فرض النقاب أو الحجاب على طفلة لأنها وُلدت أنثى هو جريمة

الجمعة 9 أكتوبر 202001:45 م

 انتشر خلال الأسبوع الماضي في المغرب خبر طرد مدرسة إعدادية بمدينة شفشاون شمال المغرب، لتلميذة تبلغ من العمر اثني عشر عاماً، بسبب ارتدائها النقاب، والسبب أن الزي الذي ترتديه التلميذة لا يتماشى مع القانون الداخلي للمؤسسات التعليمية في المغرب.

وذكرت مصادر محلية أن المؤسسة التعليمية تعتزم إدراج تعديل على القانون الداخلي بإضافة فقرة تنص على ضرورة القدوم إلى المؤسسة بزي موحد وبوجه مكشوف.

في السياق نفسه، أوضح المدير الإقليمي لوزارة التربية والتعليم أن خبر الطرد عار من الصحة، وأن الموضوع يتعلق بطفلة قدمت إلى المدرسة الإعدادية في اليوم الأول مرتدية النقاب، مما دفع إدارة المؤسسة إلى التواصل مع والديها وإقناعهما في آخر المطاف بأن هذا النوع من اللباس يتعارض مع القانون الداخلي للمؤسسات التعليمية، لأن المدرّس يجب  أن يرى وجوه تلاميذه كي يسهل التواصل معهم، كما أن ارتداء الكمامة المفروضة حالياً على من يتابعون الدروس حضورياً، سيصبح صعباً على الفتاة بسبب النقاب.

رغم أن الموضوع "انتهى على خير"، فتبقى هناك أسئلة مهمة: هل يجوز للآباء فرض النقاب على طفلة في مقتبل العمر؟ هل يجوز لهم وضع قيود على أجساد لم يكتمل نموها بعد؟ وكم عدد الفتيات اللواتي يعانين من الهدر المدرسي بسبب إيديولجية مفروضة عليهن؟

الخبر والتوضيح أيقظا نقاشاً حاداً على وسائل التواصل الاجتماعي، فاتهم البعض المدرسة بمحاولة حرمان طفلة من حقها في التعليم بسبب النقاب، علماً أن الكمامة التي تغطي الوجه هي أيضاً مفروضة داخل المؤسسات التعليمية، حتى أن أحد الشيوخ السلفيين تساءل على صفحته في فيسبوك: "هل أقبلت هذه الإدارة على طرد كل تلميذة متبرجة إلى حدّ غير مقبول؟ هل لباس التلميذات الضيق والمبرز لمفاتن الإناث يتوافق مع القانون الداخلي؟".

وحمّل آخرون والديّ الطفلة المسؤولية عما كان قد يحصل لو ظلا متمسكين بارتداء ابنتهما للنقاب داخل المدرسة، وطالبوا الدولة بتوفير آليات للتدخل من أجل حماية الأطفال حتى من آبائهم إن اقتضى الأمر.

وبما أن النقاش نقاش حقوق، تم التركيز فيه على الحق في التعليم فقط، ورغم أن الموضوع "انتهى على خير" لأن والديّ الطفلة اقتنعا وسمحا لابنتهما بالذهاب إلى المدرسة بالحجاب فقط، فتبقى هناك أسئلة مهمة: هل يجوز للآباء فرض النقاب على طفلة في مقتبل العمر؟ هل يجوز لهم وضع قيود على أجساد لم يكتمل نموها بعد؟ وكم عدد الفتيات اللواتي يعانين من الهدر المدرسي بسبب إيديولجية مفروضة عليهن؟ 

الحجر على براءة طفلة، وإلباسها النقاب أو حتى الحجاب، وحرمانها بالتالي من التعليم وحاجتها للعب والانطلاق كباقي أقرانها لأنها ولدت أنثى هو جريمة ضد الطفولة وضد الإنسانية، كأن جنسها خطأ يجب أن تكفر عنه منذ طفولتها، وعيب عليها أن تغطيه حتى لا تغري به الرجال.

هذا التشدد في الدين بسبب ملابس الفتيات الصغيرات، ليس وليد قضية فتاة شفشاون ولن ينتهي معها، فقد سبق أن كتب سلفي مغربي معروف تدوينة طويلة عنونها بـ "ملابس الصغيرات بوابة الاغتصابات"، اعتبر فيها أن ما تلبّسه أغلب العائلات المغربية لطفلاتها تهاوناً ونزعاً تدريجياً للحياء، ودعا الآباء إلى إغلاق "منافذ الشيطان" عن طريق ستر عورات بناتهم لإنقاذهن من الاغتصاب.

هذه الآراء المؤدلجة التي يلقي بها أمثال هذا السلفي تنطوي بالأساس على نظرة شاذة إلى أجساد النساء، خاصة الطفلات منهن، وتحاول أن تدخل في لاوعيهن منذ نعومة الأظافر أنهن أصل الشرور والمسؤولات المباشرات عن وقوع الرجل "الضحية" في الخطيئة الكبرى حتى لو كن يصغرنه بعقود. وهنا لا فرق بين مغتصب أو بيدوفيل وبين متشدد يرى أن جسد المرأة مهما كان صغيراً فمن الممكن أن يسبب إثارة جنسية، باستثناء أن الأول لا يغطي ميوله المريضة بغطاء ديني كي يبررها.

صار لزاماً على الدولة اليوم والجهات المعنية أن تفكر في سن قوانين صارمة تحمي القاصرات في المغرب من هذا الاعتداء على طفولتهن، وتمنع الآباء من فرض أي لباس عليهن حتى بلوغهن سناً معينة تكون فيها الفتاة قادرة على تحديد خياراتها في الحياة

حجاب النساء وتغطيتهن عموماً، موضوع ذو شجون قد يطول الخوض فيه، لكنه في آخر المطاف يسقط تحت طائلة الحرية الفردية حين يتعلق بامرأة راشدة لها القدرة الكاملة على اتخاذ قرارتها، لكن موضوع تحجيب الطفلات أو إلزامهن باللباس الشرعي لا يمكن أن يتم ربطه بالحرية، بل هو مثال صارخ للتسلط الذي يسمح الأهل لأنفسهم بممارسته على الفتيات. فالحرية في اختيار الطريقة المناسبة لتربية الأبناء لا تعني حرية حرمان الابنة من عيش حياة طبيعية متوازنة، وإكراهها على الحجاب أو النقاب مما  قد يولد لديها في المستقبل شعوراً بالنقص والخجل من جسدها، أو يحشرها في زاوية ضيقة ترى منها أن هذا الجسد والحفاظ عليه من أجل تسخير خدماته مستقبلاً إلى رجل واحد هما وظيفتها الأساسية.

كما أن تحجيب القاصرات أو تنقيبهم لا يؤثر سلباً عليهن فقط بل كذلك على المجتمع كله، إذ يزوّد الأطفال من الجنسين أفكاراً إقصائية تفرق بين الأنثى والذكر ولا تحترم مبادئ المساواة والانفتاح على الآخر التي من المفترض أن يتشبع به الطفل، مما قد يخلق مجتمعاً متطرفاً قائماً على العنصرية التي نحاول اليوم جاهدين محاربتها.

لتفادي حدوث مثل هذا الخلل، صار لزاماً على الدولة اليوم والجهات المعنية أن تفكر في سن قوانين صارمة تحمي القاصرات في المغرب من هذا الاعتداء على طفولتهن، وتمنع الآباء من فرض أي لباس عليهن حتى بلوغهن سناً معينة تكون فيها الفتاة قادرة على تحديد خياراتها في الحياة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard