في المغرب وغيرها... بإمكان رجل الدين أيضاً أن يكون مغتصباً

الأربعاء 23 سبتمبر 202001:07 م

بعد مرور أيام قليلة على الجريمة الشنعاء التي ارتكبت بحق الطفل عدنان، وخلقت نقاشاً مستمراً حول تطبيق عقوبة الإعدام في حق الجاني، اهتز المجتمع المغربي مرة أخرى على وقع جريمة أبشع، بطلها هذه المرة فقيه، موظف ديني.

حيث أعلن الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، في تاريخ 19 أيلول/ سبتمبر الجاري، أنه إثر تقديم شكويين بشأن تعرض ست قاصرات لهتك العرض، واستناداً للأبحاث والتحريات المنجزة من طرف المركز القضائي للدرك الملكي بطنجة، تم تقديم المشتبه فيه أمام هذه النيابة العامة من أجل مواصلة التحقيقات.

فقيه الكتّاب القرآني اعترف خلال التحقيق التفصيلي باغتصاب ثماني فتيات قاصرات وأربعة ذكور، كانوا جميعاً يدرسون في كتّابه، كما قال في محاضر رسمية أنه يعاني من "ميول جنسية غير طبيعية"، وأنه كان يعنّف الفتيات اللاتي كن يرفضن الانصياع لرغباته، وأنه يمارس "شذوذه" على أطفال الكتّاب منذ ثماني سنوات.

وعلى عكس النقاش المتوقع خوضه أمام مثل هذه الأخبار، ومواصلة نضال ابتدأ قبل الطفل عدنان ولا يبدو أنه سينتهي قريباً، حول مدى صلاحية قوانين الاغتصاب. ولأن المتهم فقيه ورجل دين، فقد خرج مجموعة من الأشخاص المحسوبين على التيار السلفي في المغرب، يدافعون عن الفقيه استناداً إلى نصوص شرعية، حيث كتب أحد السلفيين ويدعى الكتاني، أن "البعض يتلذذ بأخبار أهل الدين إن اتهموا بما يشينهم، إن تصبهم حسنة تسؤهم، وإن تصبهم مصيبة يفرحوا بها، أما إن اتهموا في عرضهم فهذا عندهم خبر يقين ولو لم يفصل فيه قضاء ولا عرض صاحبه على محكمة"، وأضاف في تدوينة أخرى أن "الاتهام بالزنا في الشرع لا يثبت إلا بشهادة 4 شهود شهادتهم متطابقة، يرون العملية كالميل في المكحلة، أو الاعتراف الصريح، وكل كلام غير هذا فهو قذف يستحق صاحبه الجلد 80 جلدة".

أي أنه يعتبر ما حصل مع أطفال الكتّاب مجرد زنى لا يمكن إثباته، وأن الأولى معاقبة الضحايا وعائلاتهم لأنهم فضحوا الفقيه، رغم عدم رؤيتهم المباشرة للواقعة.

حتى لو فُضحت جرائم رجال الدين، سيجدون بدل المدافع ألفاً، كلهم مؤيدون بالفتاوى والنصوص الدينية التي تؤكد أن الفقيه شخص منزّه، من المستحيل أن يرتكب جرماً كهذا، وأن كل محاولة للطعن فيه هي طعن في الدين وعداوة للمتدينين

في نفس السياق، نشرت جريدة إلكترونية معروفة بولائها للتيار السلفي بالمغرب ودفاعها عن المتشددين، تدافع عن الفقيه من خلال نشر شهادات مشكوك في أمرها، بما أن المعني بالأمر سبق وأن اعترف بالمنسوب إليه.

علماً أن "ظاهرة الفقيه" أو ظاهرة الاعتداءات من طرف فقهاء المساجد على الأطفال في المغرب، موجودة وتتكرر مع اختلافات طفيفة في الأحداث. وعلى سبيل المثال لا الحصر: سنة 2017 تم اعتقال فقيه اغتصب فتاة سويدية/ مغربية قاصر، تعاني من اضطرابات نفسية، بعد أن لجأت إليه من أجل الرقية الشرعية، بعدها وبالضبط سنة 2018، اعتقل فقيه كتّاب بإحدى دواوير مدينة مراكش بعد اغتصابه لسبع فتيات قاصرات، وفي نفس السنة تم اعتقال فقيه مسجد آخر، بإحدى البوادي قرب مدينة تمارة، بعد اعتدائه على طفل كان يلقنه القرآن.

والحوادث كثيرة ومتكررة في هذا السياق، وبالطبع لا تصل إلينا كلها، لكن دائماً ما ترافقها، إن نُشرت أمام الرأي العام، أصوات مدافعة عن المجرم، لا لشيء إلا لأنه رجل دين.

المجنّدون للدفاع عن فقيه طنجة وغيره هم بالضبط مفتاح سر هذه القضايا، وكي نفهم أكثر، يجب تسليط الضوء على ما تمثله شخصية الفقيه في القرى المغربية، إذ إنه يتمتع بسلطة دينية مطلقة ومكانة اعتبارية، بصفته فقيهاً وإماماً ورجلاً تقياً، يحتكم إليه أهل الدوار/ البادية في نزاعاتهم، وله مكانة رمزية محترمة.

هذه السلطة المعنوية والتقدير الذي يحظى به رجال الدين هو ما يوفر للبعض منهم غطاءً من أجل تصريف نزواتهم، مطمئنين أولاً إلى أن أمرهم لن يفضح، لأن سكان البوادي معروفون بتحفظهم وتجنبهم للفضائح (وهذا ما يمكن أن يفسر ركون ضحايا فقيه طنجة للصمت مدة سبع سنوات، قبل أن تفجر القضية).

وثانياً، حتى لو فضحت جرائم رجال الدين، سيجدون بدل المدافع ألفاً، كلهم مؤيدون بالفتاوى والنصوص الدينية التي تؤكد أن الفقيه شخص منزّه، من المستحيل أن يرتكب جرماً كهذا، وأن كل محاولة للطعن فيه هي طعن في الدين وعداوة للمتدينين.

يجب فتح نقاش حقيقي وقانوني أيضاً حول ظاهرة الدفاع عن المغتصبين، وإقناع الجميع أن المغتصب قد يكون فقيهاً، صحفياً أو مدرساً... وأن المكانة الاجتماعية لا تعفي صاحبها من الجريمة

ما يؤكد ذلك هو القضية الجديدة المعروضة أمام المحكمة الآن، والتي رغم كون اعترافات المتهم فيها صريحة وواضحة، إلا أن بعض سكان القرية أنفسهم يخرجون للدفاع عنه، وتقديم شهادات تستند في الغالب على انطباعات شخصية وتقدير مبالغ به للفقيه، بل إن بعض المدافعين على وسائل التواصل الاجتماعي لا تجمعهم معرفة شخصية به أصلاً، ومع ذلك يدافعون باستماتة عنه لأنه رجل دين، وبالتالي منزّه عن مثل هذه الأفعال، لدرجة أنهم شنّوا هجوماً على الباحث في الدراسات الإسلامية، عبد الوهاب رفيقي، وطالبوا بمحاكمته فقط لأنه دعا على صفحته في الفيسبوك، إلى تسليط الضوء على "ظاهرة الفقيه" في المغرب وفضح المستور.

وفي انتظار أن تنصف المحكمة ضحايا فقيه طنجة، وتنتصر للطفل عدنان، والآلاف وربما عشرات الآلاف من أطفال المغرب الذين يعانون من الاعتداءات الجنسية بصمت، يجب فتح نقاش حقيقي وقانوني أيضاً حول ظاهرة الدفاع عن المغتصبين، وإقناع الجميع أن المغتصب قد يكون فقيهاً، صحفياً أو مدرساً... وأن المكانة الاجتماعية لا تعفي صاحبها من الجريمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard