هلموا هلموا لمجد الزمن!

الجمعة 16 أكتوبر 202005:48 م

لنتخيّل...

ساحة الوغى فارغة، لا يوجد فيها سوى حصان عربي أصيل، يركبه رجل مغوار ذو نظرات ثاقبة وملامح غامضة، يحدق إلى الأمام... ها هو العدو يتقدم بسرعة البرق.

الغبار يحجب الرؤية، وفارسنا لا زال واقفاً في مكانه بكل ثقة. بدأ الاضطراب يعمّ الوسط وفارسنا لا زال واقفاً في مكانه بكل ثقة. صوت الخيول يقترب أكثر فأكثر وفارسنا لا زال واقفاً في مكانه بكل ثقة. العدو يحاصره وفارسنا لا زال واقفاً في مكانه بكل ثقة. وفجأة تسمعه يقول: هلموا هلموا لمجد الزمن! حينها توقف العدو وانطلق فارسنا يقتله تقتيلاً بسيفه الحاد، لينتصر أخيراً.

أتدرون ماذا جرى؟ دعوات الرعية تحققت فجأة. هكذا أتخيل رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيّد، قبل كل كلمة يلقيها. فقط للتذكير، هذا المشهد أتخيله ونحن على مشارف نهاية سنة 2020. هذا المشهد لا صلة له بوباء كورونا، فإن لم نمت بالوباء سنموت بمرض السكري أو ضغط الدم، أو بحادث بسيط يعفينا من العناء. هذا المشهد يكون حاضراً بقوة في خطاب الرئيس، كلما تعلق الأمر بالحريات الشخصية مثلاً، حقوق النساء أو القضايا المجتمعية.

ما ردك يا فارسنا المغوار؟

في شهر أيلول/سبتمبر المنقضي، على خلفية جريمة اغتصاب وقتل وحشية تعرضت لها "رحمة لحمر"، شابة في مقتبل العمر، وبعد موجه كبيرة اكتسحت مواقع الميديا الاجتماعية، تنادي بتطبيق حكم الإعدام على القاتل، صرح فارسنا المغوار: "بالنسبة للبنت التي وجدت بعد ثلاثة أيام من قتلها، الدعوة لرجال الأمن والحرس... أعرف الجهود التي تبذلونها ولكن لابد من مضاعفة هذه الجهود حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم. هناك من يطالب بعقوبة الإعدام وهناك نقاش حول هذه المسألة، ولكن أود أن أكون صريحاً: من قتل نفساً بغير حق جزاؤه الإعدام، وبطبيعة الحال توفر له كل ظروف الدفاع عن نفسه، وإذا ثبت أنه ارتكب قتل نفس أو أكثر، فالإعدام هو الحل".

خرج علينا الرئيس التونسي قيس سعيّد إثر جريمة اغتصاب وقتل رحمة الأحمر، ليقول إن الإعدام هو الحل، لكن المجرم نفسه سبق وأن شمله عفو تشريعي عام عن جريمة مماثلة، فإذا كان هذا القاتل أو غيره ترعرعوا في دولة لا تحترم قانونها، من يستحق القصاص فعلاً؟

كلام مشحون بالحمية ويعبر عن أرضية خصبة للعنف تتبناها الدولة، لتبثها عبر مؤسساتها وقراراتها في 12 مليون نسمة والعدد مفتوح. لكن، إذا قلنا إن القاتل تمتع سابقاً وفي جريمة مماثلة بعفو تشريعي عام، فما هو ردك، قائدي المغوار؟ إن القاتل يعيش في دولة، نواب شعبها متحرشون وعدائيون، فما هو ردك يا حامي الحمى والدين؟ إن القاتل ترعرع في دولة لا تحترم قانونها، تعتمده وقت تشاء وتغض البصر وقت تشاء، فما هو ردك يا أستاذ القانون؟ إن القاتل، شكّل فحولته في دولة ذكورية لا يخاف رجالها من انفلات قضيبهم، فما هو ردك يا رجل الدولة؟

إذا كان الإعدام هو الحل، فلماذا يلجأ المظلوم/ة للدولة؟ يمكنه/ه أخذ ثأره/ها بنفسه/ها. الإعدام في النهاية هو قتل مقنن. وإن أخذت ثأري بنفسي، هل أعدم بدوري؟ من المفروض لا، فأنا في النهاية قتلته بوجه حق. في هذه الحالة فلتوفروا علينا عبء رواتبكم وامتيازاتكم، نحن لا حاجة لنا بكم.

هل الحل بالانتقام؟

حسب منظمة العفو الدولية، الإعدام هو جريمة تقوم على مبدأ الانتقام، والانتقام ليس هو الحل. الحل يكمن في تقليل العنف، وليس في التسبب بمزيد من الموت، ناهيك عن أن تونس قد صادقت على عدة مواثيق دولية تفيد بأن "لكل شخص الحق في الحياة"، وأن دستورها يقرّ بأن "الحق في الحياة مقدس".

 صوت في داخلي يقول: "لرحمة أيضاً الحق في الحياة"... ذلك لا شك فيه، ولكن ما هو الحق في الحياة، وكيف تضمن الدولة الحق في الحياة، وما هي أصلاً مقومات الحياة؟ هل يكفي أن نتنفس ونأكل ونشرب ونلبس لنتمتع بالحياة؟ هل إعدام القاتل سيعيدنا للحياة؟ وهل الإعدام هو معاقبة للمذنب أو معاقبة لنظام موبوء؟ هل هو تطبيق لإرادة الشعب أو شكل مقنع لهروب الدولة من مسؤوليتها الفعلية؟

إن آليات الضبط الاجتماعي التي تضعها الدولة لقولبة شعبها، وبناء قراءة أحادية للنص الديني، تستخدم الأفراد كوسيلة لتطبيق ظاهر النص وتبني أفكار رجعية، كأن تلتزم المرأة البيت وترتدي الحجاب، وإلا فهي تستحق ما يحل بها

حسب الفصل الخامس من القانون الأساسي عدد 58 لسنة2017: "تلتزم الدولة بوضع السياسات الوطنية والخطط الاستراتيجية والبرامج المشتركة أو القطاعية، بهدف القضاء على جميع أشكال العنف المسلط على المرأة في المجال الأسري والمحيط الاجتماعي، واتّخاذ التراتيب والتدابير اللازمة لتنفيذها"، كما تتعهد الدولة بالوقاية من العنف ضد النساء. بكلمات أوضح، على الدولة العمل على توفير حياة آمنة للنساء قبل التشفي من معنفيهم، فمن السهل معاقبة المذنب/ة دون البحث عن حلول، تماماً كإعفاء مدير/ة من مهامه/ها وفي المقابل تظل المشكلة قائمة.

حسب دستور الجمهورية الثانية لسنة 2014، شعار الجمهورية التونسية هو "حرية، كرامة، عدالة، نظام". الحرية تشمل مثلاً حرية المعتقد، فلماذا نعتبر أن تونس دولة دينها الإسلام، في حين أن جزيرة جربة الجميلة مليئة باليهود التونسيين/ات؟ ولماذا ندرس التربية الإسلامية دون الأديان الأخرى؟ هو تمييز تمارسه الدولة ولكنه لا يمس أغلبية الشعب، إذن هو ليس بالمهم، على عكس الإعدام.

الإعدام هو جريمة تقوم على مبدأ الانتقام، والانتقام ليس الحل لأزمات المجتمع وجرائم مواطنيه. الحل يكمن في تقليل العنف، وليس في التسبب بمزيد من الموت

الحرية تشمل أيضاً حرية اللباس، فلماذا تُجبر الفتاة على ارتداء الميدعة دون الأولاد في المعاهد الثانوية؟ خصرها يزعج المجتمع؟ هذا يتنافى مع تعاليم دين الإسلام الذي لا ندرس سواه، والأهم ندرسه مصبوغاً بأهواء المدرسين/ات. الكرامة، ما معنى الكرامة؟ هل هي العدالة؟ هل تطبيق الإعدام في ساحة الحبيب بورقيبة، كما جاء في العديد من التدوينات، شكل من أشكال العدالة؟ هل هي النظام؟ هل احترام إشارة المرور الحمراء خوفاً من الغرامة المالية هو النظام المقصود.

لماذا هذه الأمثلة وما علاقتها بسياق المقال؟

هذه الأمثلة هي ليست سوى بعض آليات الضبط الاجتماعي التي تضعها الدولة لقولبة شعبها، ثم أن بناء قراءة أحادية للنص الديني، تجعل من الأفراد وسيلة لتطبيق ظاهر النص وتبني أفكار رجعية، كضرورة أن تلتزم المرأة البيت وأن ترتدي الحجاب، وما عدا ذلك فهي تستحق ما يحل بها، تماماً كرحمة. وترويج مفهوم ضيق للعدالة، من البديهي أن يذهب بنا الى المطالبة بتنفيذ محاكمة أسطورية وفرض نظام بالقوة دون استبطانه، مآله تمرد عقيم.

في انتظار أن يعترف رئيس الجمهورية، قيس سعيد، بوجود "أمن" و"نساء ورجال أمن والحرس"، دعوني أعود إلى المشهد الذي انطلقنا منه، فهو على الأقل ينتهي بانتصار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard