"عند فتح الظرف وجدت عبارات التهديد بقتلي"... ميليشيات وعشائر تلاحق أطباء عراقيين

الاثنين 5 أكتوبر 202005:01 م

كان لزيادة الهجمات على الأطباء العراقيين في السنوات الأخيرة مع وجود الميليشيات المسلحة وفرض سيطرتها بصفتها قوة شرعية في البلاد وانتشار السلاح المنفلت خارج سيطرة الدولة، كان لها الأثر الكبير لتراجع الأمن، وهذا ما عانى منه الأطباء نتيجة الملاحقة العشائرية لهم، خاصة في جنوب العراق، لتفوق القانون العشائري على القانون العام للدولة وتدني فرص التعليم وتحمل الأطباء مسؤولية نقص الخدمات والعلاج في المؤسسات الصحية.

معظم الأطباء الذين تحدثت معهم يقولون إن المريض يصل إلى المستشفى في حالة حرجة وعندما يموت يريدون من الطبيب تحمل المسؤولية.

"ماذا تفعل داخل ردهة النساء في منتصف الليل؟

كنت محظوظًا لأن مرافقي المريضة لم يكونوا رجالاً، في المرة المقبلة ستقتل أو تتم ملاحقتك عشائريًا".

هذا ما سمعه رائد سيف (اسم مستعار) للحفاظ على سلامته، 27 عاماً، طبيب مُقيم في مستشفى الناصرية العام جنوب العراق، من أحد العاملين في المستشفى.

يقول رائد: "في إحدى الليالي، حوالى الساعة الثالثة، طلب مني الممرض الإسراع لعلاج مريضة تبلغ من العمر 20 عاماَ كانت تعاني من صعوبة في التنفس، ذهبت بسرعة لإجراء إنعاش رئوي لها، وتم إنقاذ حياتها، خلال هذا الوقت سمعت أصوات مشاجرات خارج الردهة التي تضم 10 نساء في أعمار مختلفة. عندما خرجت لأرى ما يحدث وجدت أحد الموظفين يوبخ الممرض وينتقد دخولنا ردهة النساء وكانت المفاجأة الأكبر أن المهاجم كان زميلنا في ردهة الطوارئ، لكنه من مدينة ذات طبيعة عشائرية.

كان الموظف يتحدث معي بطريقة عدوانية وقال "نحن مجتمع عشائري ولا يمكنك دخول ردهة النساء في الليل، هل دخلت الردهة للتحرش بالنساء؟".

يواصل الطبيب الحديث وهو يبدو خائفاً مما قد يتعرض له في المرات المقبلة:

"شعرت بالرعب لأنني بعيد عن عائلتي، ومن المحتمل أن أتعرض للقتل لأنهم يعتقدون أن الطبيب هو الذي قتل المريض، في كل مرة أضطر إلى مواجهة أسرة المتوفى في أفضل الأحوال أتلقى الشتائم ما لم أتعرض للضرب".

رائد الشاب العشريني الذي كان يحلم بأن يكون طبيباً منذ طفولتهِ جاء من محافظة بغداد إلى الناصرية حاملاً هذا الشغف للعمل في المستشفى لإنقاذ المرضى، وأثناء تقديمه شكوى لمدير المستشفى فوجىء بأن هذا الموظف كان محمياً بميليشيا تدعى "عصائب أهل الحق" المسيطرة على محافظة الناصرية، وكان يعلم أن عليه نسيان الأمر لتجنب القتل.

الفساد المالي والأمني

عانت مستشفيات العراق من الفساد المالي والإداري، مما فاقم من تدهور الخدمات من حيث النظافة وتوافر العلاج، وأثر هذا الإهمال على انتشار العديد من الأوبئة والأمراض، وهجرة الأطباء بسبب القتل والتهديد من قبل الجماعات المسلحة بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي كان عاملاً رئيسياً في تراجع الخدمات الطبية إذ  قُتل 363 طبيباً بطرق مختلفة، بحسب ما صرحت نقابة الأطباء العراقية في مقابلة خاصة مع أحد أعضائها.

لم تكن المؤسسات الصحية مستعدة للأزمات، وهذا كان واضحاً من خلال تعاملها مع عدد كبير من المصابين خلال احتجاجات تشرين مرة، وأثناء جائحة فيروس كورونا مرة أخرى.

معظم الأطباء الذين تحدثت معهم يقولون إن المريض يصل إلى المستشفى في حالة حرجة وعندما يموت يريدون من الطبيب تحمل المسؤولية.

علماً أن مستشفيات كثيرة لم تكن مستعدة لاستقبال الجرحى حتى سيارات الإسعاف لم تكن مُجهزة للتعامل مع الحالات الطارئة والخطيرة أو للوصول إلى ساحات الاحتجاج.

نائل قيس (اسم مستعار، حفاظاً على سلامته)، 30 عاماً، طبيب متخصص في جراحة القلب من محافظة واسط جنوب العراق، كان  يبدو قلقاً لدى حديثي معه. تحدث بصوت منخفض وخائف، قال: "ذات يوم عندما ذهبت إلى الغرفة المخصصة لاستراحة الاطباء في المستشفى بعد أن أنهيت عملي لأخذ قسط من الراحة، فوجئت بوجود ظرف مخصص باسمي، وعند فتحه وجدت عبارات التهديد بقتلي. في ذلك الوقت لم أكن أهتم بما يجري، ونمت كالمعتاد، بعد عدة أيام جاءت مجموعة مسلحة إلى المستشفى بهدف قتلي، فهربت من الباب الخلفي للمستشفى في سيارة الشرطة وعلمت لاحقاً أنهم من عائلة مريض توفي أثناء علاجي له".

حسب حديثه، تبين أن أفراد المجموعة التي جاءت لقتله هم أعضاء في إحدى الميليشيات، وعند التقدم بشكوى ضدهم، علم أن الضابط متعاون مع هذه المجموعة المسلحة وعمل على تأخير الشكوى.

خطر الميليشيات والعشائر أقوى من خطر كورونا

يرى قيس أن خطر الميليشيات والملاحقات العشائرية بين الأطباء في العراق، أصبح أقوى من خطر فيروس كورونا، وبات معظم الأطباء يرون أنفسهم في حال متأرجحة بين أداء عملهم الإنساني ومواجهة الميليشيات.

لم يتمكن قيس من الرجوع إلى عمله في المستشفى وبقي هارباً ثلاثة أشهر ولا يزال يشعر بالخطر على حياته ولا يخرج من منزله، حسب تعبيره.

نقص الأدوية والاعتداءات الجسدية

من داخل مستشفى الميناء في محافظة البصرة، جنوب العراق، تقول حنين مهدي، 27 عاماً، طبيبة مقيمة تعمل في غرفة الطوارئ، إن نقص المعدات وزيادة عدد المصابين بفيروس كورونا، ونفاد زجاجات الأكسجين في بعض الأحيان من المستشفى،  كل هذا يسبب مشاكل مع المرضى وأسرهم، لذلك يبدأون بمهاجمة الجسم الطبي، مطالبين بتوفير العلاج والأوكسجين للمرضى.

وفقاً لحديثها، هاجمها ذوو إحدى المريضات لأنها طلبت منهم نقلها إلى مستشفى آخر في مركز المدينة لعدم توفر الأجهزة الكافية لعلاجها، مُعتقدين أن رفضها عائد إلى عدم رغبتها في معالجة المريضة.

زيادة عدد مرافقي المريض من أسباب سوء معاملة الطبيب، إذ يأتي من 10 إلى 20 شخصاً، مما يُسبب فوضى داخل المستشفى ويعرض الأطباء لخطر الإساءة اللفظية، والمواجهة الجسدية معهم، هذا ما ذكره الطبيب المقيم حسين نمير، 28 عاماً، من مستشفى القادسية في محافظة النجف، جنوب العراق.  

يقول حسين: "قبل مدة وصلت إلى المستشفى امرأة مريضة في حالة خطرة وبدأ أحد مرافقيها بالشتم والاعتداء على بقية الكادر الطبي، وقام بضربي عند مطالبتي له المغادرة، ولم ينته الأمر إلا بتدخل أمن المستشفى، وتم تهديدي عشائرياً بالتنازل عن الشكوى ضده".

أكد الطبيب نمير أن العلاج متوفر في المستودعات الطبية وليس في صيدليات المستشفيات بسبب فساد بعض مسؤولي الإدارة مع الصيادلة، فهؤلاء ينتفعون من قلة العلاج وحاجة المريض له لإجباره على شراء الدواء من خارج المستشفى، وتابع: "حتى أن مدير المستشفى لديه صيدلية خارج المستشفى وطلب مني أكثر من مرة إرسال مرضاي له لشراء العلاج ورفضت. كما أن بعض الأدوية مثل مسكنات الآلام وغيرها تكون الحاجة إليها في الطوارئ، لكن فساد المسؤولين من الصيادلة لا يوفرونها في الطوارئ".

"عندما منعت عناصر ميليشيا عصائب أهل الحق من الدخول بالسلاح والتدخل فى إدارة المستشفى عام 2019، تعرضت للتهديد بالقتل أمام الموظفين بوضع مسدس في رأسي"

يعاني قطاع الصحة في العراق، الذي يحتل المرتبة 176 بحسب مؤشر العالمي للأمن الصحي في 195 دولة أعدها مركز جونز هوبكنز للأمن الصحي، ومبادرة التهديد النووي ووحدة الاستخبارات الاقتصادية. ُنشر لأول مرة في عام 2019.

وثمة أيضاً عدد من المشاكل متعلقة بندرة التمويل، وتدني الأولوية المُعطاة للصحة في الميزانية الحكومية، والبنية التحتية المتداعية ونقص الأطباء وطاقم التمريض مما يجعلها غير قادرة على مواجهة فيروس كورونا.

في حديث معه، قال عبد الأمير محسن حسين، 44 عاماً، رئيس نقابة الأطباء العراقية ومقرها بغداد "إن النقابة تحاول لفت انتباه السلطات من خلال التواصل المباشر معها وحثها على اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير بيئة آمنة لعمل الكوادر الطبية وتنفيذ قانون حماية الأطباء الذي لم يتم تطبيقه بشكل جدي، وكذلك التواصل مع وزارتي الداخلية والصحة للقيام بواجباتهما في توفير الأمن داخل المؤسسات الصحية، كما أن بعض الأطباء تجنبوا علاج الحالات الخطيرة التي تؤدي إلى الوفاة، فيما ترك آخرون العمل الطبي ومارسوا أعمالًا أخرى، وغادر بعضهم الفروع الجراحية وبدأوا في التوجه إلى الفروع الطبية ذات المشاكل القليلة مثل الأمراض الجلدية".

صرح عبد الأمير أن النقابة طالبت بتنفيذ قانون حماية الأطباء رقم 26 لسنة 2013 وخاصة المواد 7 و 8 و 9 التي تلزم الجهات الحكومية بتوفير الحماية للمؤسسات الصحية واتخاذ إجراءات حازمة ضد المعتدين ومن يهدد الأطباء بعقوبة تصل إلى الحبس 3 سنوات وغرامة 10 ملايين دينار عراقي.

وبحسب نقابة الأطباء العراقية، وصل عدد الأطباء العراقيين الذين هاجروا خارج العراق أكثر من 20 ألفاً وأصبحت ظاهرة الهجرة هاجساً للأطباء الشباب، لذلك قامت الحكومة في السنوات الأخيرة بحجب وثائق تخرج الأطباء لمنعهم من الهجرة بسبب قلة الأطباء في العراق حيث يبلغ عددهم 0.8 لكل 1000 مواطن.

بعد داعش الموصل بلا مستشفيات

لم تكن بغداد ومحافظات العراق الجنوبية هي الوحيدة التي عانت من الهجمات على الأطباء والافتقار إلى الخدمات في المستشفيات، فبعد سيطرة داعش على محافظة الموصل في شمال العراق عام 2014، دمر داعش جميع المستشفيات الحكومية بشكل شبه كامل في المحافظة، حسب عضو لجنة الصحة النيابية فارس البريفكاني، وبعد جائحة كورونا، بدأت عيوب المؤسسات الصحية بالظهور بشكل أوضح، مع نقص الكوادر الطبية والخدمات وزيادة إصابة أعداد كبيرة من الكوادر الطبية للتأخر في اكتشاف إصابتهم بسبب عدم وجود الأجهزة الكافية لفحصهم.

عقبة فتحي الزبيدي، 31 عاماً، طبيب مختص في جراحة القلب في مستشفى الجمهوري في الموصل يقول في حديث لرصيف22: "بعد عمليات تحرير الموصل شمال العراق، أصبحت المستشفيات البديلة عن تلك المدمرة مستشفيات مؤقتة على شكل كرفانات لا تفي بالحاجة الفعلية للمدينة وتفتقر إلى خدمات العمليات الجراحية الدقيقة مثل جراحة الصدر والأوعية الدموية، لذا فإن عملها هو علاج حالات الطوارئ الصغرى والمتوسطة فقط".

ويتابع: "كما أن المرضى يتم تحويلهم إلى مستشفيات في إقليم كردستان لتجنب حدوث مضاعفات أكثر خطورة بسبب نقص المعدات الطبية اللازمة ولخوف بعض الأطباء من تهديد ذوي المرضى والملاحقات العشائرية عند وفاة المريض".

  وأكد الزبيدي أن السياسيين والأحزاب استولوا على الواردات المخصصة للمؤسسات الصحية، مما أعاق تطوير تحسين الخدمات الصحية، كما أن سيطرة هذه الجهات وتأثيرها في توزيع المناصب هما السبب الرئيسي للفساد الإداري في هذه المؤسسات الصحية.

السلطات الأمنية و العشائر لمنع الاعتداء على الأطباء

حول دور السلطات الأمنية  لتوفير الحماية للكوادر الطبية في المستشفيات وفرض القانون مقابل الأعراف العشائرية، يؤكد المتحدث الأمني لوزارة الداخلية في بغداد، خالد المهنا في حديث معه، وجود جهود من قبل الشرطة المجتمعية لنشر حملات التوعية حول ضرورة احترام الكوادر الطبية من خلال عقد ندوات مع شيوخ العشائر من أجل التعاون بعضهم مع بعض لمنع زيادة حالات التهديد العشائري للأطباء.

يذكر أن وزارة الصحة لم تعلق على الموضوع لدى التواصل معها. 

وبحسب نقابة الأطباء العراقية، وصل عدد الأطباء العراقيين الذين هاجروا خارج العراق أكثر من 20 ألفاً وأصبحت ظاهرة الهجرة هاجساً للأطباء الشباب، لذلك قامت الحكومة في السنوات الأخيرة بحجب وثائق تخرج الأطباء لمنعهم من الهجرة بسبب قلة الأطباء

هجرة الأطباء

تعرض ظافر هيثم، 40 عاماً، أخصائي جراحة الأطفال ومدير مساعد في مستشفى الطفل المركزي في بغداد للتهديد من قبل ميليشيات "عصائب أهل الحق" ومسؤولين في وزارة الصحة لفضحه فساد هذه المؤسسات، ونتيجة لذلك غادر البلاد هرباً من القتل، حسب تعبيره.

في حديث لرصيف22، يقول ظافر: "عندما منعت عناصر ميليشيا عصائب أهل الحق من الدخول بالسلاح والتدخل فى إدارة المستشفى عام 2019، تعرضت للتهديد بالقتل أمام الموظفين بوضع مسدس في رأسي".

 وبحسب ظافر، كان قد حذره أصدقاؤه من محاولة تقديم شكوى ضد الميليشيات بحجة أنه سيُقتل على الفور.

ويتابع: "أما التهديدات الأخرى من وزارة الصحة فكانت شبه قانونية، بمعنى أنهم تعمدوا العبث بالقانون لاستخدامه ضدي لأنني انتقدت فساد النظام الصحي أمام وسائل الإعلام، خاصة بعد ارتفاع معدلات الوفيات في المستشفيات بسبب سوء النظام الصحي ونقص الأدوية المهمة التي تباع بأسعار مرتفعة بسبب الصفقات التجارية، الأمر الذي عرضني لمجالس تحقيقية عدة مرات".

بعدها أبلغ أحد المسؤولين في وزارة الصحة ظافر بأنهم عمدوا إلى التخلص منه وسيتم تصفيته بالقتل لذلك هرب مع عائلته خارج العراق للحفاظ على حياته.

 في مقابلة معه أعلن عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان، علي البياتي، عن عدد من حالات الاعتداء من قبل ذوي المرضى التي رصدتها المفوضية خلال جائحة كورونا في شهر تموز/ يوليو لهذا العام، منها، تعرض الطبيب ثامر ناصر في مستشفى الشفاء للأمراض الصدرية وممرض يدعى أحمد في حجر المنصور والمخدر محمد رياض للاعتداء بالضرب المبرح في وحدة العناية المركزة.

 لم تكن الهجمات موجهة ضد الكوادر الطبية فحسب إذ تعرض سائق إسعاف الى الاعتداء من ذوي المتوفين  أثناء نقله جثة المتوفى إلى المقبرة.

بعد مرور 16 عاماً على الاحتلال الأمريكي للعراق وتوالي تغيير المناصب في المؤسسات الحكومية مع التحقق من تهم الفساد الموجهة لمسؤولي الوزارات، منها وزيرة الصحة السابقة عديلة حمود وصفقات الفساد والعقود المتراكمة، لم تتم محاسبة أي مسؤول، وما زال القطاع الصحي في العراق هو الأسوأ حسب تقديرات منظمة الصحة العالمية ومنظمات صحية دولية أخرى. وكان لهذا التدهور في الحوكمة وتقويض تقديم الخدمات في القطاعات الرئيسية بعد خروج العراق من فترة مدمرة من الصراع والعنف، ثم أدت سيطرة داعش إلى تهجير وتدمير لعدة مناطق شمال العراق وغربه، من ضمنها المؤسسات الصحية  وتفاقم عدم الاستقرار والصراعات العرقية لسنوات من الخسائر والدمار الذي لحق به خلال القتال ضد داعش.

 كل هذا نتجت عنه سلسلة من التوترات الاجتماعية والدينية وانعدام الأمن المستمر مما انعكس بصورة مُدمرة على الواقع الصحي والأمني للكوادر الطبية في جميع أنحاء البلاد وبلغ مجموع الأضرار المقدرة التي تكبدها النظام الصحي العراقي بسبب الصراع الطويل 2.7 دينار عراقي في 16 مدينة بحسب world bank document.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard