في "تونس المساواة"... آلاف النساء لا تزال حقوقهنّ في الميراث تؤكَل؟

الخميس 24 سبتمبر 202011:52 ص

"لا أريد أن أكون ‘ضحكة في الدوار’ (أضحوكة في القرية)". هكذا ردّت عائشة على سؤالنا حول عدم مطالبتها بحقّها في إرث والدها وتركِه لإخوتها الذكور رغم حاجتها إليه.

تخشى عائشة، كباقي نساء بلدتها، ممّا تسميه بـ"الفضيحة" ومن "العار" الذي ستوصم به طوال حياتها في حال طالبت بحقّها في أملاك والدها، رغم معرفتها أنّ الشرع أقرّ ها بنصيب. فحتى الآن، لا يزال جزء من المجتمع التونسي، في الأرياف بشكل خاصٍ، يرفض أن ترث المرأة.

ورغم أن الشرع الديني ينص على أنّ ترث المرأة نصف ما يرثه الرجل من ممتلكات الأبوين، وفقا للآية 11 من صور النساء ({وللذكر مثل حظّ الأنثيين})، ورغم ثورة الإصلاحات التي فرضتها تونس لصالح المرأة، وآخرها طرح أن ترث تماماً كما الرجل، فإنّ نساء الأرياف وبعض المدن ما زلن يستحين من المطالبة بحقوقهنّ، وما زال الذكور يرثون كل الإرث، بكلّ فخر وجشعٍ.

المطالبة بالحق في الإرث "عيبٌ"

عائشة التي تبلغ من العمر 56 عاماً، وتقيم في معتمدية السند، في محافظة قفصة، وسط غرب تونس، تزوّجت في عمر الـ17 من ابن خالها، وأنجبت بنتين وثلاثة أولاد. زوجها الذي يعمل كعامل نظافة في البلدية لا يملك سوى قطعة أرضٍ صغيرة مهمَلة، في حين يملك والدها عشرات الهكتارات التي تقاسمها إخوتها الذكور الأربعة في ما بينهم، بعد وفاته قبل تسعة أعوام.

بعد تنهيدةٍ تكشف معاناتها من أعراف المجتمع الذي نشأت فيه، تقول عائشة لرصيف22: "النساء هنا لا يرثن كما أوصى القرآن الكريم". تشدّد على أن مجتمعها يرى أن ذلك عيباً حسب العادات والتقاليد، ولا تجرؤ على تجاوز قيود هذه العادات.

تعتبر أن الأقسى من حرمانها من إرث والدها هو أن إخوتها على علمٍ بمعاناتها وبحاجة أطفالها إلى مساعدتهم، خصوصاً أنّها غير قادرة على توفير مصاريف دراستهم جميعاً، ما اضطرّ اثنين منهم إلى الانقطاع عن الدراسة، فيما يواصل الباقون الدراسة بإمكانيات ضعيفة، ومع ذلك لا يساعدونها، ولا يمنحونها ولو جزءاً قليلاً من ثمار أراضيهم الكبيرة.

ليست عائلة عائشة فقط مَن ترفض توزيع الميراث على كافة الأبناء إناثاً وذكوراً. أغلب العائلات التونسية في الأرياف ترفض خروج ثروة العائلة إلى الأغراب، وهو عرفٌ قديمٌ توارثه التونسيون عن أجدادهم ويحظي بقبول النساء الأخوات خوفاً من فقدان صلة الرحم، التي قد تقطعها المنازعات حول ممتلكات.

تقرّ تركية الشابي، نائبة رئيسة "رابطة الناخبات التونسيات"، وهي منظمة حقوقية غير حكومية تُعنى بالدفاع عن حقوق المرأة، بوجود نساء كثيرات في الأرياف غير قادرات على المطالبة بحقوقهنّ في الإرث.

تشير إلى أن وضع النساء في تونس يختلف كلياً بين المدن والأرياف، ففي الأخيرة يمارَس عليهنّ العنف الاقتصادي إذ يُعتبر أنّها لا تحتاج إلى الإرث كما يحتاجه أخيها.

ترجع الشابي ذلك إلى قوّة الأعراف التي تقيّد النساء وتجعلهنّ خاضعات لنظام ذكوري ينتقص من حقوقهنّ التي حدّدها القانون، وتقول لرصيف22: "تختار النساء الريفيات بإرادتهن عدم رفع دعاوي قضائية ضد أفراد العائلة خوفاً من ‘العيب’"، لافتةً إلى أنّ "الرجل التونسي يرحّب بالمساواة في الإرث لزوجته، ويعارضها لأخته".

القانون يشرّع والعرف يحرّم

عام 2017، دعا الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي إلى إقرار المساواة في الإرث بين المرأة والرجل، وتبنّت المبادرة حكومة يوسف الشاهد وصادقت على مشروع قانون المساواة في الإرث، إلا أنه لا يزال ينتظر مصادقة البرلمان ليصير نافذاً.

لم يمرّ الأمر بسلاسة، بل فجّر جدلاً واسعاً داخل تونس وخارجها، وتظاهر احتجاجاً عليه آلاف التونسيين في العاصمة، وفي العديد من محافظات البلاد. وعبّر علماء جامعة الزيتونة عن رفضهم "القاطع" له، على اعتبار أن فيه معارضة صريحة لآيات الميراث القطعية واعتداء على أحكامها. كما دخل الأزهر على الخط رافضاً هذه الخطوة التي تتعلّق بموضوع يُعتبر شديد الحساسية ومن المحظورات في المجتمعات المسلمة.

هكذا، ظلّت المبادرة حبيسة رفوف البرلمان، ما كشف عن أزمة مزمنة في الخطاب الديني إزاء معالجة التحديات الطارئة على التشريع الإسلامي وملاءمته مع الواقع الاجتماعي والسياسي في العالم العربي.

أغلب السياسيين يتجنّبون الخوض في الأمر خوفاً من فقدان قاعدتهم الانتخابية، فيما يستغله البعض لإثارة البلبلة والتخويف من تهديد هوية تونس الإسلامية والعربية.

زينب (36 عاماً)، ابنة معتمدية العيون في محافظة القصرين، وسط غرب تونس، أحبّت شاباً محدود الإمكانيات المادية وتحدّت عائلتها وعادات قريتها لتتزوجه وعاشت معه ظروفاً صعبة دفعتها إلى المطالبة بحقها الشرعي في أراضي والدها، غير أنّها اصطدمت بسخط أهالي القرية الذين اعتبروها "قليلة أدب" و"والدها لم يحسن تربيتها" بل يرون أنّها ارتكبت إثماً لا يغتفر، وفق ما قالته لرصيف22.

رغم أن الشرع الديني ينص على أنّ ترث المرأة نصف ما يرثه الرجل من ممتلكات الأبوين، ورغم ثورة الإصلاحات التي فرضتها تونس لصالح المرأة، ما زال كثيرون من الذكور في الأرياف وبعض المدن في تونس يحرمون أخواتهنّ من حقوقهن في الميراث

ليس فقط نظرة المجتمع ما ظلم زينب. إخوتها رفضوا منحها حقّها، وقاطعوها وقرّروا ألا يعتبروها فرداً من عائلتهم، إذ تروي أنهم حذّروها من مجرّد العبور من أراضيهم، أو أن تطأها قدماها.

تقول زينب إنّ ذلك يؤلمها كثيراً، لكنّها لن تتراجع عن الحصول على حقّها، حتى أنّها قرّرت اللجوء إلى القضاء، وهو ما اعتبره محيطها القريب مظهراً من مظاهر الفجور، وجرأة غير مقبولة من فتاة ريفية كان عليها أن تقدّر عائلتها وإخوتها الرجال.

ولا توجد أي أرقام أو معطيات دقيقة حول عدد النساء المحرومات من حقوقهن في الميراث نتيجة التسلط الذكوري في المجتمعات الريفية، حيث تفوق قوة الأعراف قوة القانون. ولكن كثيرات من نساء الريف يتعرضن للظلم من قبل إخوتهنّ الذكور وآبائهنّ في الميراث، وفقاً لتصريحات متقاطعة في شهادات لرصيف22.

يؤكد الباحث في علم الاجتماع صلاح الدين فرج أنّ التفكير في بعض مناطق تونس لم يتطوّر، خصوصاً في الجهات الداخلية والأرياف، أولاً لأنّ الدولة لم تهتم بهذه المناطق والدليل أنّ 500 ألف تونسي لا يملكون بطاقة هوية، وأيضاً لأنّ منطق القبلية الذي حكم منذ عصور ما قبل الدولة ما زال سائداً هناك، ويشير إلى أنّ العرف ما زال يحكم أكثر من القانون في هذه الأوساط.

وأوضح فرج لرصيف22 أن المجتمع التونسي في أغلبه مجتمع ذكوري وسلطوي، برغم التطوّرات القانونية الهامّة وبالرغم من أنّ تونس تُعَدّ رائدة في مجال حقوق المرأة، فهي ساوت بين المرأة والرجل في جميع الحقوق والحريات منذ عام 1956 عبر مجلّة الأحوال الشخصية، "غير أن القوانين لا تغيّر الواقع ما لم يتغيّر الوعي".

مسار مشروع قانون المساواة

في 13 آب/ أغسطس 2017 (عيد المرأة)، دعا الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي إلى تطبيق المساواة في الميراث بين المرأة والرجل، وشكّل لجنة الحريات والحقوق الفردية التي تعهدت بصياغة مشروع قانون حول ذلك وكتابة تقرير خاص به.

وبعد حوالي سنة، قدّمت اللجنة التي ترأستها الحقوقية والنائبة السابقة في مجلس نواب الشعب بشرى بالحاج حميدة تقريرها المكوّن من 233 صفحة.

تعلق الجزء الأول من التقرير بـ"الحقوق والحريات الفردية"، ونص على مجموعة من مقترحات كإلغاء تجريم المثلية الجنسية، وإسقاط عقوبة الإعدام، ورفع القيود الدينية على الحقوق المدنية، فيما اهتم الجزء الثاني بـ"المساواة التامة بين المرأة و الرجل في مسألة الميراث".

"الرجل التونسي يرحّب بالمساواة في الإرث لزوجته، ويعارضها لأخته"... آلاف الذكور في الأرياف وبعض المدن في تونس يحرمون أخواتهنّ من حقوقهن في الميراث

ونص التقرير أيضاً على جملة مقترحات منها منح الجنسية لكل مَن يتزوج تونسية، إلغاء التمييز بين الأطفال حتى الذين ولدوا خارج إطار الزواج، فضلاً عن إلغاء المصطلحات الدينية من القانون التونسي (الشرع، الموانع الشرعية، المحرمات، الفحش...).

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، صادقت حكومة يوسف الشاهد على مشروع القانون الأساسي المتعلق بالمساواة في الإرث، ونص على إضافة فصل في قانون الأحوال الشخصية يحمل عنوان "أحكام تتعلق بالتساوي في الإرث"، ثم أحالته إلى مجلس نواب الشعب في كانون الثاني/ ديسمبر 2018، وظلّ حبيس رفوف البرلمان منذ ذلك التاريخ.

وتُتهم حركة النّهضة الإسلامية (56 نائباً من جملة 217) بتعطيل تمرير مشروع القانون لأنّها عبّرت صراحةً عن رفضه. وخُصصت جلسةٌ وحيدة لمناقشته انتهت بتأجيل النظر فيه بسبب غياب ممثلين عن وزارة العدل، ووقع ترحيله إلى البرلمان المنتخب عام 2019 للنظر فيه.

هذا المشروع يعارضه الرئيس التونسي الحالي قيس سعيد، فقد عبّر عن رفضه له، مؤكداً أنّ النص القرآني واضح وغير قابل للتأويل، ومَن يريد توريث أبناءه على قدم المساواة فعليه فعل ذلك في حياته وقبل وفاته.

تصف بشرى بالحاج حميدة، رئيسة لجنة الحريات والحقوق الفردية، المسار الذي مرّ به مشروع القانون بـ"البطيء"، وترجع هذا البطء إلى ما تعتبره أهدافاً سياسية وانتخابية لبعض النواب المحسوبين على الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية.

أي مصير "للمساواة في الميراث"؟

في الحالات التي ترث فيها النساء، يتعرّضن للكثير من المضايقات من طرف عائلاتهنّ. هذا ما جرى مع حليمة العياري (48 عاماً) التي تقطن في ضواحي العاصمة تونس، والتي ورثت قطعة أرض فارغة دون أشجار ولا زراعات، من والدها المتوفي، مثلها مثل أختها.

تقول ابنتها سناء سليمي لرصيف22: "لم يكن يبدو على أخوالي وجدّتي أنّهم راضون على أن ترث معهم أمي وخالتي. استطاعوا إقناع خالتي ببيع أرضها لهم بثمنٍ رمزي لاستغلالها في زراعة بعض المنتوجات الموسمية، لكنّهم نقموا على أمي التي رفضت ذلك، وقرّرت أن تغرس في أرضها أشجاراً مثمرة، وأن تهتم بها".

وتضيف: "كانت أمي تعود باكيةً في كلّ مرّةً تذهب فيها إلى حقل جدي، إلى أن قرّرت ذات مرّة أن أرافقها، فاكتشفت أنّ درجة نقمتهم على أمي وصلت إلى درجة غلق كافة الطرقات المؤدية إلى أرضها، ولو لم يكن خالي الأصغر رحيماً بها وتركها تمرّ عبر أرضه لما كانت ستستطيع الوصول إليها، ومنعوها من أن تستعين بعاملٍ لمساعدتها في الغراسة والسقي".

تقول سناء إنّ أغلب معاناة والدتها سببها جدّتها التي لم ترضَ بأن يخرج إرث أبنائها "الرجال" إلى رجل آخر، حتى ولو كان زوج ابنتها.

"صورة المجتمع التونسي قاتمة"، تقول نعمة نصيري، الناشطة في جمعية النساء الديمقراطيات، وهي جمعية نسوية مستقلة ذات مرجعية حقوقية تعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين، بسبب وجود "بعض القوى التي تريد العودة بالبلاد إلى حقبةٍ ظلامية ولا تعترف بالديمقراطية"، في إشارة إلى الأحزاب ذات المرجعية الدينية الرافضة لقانون المساواة

ترجّح نصيري ألا يمرّ مشروع قانون المساواة في الإرث، نظراً للرفض الذي لاقاه من بعض الأطراف النافذة في البلاد.

وتقول لرصيف22 إن رفض مبادرة المساواة في الميراث التي تُعَدّ الأولى من نوعها في العالم العربي ليس دينياً ولا مقدّساً كما تدعي بعض الأطراف التي تستغل الدين في السياسية، وإنّما هو اقتصادي بحت، خصوصاً أن كثيرين ممَّن يدّعون التديّن يمتنعون عن دفع النفقة لطليقاتهم، فيما يمنع الدين ذلك.

يشير الداعية الشيخ قيس القسنطيني إلى أنّ النساء في الأرياف يواجهن حيفاً وظلماً اجتماعياً كبيراً في موضوع الميراث، إذ أنّ أغلب الآباء يقسّمون الإرث بين أولادهم الذكور ولا يمنحون بناتهم شيئاً، خشية أن يُدخلوا غريباً (الصهر) بين أبنائهم، وهو ما يتعارض مع النصّ القرآني الذي ينصّ على العدل بين جميع الإخوة.

ولكنّه يعتبر أن العدل لا يعني بالضرورة المساواة، لأنّ ذلك يختلف من شخصٍ إلى آخر حسب عدّة معايير منها الكفاءة والحاجة. وبرأيه، إقرار المساواة بين الجنسين في الإرث وفي الحقوق والحريات يظلم المرأة كثيراً ويتعارض مع الشرع الإسلامي.

رغم ذلك، يؤكّد القسنطيني لرصيف22 أن المرأة التونسية مظلومة في الممارسات الاجتماعية وليس من التشريع الديني أو القوانين، ويشير إلى أن المجتمع التونسي ذكوري وعنصري، لا يعترف بحقوق المرأة التي منحها إياها القانون، ولا تلك التي منحها إياها الإسلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard