"خسرنا شهداء من أجل حريتنا"... تونسيون يتخوّفون من قانون يعيد "دولة البوليس"

الخميس 8 أكتوبر 202011:50 ص

في الوقت الذي كان فيه أعضاء البرلمان التونسي يستعدون لمناقشة مشروع "قانون زجر الاعتداءات على الأمنيين" أو كما أصبح يسمى "قانون حماية قوات الأمن والديوانة (الجمارك)"، قامت مجموعة أمنية متمركزة أمام مجلس نواب الشعب باعتقال عدد من المعارضين جاؤوا للتعبير عن رفضهم للمشروع الذي يعتبرون أنه يمس بحقوقهم وحرياتهم ويُشرّع لهيمنة مطلقة لقوات الأمن، وأنه يمثل اعتداءً صارخاً على مكتسبات ثورة 2011.

ويحتاج تمرير مشروع القانون الذي يعرض حالياً على الجلسة العامة البرلمانية إلى تصويت 109 نواب على الأقل من أصل 217 نائباً.

"لن نسمح بعودة دولة البوليس"

اعتداء رجال الأمن على المحتجين الرافضين للقانون أثار جدلاً واسعاً في صفوف المواطنين ومكونات المجتمع المدني والمنظمات والجمعيات الحقوقية، وكذلك الأحزاب كـ"كتلة التيار الديمقراطي" التي سارعت إلى تغيير موقفها من مساندة للمشروع إلى معارضته، بسبب ما قالت إنه "ضرورة صيانة حقوق الإنسان والمواطن في تونس الديمقراطية"، معتبرة هذا القانون"تأسيساً لأمن جمهوري"، ومشددة على "غياب الجدوى من إصدار قوانين خاصة تشمل قطاعات دون غيرها وتُكرّس التشتت التشريعي وتجذر القطاعية''.

ويواجه المشروع معارضة شديدة من منظمات حقوقية وجمعيات منذ عرضه أول مرة على التصويت عام 2015، كما لفت رئيس "الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان" جمال مسلم.

وقال مسلم لرصيف22: "لقي المشروع اعتراضاً شديداً لاعتباره يمس بالحريات العامة ويمهد لعودة الاستبداد ودولة البوليس، كما بوصفه مخالفاً للفصل 21 من الدستور الذي ينص على أن المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون دون تمييز، كما تضمن الدولة للمواطنين والمواطنات الحقوق والحريات الفردية والعامة، وتهيئ لهم أسباب العيش الكريم".

ووصف مسلم العودة البرلمانية الحالية بـ"المُفزعة" لما تحتويه من مشاريع قوانين تهدد الحقوق والحريات وتؤشر لضرب المسار الديمقراطي، وسط غياب أية مبادرات لاستكمال بناء دولة القانون والمؤسسات مع تنامي الأزمة السياسية والاجتماعية الخانقة.

 اعتبر رئيس الرابطة التونسية أن "مشروع القانون يمثل خطراً على حقوق وحريات المواطنين والمواطنات، رغم التعديلات التي أُدرجت فيه، كما يمثل خطراً على المنظومة القانونية لكونه ينتصر لمصالح قطاعية ضيقة في شكل مجلة جزائية موازية لا تكرّس مبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون، وهو ما قد يهدد مبدأ السلم الاجتماعي".

"لن نسمح بمرور هكذا قوانين في تونس ما بعد الثورة ولا أحد حرّاً سيوافق على قانون يدافع عن مسلح ضد مواطن أعزل"، كما يقول طالب كلية الحقوق في تونس مالك هلال الذي كان من بين المحتجين على قانون الزجر.

ويضيف هلال لرصيف22: "هؤلاء الذين يريدون دولة بوليس لن يمرّوا ونحن لهم بالمرصاد. خسرنا شهداء لأجل افتكاك حريتنا من دولة البوليس التي كانت تحكمنا 23 عاماً".

"خطر على الحريات والديمقراطية"

دعت منظمات وجمعيات تونسية، في بيان لها، رئيس الحكومة ومجلس نواب الشعب إلى تحمل المسؤولية والإسراع بتنفيذ الإصلاحات اللازمة، خصوصاً تلك التي تتعلق بالمنظومة الأمنية، كما دعت على وجه الخصوص نواب الشعب لرفض مشروع القانون المتعلق بزجر الاعتداء على القوات المسلحة ولانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، مع الحفاظ على الأغلبية المعززة لـ"إعلاء مبادئ الاستقلالية والحياد واستكمال إرساء بقية الهيئات الدستورية".

وقالت الناشطة في المجتمع المدني سنية حامد التي أتت بدورها لمساندة المحتجين: "مرّت قوانين كثيرة تُعتبر اعتداء على حرية هذا الشعب لكن لم أتخيل أن يأتي قانون يُشرّع لبناء دولة بوليسية، لن نصمت عن هكذا اعتداء على ثورتنا المجيدة ولن نسمح بمرور القانون ولو على جثثنا، الشعب لم يثر عبثاً ودماء شهداء تونس في سبيل كرامة الشعب وحريته لن تذهب هدراً".

أما منذر الشارني، وهو عضو في "المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب"، فقال لرصيف22 إن هذا المشروع خطير جداً على الحقوق والحريات وعلى الديمقراطية بصفة عامة، لأن "عناصر الأمن والقوات الحاملة للسلاح لديهم العديد من القوانين التي تحميهم مثل قانون المجلة الجزائية ومكافحة الإرهاب وليسوا بحاجة إلى قوانين جديدة".

"مرّت قوانين كثيرة تُعتبر اعتداءً على حرية هذا الشعب لكن لم أتخيل أن يأتي قانون يُشرّع لبناء دولة بوليسية، لن نصمت عن هكذا اعتداء"... مشروع "قانون حماية قوات الأمن والجمارك" يخيف تونسيين من عودة الدولة الأمنية

وأضاف الشارني أنه "تم استغلال هذا القانون لتمرير فصول تقمع الحريات مثل الفصل 11 مكرر الذي يقول إن المساس بكرامة وسمعة القوات المسلحة بأي وسيلة نشر، وهو ما يسمى قانونياً بالجريمة المفتوحة، يعاقب عليه بالسجن".

وقال الشارني إن الفصل 13 من هذا المشروع "خطير جداً"، إذ يقول إن أي مواطن يقوم بحرق منشأة أو عربة أو آلية يقضي بقية حياته في السجن وهو قانون جائر، حسب تعبيره. كما يعتبر الفصل 14 أيضاً موضع جدل، وهو فصل يعاقب بالسجن 10 سنوات كل مَن يعتدي على مقرات أمنية في تجمع غير مسلح (سلمي).

"قانون ترهيبي"

"هذا القانون ليس لديه أية فائدة، وهو قانون ترهيبي لضرب المسار الديمقراطي"، يقول الشارني منبهاً إلى الفصل 18 الذي ينص على استعمال القوة المميتة في بعض الحالات وهو أمر خطير جداً، حسب قوله، خاصة أن الأمني سيصبح محمياً وتكون له حصانة، ما يمثل اعتداءً صارخاً على حقوق الإنسان.

وقال الشارني إنه في حالة تمت المصادقة على هذا المشروع في مجلس نواب الشعب، سيتم التوجه إلى رئيس الجمهورية قيس سعيّد لمطالبته بعدم التوقيع عليه، لأنه غير دستوري ويكرس لمنظومة الإفلات من العقاب وضرب الحريات.

نهى صالحي، متخرجة من كلية العلوم الإنسانية في منوبة، أتت برفقة صديقاتها للاحتجاج كذلك على مشروع القانون. تقول لرصيف22: "قانون زجر الاعتداء على الأمنيين يتعارض مع ما جاء في الدستور الجديد للبلاد كالفصل 21 الذي ينص على أن كل التونسيين متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواسية أمام القانون، كما ينص الفصل الثالث والعشرون على أن الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي، ولا تخفى على أحد الاعتداءات المتواصلة لرجال الأمن على المواطنين العزل قبل القانون فما بالك إذا تمت الموافقة عليه".

وعبّرت "منظمة العفو الدولية" على موقعها الرسمي عن استنكارها لقانون الزجر، قائلة إن على أعضاء البرلمان التونسي رفض مشروع قانون من شأنه أن يعزز إفلات قوات الأمن من العقاب، ويحميها من أية مسؤولية جنائية عن استخدام القوة المميتة لحماية المنشآت الأمنية.

"المساس بسمعة القوات المسلحة يعاقب عليه بالسجن"، "أي مواطن يقوم بحرق منشأة أو عربة يقضي بقية حياته في السجن"، "يعاقب بالسجن 10 سنوات مَن يعتدي على مقرات أمنية"... قانون يثير مخاوف تونسيين كثر من عودة "دولة البوليس"

وتطالب 20 منظمة وجمعية غير حكومية تونسية البرلمان بعدم المصادقة على مشروع قانون "زجر الاعتداءات على القوات الحاملة للسلاح" من بينها الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام والاتحاد التونسي للإعلام الجمعياتي واتحاد أصحاب الشهادات المُعطّلين عن العمل والشبكة الأورومتوسطية للحقوق.

وجهة نظر أمنية

قال الخبير الأمني علي زرمديني لرصيف22 إن رجل الأمن أصبح يتعرض إلى وضعيات معقدة وصعبة تطلب قوانين تحميه، لأن القوانين الموجودة حالياً غير كافية، مشيراً إلى "وجود وضع مجتمعي متغير والبلاد التي لا تحمي المؤسسة الحاملة للسلاح لا تستطيع أن تحمي نفسها، لأنه تبين في العشرية الأخيرة أن أسهل لقمة هي رجل الأمن وهو أول إنسان مستهدف داخل المنظومة الديمقراطية".

وأضاف زرمديني إن هناك تنصّل كامل من المسؤولين السياسيين عن أي فعل يقوم به الأمني ولو كان شرعياً والدليل على ذلك، حسب قوله، أن كل أعضاء المجلس الأعلى للأمن إبان الثورة والذين قاموا بإخراج مذكرات تمنع إطلاق النار على المتظاهرين زجّ بهم في السجن.

وأشار زمرديني إلى أن رجل الأمن اليوم يواجه الإرهاب المسلح ولم تعد تكفيه بعض الفصول للدفاع عن نفسه، لأنه "ليس بالموظف العادي فهو يواجه التحديات يومياً ويتعرض في كل لحظة للخطر".

وبخصوص الفصول التي أكدت منظمات وجمعيات حقوقية أنها سالبة للحرية وتمس بالحقوق والمسار الديمقراطي، قال زرمديني إن من الأفضل اللجوء إلى طاولة الحوار وحل المسألة بما يرضي الجميع، مؤكداً أنه ضد تغول المؤسسة الأمنية وعلى الجهات المعنية أن تضع آليات رقابية، بقدر ما تضع قوانين حمائية.

بات المس بحرية التونسيين وديمقراطيتهم الناشئة شبحاً يخشونه ويسرعون للاحتجاج فور شعورهم بأن هناك ما يمكن أن يسلبهم حرية عانوا الأمرين للحصول عليها، بغض النظر عن الطرف الذي يحاول ذلك، فالحرية كانت أساس ثورة أطاحت النظام البوليسي الذي كبّلهم لعقود.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard