الفكر الوهابي لن يمرّ عبر أسماء شوارع المغرب

الخميس 21 مايو 202002:51 م

أثار انتشار صور العنونة المعتمدة لأزقة مدينة "تمارة" المغربية سخطاً عارماً وجدلاً كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد رفض مجموعة من الناشطين إطلاق أسماء بعض الشيوخ المشرقيين والأتراك، من قبيل "بسام فرج"، "حمد الدلهوس" و"فتح الله غولن" على أزقة مدينة مغربية، مبررين هذا الرفض بكون هذه الأسماء تعود إلى مشايخ الوهابية، وشخصيات معروفة بمرجعيتها المتشددة، كما أن لا علاقة لأصحابها بالمغرب وشعبه.

وبعد كل هذا اللغط الذي واكب انتشار صور أسماء الشوارع، قامت السلطات بإزالة يافطات الأزقة التي كانت موضوع الجدل، وخرج رئيس المجلس البلدي للمدينة المعنية، المنتمي لحزب العدالة والتنمية، مبرراً خطوة تعليق لوحات بأسماء الشيوخ المشرقيين في أزقة المدينة، بأن قرار التسمية اتخذه المجلس البلدي سنة 2006، وأن الأخطاء واردة من حيث تنزيل الأسماء على المستوى التقني.

هذا التصريح غير الموفق لرئيس المجلس البلدي تم الرد عليه سريعاً مرة أخرى من طرف النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تم تداول الوثيقة التي صادق عليها المجلس البلدي حينها، والتي تثبت أن ما جاء في محضر اجتماع جلسة التصويت بجماعة تمارة، يخصّ تسمية الشوارع بأسماء الصحابة لا بأسماء دعاة مشارقة وأتراك، غير أن التنزيل في الواقع شهد تعليق أسماء الدعاة فقط دوناً عن الصحابة، فمتى أصبح فتح الله غولن، حمد الدلهوس، خالد السلطان وغيرهم من صحابة النبي؟

هذا الاستلاب الثقافي الذي يعاني منه أعضاء حزب العدالة والتنمية المعروف بتوجهاته الإخوانية ليس وليد الساعة، لكن إذا كان الكل حر في توجهاته وإيديولوجياته، فهذا لا يعني أن محاولة "دعشنة" شوارع المغرب ونسبها إلى أسماء منظري الفكر الوهابي ستمر مرور الكرام

وفرضاً أن رئيس المجلس البلدي لا دخل له بالقرار وساهم فقط في تنزيله كما يقول، وهو ما يعارض المنطق، بما أنه هو نفسه من كان يقود هذا المجلس باسم حزب العدالة والتنمية في ولاية 2003- 2009، فألم يلتفت، وهو المكلف بتدبير شؤون جماعته، إلى أن الأسماء التي أطلقت على شوارع المدينة تتنافى مع المادة الخامسة من القانون الذي ينظم نظام العنونة داخل الجماعات الترابية، لأنها جاءت بدوافع أيديولوجية وشخصية غير نزيهة، ومع المادة الثامنة أيضاً، ما دام القانون قد وضّح بالخط العريض، أن أي اسم يُطلق على فضاء عام يستلزم ورقة تعريفية عن صاحبه، عن الحدث التاريخي الذي يخصه وعن الأسباب التي دفعتنا لاختياره.

فأي إنجازات تاريخية أسهم في إنجازها المشايخ الذين كرمهم حزب العدالة والتنمية، وأطلق أسماءهم على أزقة مدينة مغربية، وكان سيخلدها على البطاقات الوطنية للقاطنين بالمدينة، لولا تدخل السلطات؟ وأي حدث تاريخي شارك فيه فتح الله غولن، المطلوب حالياً للعدالة في تركيا بعد تورطه في محاولة الانقلاب، والذي أغلقت الدولة المغربية مدارسه الموجودة بالمغرب منذ زمن ليس بالبعيد؟ وألا يعتبر إقناع أعضاء المجلس بأن الأسماء التي ستعلق على الأزقة هي لصحابة النبي، في حين أن صاحب الفكرة ينوي تكريم أشخاص لم يقدموا للبشرية إنجازاً واحداً، باستثناء أفكارهم التي ساهمت في تدمير حياة شباب في مقتبل العمر، كذباً وتدليساً، وبالتالي، يستلزم فتح تحقيق عاجل بشأن ما حصل، ناهيك عن تبذير المال العام الناتج عن هذه الفضيحة والتحجج بالخطأ التقني، كأن الشركة التي كلّفت بتعليق لوحات الأسماء غيّرتها دون علم المجلس ومن يسيّره.

المغرب رغماً عن أنف المستلبين ثقافياً، يملك ما يكفي من الرموز والأعلام والشخصيات التاريخية التي تكفي لتسمية أزقته، وما يكفي من المواطنين الذين سيحافظون على هويته ويمنعون طمسها، والتاريخ مليء بأشخاص قدموا للبشرية خدمات جليلة، يستحقون الاحتفاء بهم لأجلها، وتخليد أسمائهم على شوارع المغرب

هذا الاستلاب الثقافي الذي يعاني منه أعضاء حزب العدالة والتنمية المعروف بتوجهاته الإخوانية ليس وليد الساعة، لكن إذا كان الكل حر في توجهاته وإيديولوجياته، فهذا لا يعني أن محاولة "دعشنة" شوارع المغرب ونسبها إلى أسماء منظري الفكر الوهابي ستمر مرور الكرام، خصوصاً وأنه سبق أن تفجر جدل مشابه بعد إطلاق اسم "سيد قطب" على شارع من شوارع مدينة طنجة، وتم تسجيل رفض المغاربة لإطلاق اسمه على شوارع بلدهم، بسبب توجهاته وأفكاره، وظنناً أن الحزب الحاكم قد فهم الدرس، لكن يبدو أنه لا زال يراهن على درجة وعي هذا الشعب، ويظن أن قرارات مماثلة قد تمرّ دون أن ينتبه إليها أحد، ناسين أو متناسين أن الشباب المغربي أثبت في محطات متعددة رفضه للمدّ الوهابي، وسبق أن نكل معرفياً بزغلول النجار، في آخر محاضرة له بالمغرب، وأجبر أدهم طلعت على الاعتذار عن محاضرة أخرى، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن المغاربة يعرفون الصالح من الطالح، ويكتفون بإسلامهم السمح، ويرفضون أدلجة دينهم أو تلوينه بألوان مشرقية، عكس جل المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية.

المغرب رغماً عن أنف المستلبين ثقافياً، الذين ربما يحلمون بدولة الخلافة ويحاولون تطبيق مشروعها في كل فرصة، يملك ما يكفي من الرموز والأعلام والشخصيات التاريخية التي تكفي لتسمية أزقته، وما يكفي من المواطنين الذين سيحافظون على هويته ويمنعون طمسها، والتاريخ مليء بأشخاص قدموا للبشرية خدمات جليلة، يستحقون الاحتفاء بهم لأجلها، وتخليد أسمائهم على شوارع المغرب، بعيداً عن الأفكار الظلامية وحامليها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard