قابل للتنفيذ، وهو ما كانت تفهمه إيران ووكلاؤها في المنطقة بشكل جيّد، ولذلك لم تفكر في شنّ هجوم مباشر أو عن طريق وكلاء على السعودية خوفاً من الرد الأمريكي.

والطبقة الثانية هي الطبقة الدفاعية، وتعتمد في الأساس على نشر شبكة صواريخ الحماية باتريوت التي تهدف إلى حماية سماء المملكة من الهجمات الصاروخية التي قد تنفّذها إيران أو وكلاؤها ضد المنشآت الحيوية في المملكة.

هذا الردع بدأ يتآكل تحت إدراة ترامب، أكثر رئيس أمريكي حمل فكرة ابتزاز السعودية مالياً بصورة واضحة، معرّضاً فكرة الردع نفسها للخطر.

ابتزاز غير مسبوق

تصرّف ترامب كرجل أعمال، لا كرجل دولة له أهداف استراتيجية أهم من جلب الأموال بالمعنى المباشر للكلمة. عانت السعودية في فترة حكمه من حملة ابتزاز غير مسبوقة.

"دعمت السعودية ترامب، ولا زالت تدعمه لأنه أتى من خارج المؤسسة، ولكنها لم تعلم أنه ربما يأتي بقواعد علاقات من خارج المؤسسة أيضاً، قواعد من شأنها أن تعصف بأمنها أو على الأٌقل تدعه عرضة لتقلبات بعيدة عن مقتضيات السياسة والعلاقات الاستراتيجية"

كانت استراتيجية ترامب للسعودية بسيطة وسهلة: ادفع لتحصل على الحماية أو، إنْ شئنا الدقة، ادفع لتحصل على نصف أمن ونصف حماية. ففي مقابل تدفق مالي كبير من السعودية تجاه الخزانة الأمريكية وشركات التسليح الأمريكية وشركات أخرى، قدّمت إدراة ترامب للسعودية أقل بكثير مما توقعته، فقد نشرت الجنود الأمريكيين في قواعد محددة لا تضمن حماية المنشآت الحيوية المعرّضة للهجمات الإيرانية، ولا نيه لديها في الرد إذا هوجمت الأراضي السعودية بدون التعرض بشكل مباشر للمصالح الأمريكية.

بدأت إيران تختبر تدريجياً فكرة الردع وتتجاوز خطوط حمراء بضربات صاروخية من الحوثيين المدعومين منها. فعام 2017، تعرّضت الرياض نفسها لضربة صاروخية استهدفت اجتماعاً في قصر اليمامة الملكي لكبار المسؤولين السعوديين. وفي 2019، تصاعدت هجمات الحوثيين ضد المنشآت النفطية الأساسية في البقيق وشيبة واستهدفت منشآت شركة أرامكو السعودية بمدينة ينبع، على ساحل البحر الأحمر، باستخدام 12 طائرة مسيرة وثلاثة صواريخ.

ورغم أن الولايات المتحدة نفسها رجحت أن هجوم أرامكو نفّذته إيران مباشرة، إلا أن إدارة ترامب أعادت رسم الخطوط الأمريكية الحمراء في الشرق الأوسط وأخرجت أمن وتدفق النفط السعودي من معادلة الردع وتركت السعودية عرضة للضغط الإيراني العسكري.

أما على مستوى الطبقة الثانية من الاستراتيجية الأمريكية للدفاع عن السعودية وهي الدفاع الصاروخي، فبعد فشل منظومة الباترويت الأمريكية في التصدي للكثير من الهجمات الإيرانية والحوثية لم تسعَ الولايات المتحدة لتطوير المنظومة، بل على العكس قامت بتخفيض الكثافة الدفاعية عن الأراضي السعودية. فقد أعلنت في أيار/ مايو الماضي عن سحب بطاريتين من أصل 4 بطاريات باتريوت منتشرة لحماية الأراضي السعودية، كما سحبت عدداً من الطائرات الهجومية وأنظمة الدفاع الجوي، وسط خلافات أمريكية-سعودية حول حجم إنتاج النفط.

"دعمت السعودية ترامب لأنه قادم من خارج المؤسسة الأمريكية، وقد سئم الخليجيون من ضغوطها في ملفات حقوق الإنسان والحريات الأساسية. أرادت أن تتحرر منها بدعم رئيس لا ينتمي إليها ولا يأبه كثيراً بسجلها الحقوقي وبقمعها لمواطنيها"

ووفقاً لتقارير، حذّر ترامب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مكالمة هاتفية في الثاني من نيسان/ أبريل، من أنه إذا لم تبدأ منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بخفض إنتاج النفط، سيكون عاجزاً عن منع المشرعين من إصدار تشريعات لسحب القوات الأمريكية من المملكة. وهذا تحدٍّ خطير للمفاهيم المؤسسة للعلاقات السعودية الأمريكية التي كانت قادرة من قبل على الفصل بين الخلافات الاقتصادية والسياسية التكتيكية من جهة، وبين التقارب الاستراتيجي من جهة أخرى.

قواعد مقلقة

دعمت السعودية ترامب، ولا زالت تدعمه لأنه أتى من خارج المؤسسة، ولكنها لم تعلم أنه ربما يأتي بقواعد علاقات من خارج المؤسسة أيضاً، قواعد من شأنها أن تعصف بأمنها أو على الأٌقل تدعه عرضة لتقلبات بعيدة عن مقتضيات السياسة والعلاقات الاستراتيجية.

في المجمل، يمكن القول إن إدارة ترامب استنزفت السعودية اقتصادياً واستراتيجياً، وعرّضت أمنها لخطر كبير.

ويمكن أن نستنتج أن النظرة الاستراتيجية السعودية قد وقعت في مغالطة كبرى حين لم تدرك أن دعم رئيس يأتي من خارج المؤسسة، ويعطي أولوية للتكلفة الاقتصادية فقط دون الانتباه إلى التكلفة الاستراتيجية، قد تعرّض القواعد المنشئة للتحالف السعودي الأمريكي لخطر.

فالتحالف بين البلدين تم تدشينه والحفاظ عليه وتقوية قواعده داخل المؤسسة الأمريكية نفسها. وهناك دوماً أمور أكثر تعقيداً من فرحة البدايات والتبسيط المخل التي تبنته المملكة بأن عدو عدوي بالضرورة يجب أن يكون صديقي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard