آلاف الضحايا والمطالب لم تتحقق... شباب العراق يتحضّرون للعودة إلى الساحات

الأربعاء 30 سبتمبر 202011:19 ص

يقطع عباس الكوخي (24 عاماً) نحو 250 كيلومتراً كل أسبوع للذهاب إلى مستشفى الكفيل في محافظة كربلاء، لتلقي العلاج، بعد نحو تسعة أشهر على إصابته بطلق ناري في رقبته.

الكوخي واحد من مئات المحتجين الذين أصيبوا في احتجاجات العراق الأخيرة التي انطلقت في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

عندما انطلقت الاحتجاجات، لم يكن العراقيون يعتقدون أنها ستكون بهذا الحجم. كانت التوقعات تُشير إلى أنها احتجاجات ساعات أو أيام ومن ثم تنتهي، حتى حدثت "الثورة"، وفقاً للتسمية التي يفضّلها المحتجون.

كان الخامس والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 يوم البداية الحقيقية للاحتجاجات. الأيام الأولى من ذلك الشهر شهدت احتجاجات متقطعة وصِدامات مع القوات الأمنية لكن المحتجين أوقفوا نشاطهم "احتراماً" لزيارة أربعينية الإمام الحسين.

رفع المحتجون العراقيون في احتجاجاتهم التي انطلقت في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب شعارات تتعلق بالبطالة والخدمات والتوظيف لكنها تطورت في ما بعد مع اشتداد استخدام القوة المفرطة من قبل القوات الأمنية، ووصلت إلى المطالبة بإسقاط النظام. وراحت رقعة الاحتجاجات تتسع، وأخذت تنضم إليها أسر بكاملها.

بدأ سقوط القتلى والجرحى منذ اليوم الثاني في بغداد عندما سقط المتظاهر ياسر علي في ساحة التحرير. واكتفى رئيس الحكومة العراقية حينذاك عادل عبد المهدي بتشكيل لجنة لاستقبال طلبات المتظاهرين، لكن ذلك لم يكن كافياً ولم يخفف من الغضب الشعبي.

"طفرة في الوعي"

تعرضت الاحتجاجات إلى حملات "تسقيط". اتُّهم المتظاهرون بأن الولايات المتحدة الأمريكية ودول خليجية تُحركهم. وراح إعلام السلطة والإعلام الممول من إيران يروّج لمثل هذه الاتهامات ويشكك بالاحتجاجات وبالمشاركين فيها، أما الإعلام الأمريكي والخليجي فكان متفاعلاً معها بشكل إيجابي.

لم تكن أهداف ومطالب المحتجين واضحة، وكان تكتيكهم قائماً على السيطرة على ساحات والتمركز فيها، وواجهتهم القوات الأمنية بعنفها المفرط.

سيطر المحتجون على ساحتي التحرير والخلاني وكذلك جسري الجمهورية والسنك وسط بغداد، وهي مساحات قريبة من المنطقة الخضراء الحكومية، بينما حصلت عمليات كرّ وفرّ على جسر الشهداء.

ومع ازدياد الاعتداءات على المحتجين من قبل القوات الأمنية و"القنّاص المجهول" وارتفاع أعداد القتلى حتى بداية الأسبوع الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر إلى أكثر من 100 قتيل، بدأت المطالبة بإقالة رئيس الحكومة عادل عبد المهدي.

لم يهتم عبد المهدي بأصوات المحتجين ولم يلتفت إلى هذا المطلب حتى بدأ ممثل المرجع الديني الأعلى علي السيستاني بالتلميح ومن ثم التصريح بالاستقالة، فأعلن في الثلاثين من تشرين الثاني/ نوفمبر استقالته.

"لم تحقق الثورة نتائجها حتى الآن على المستوى السياسي والخدمي والإصلاحي، بل حققت طفرة نوعية في وعي العراقيين لمواجهة الظلم"، يقول المتظاهر الجريح عباس الكوخي.

"لم تحقق الثورة نتائجها حتى الآن على المستوى السياسي والخدمي والإصلاحي، بل حققت طفرة نوعية في وعي العراقيين لمواجهة الظلم"... العراقيون يعودون إلى الساحات في ذكرى ثورتهم

لا يرى الكوخي في التغيير الحكومي الذي جرى في العراق تغييراً حقيقياً، رغم أن الحكومة الجديدة تدّعي أنها خرجت من رحم التظاهرات الشعبية. يقول لرصيف22: "حكومة مصطفى الكاظمي لا تمثل المتظاهرين، ولم تخرج من قلب التظاهرات، وهي حكومة جاءت بتوافق سياسي من الأحزاب التي خرجنا ضدها ويُحاولون أن يعتبروها حكومة تشرينية (نسبة إلى تشرين الأول/ أكتوبر)".

يتفق أحمد السماوي، وهو أحد المشاركين في الاحتجاجات، مع ما ذهب إليه الكوخي، ويعتقد أن الاحتجاجات ما زالت مستمرة ولم تنتهِ لأنها لم تُحقق نتائجها. "نحن نعرف جيداً أن النتائج لا تظهر بسهولة وفي وقت قصير، بل هي عملية تراكمية"، يقول لرصيف22.

ويضيف: "مَن يعتقد بأن مطالبنا تحققت بتشكيل حكومة الكاظمي واهم، لأننا لا نؤمن بوجود حكومة يُزكّيها ويتوافق عليها مَن خرجنا ضده. نحن أردنا قانون انتخابات عادلاً، وهذا لم يحدث. أردنا محاسبة قتلة المتظاهرين، وهذا لم يحدث. أردنا محاسبة الفاسدين، وهذا لم يحدث. أردنا إنهاء السلاح والميليشيات، وهذا لم يحدث".

"نحن لا نرتبط بحكومة الكاظمي، ولا يُمكن أن نقول عنها إنها حكومة متظاهرين رغم وجود عدد قليل من المتظاهرين الذين يعملون بالقرب من الكاظمي، لكن هؤلاء لا يُمثلون التظاهرات"، يتابع السماوي.

آلاف القتلى والجرحى والمختطفين

وفقاً لهشام داود، مستشار رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، شهدت الاحتجاجات سقوط 560 قتيلاً بينهم عناصر من القوات الأمنية. وصرّحت حكومة الكاظمي أكثر من مرة بقرب إعلان نتائج التحقيقات بشأن قتلى التظاهرات، لكنها لم تُعلن عن أي شيء.

وبحسب مفوضية حقوق الإنسان، وهي مؤسسة وطنية، وصلت أعداد المصابين في الاحتجاجات إلى نحو 24 ألف مصاب، أما عدد المختطفين فوصل إلى 79 مختطفاً، كما اعتقلت القوات الأمنية خلال الاحتجاجات 2800 محتجّ ثم أطلقت سراحهم.

"أردنا قانون انتخابات عادلاً، وهذا لم يحدث. أردنا محاسبة قتلة المتظاهرين، وهذا لم يحدث. أردنا محاسبة الفاسدين، وهذا لم يحدث. أردنا إنهاء السلاح والميليشيات، وهذا لم يحدث"... العراقيون يعودون إلى الساحات في ذكرى ثورتهم

يقول موسى الأعرجي، وهو أحد أبرز المحتجين، لرصيف22: "هناك قتلى وجرحى ومختطفون على يد ميليشيات وأطراف رافضة للاحتجاج لكن لا حكومة عادل عبد المهدي ولا حكومة الكاظمي عملت للكشف عن هذه الأطراف".

ويضيف: "نحن سنخرج للمطالبة بإسقاط النظام، ولا نُريد استبدال الحكومة، لأننا نعتقد بأن هذا النظام الفاسد لا يُمكن أن يُنتج حكومة تخدم الناس".

المصابون... لا أحد يلتفت إليهم

حاول عباس الكوخي ومعه مجموعة من المحتجين التواصل مع الحكومة لغرض علاجهم ومساعدتهم لكن من دون جدوى. يُعالج الكوخي إصابته على حسابه الخاص، رغم أنه عاطل عن العمل. يحتاج أسبوعياً نحو 200 دولار للفحوصات والعلاجات، وبالكاد يوفّر البلغ.

طرقوا أبواباً كثيرة من مكتب رئيس الحكومة فما دون ولكنهم لم يحصلوا إلا على لقاء بسيط مع وزير الصحة حسن التميمي الذي "وعدهم ولم يفِ"، بحسب الكوخي.

عشرات المحتجين ما زالوا يُعانون من إصابات وإعاقات شبه مستدامة. حيدر آل مرجان الذي يظهر في هذا الفيديو هو أحد هؤلاء.



أصيب حيدر في السابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 على جسر الجمهورية بقنبلة دخانية شوّهت وجهه. لم يجد مساعدة حكومية، فاضطر للذهاب إلى الهند وإجراء عملية أولية كلّفته 15 ألف دولار، وما زال بحاجة إلى ثلاث عمليات تكلفتها نحو 40 ألف دولار.

يقول آل مرجان في مقابلة تلفزيونية: "لم نخرج لأجل المال، ولم نكن مدفعوين من أي جهة، خرجنا للمطالبة بحقوق الفقراء".

في ذات اليوم الذي أصيب فيه آل مرجان، أصيب سجاد رضا (25 عاماً)، والصدفة أنه أصيب على جسر الجمهورية وبقنبلة دخانية أيضاً.

يقول رضا لرصيف22: "أصابتني الدخانية بيدي اليسري، وكُسِرت أصابعي، والآن أعصاب يدي اليسرى تالفة بسببها".

أغلب المصابين ينتمون إلى أسر ذات دخل محدود، ولم يتمكنوا من العلاج على حسابهم الخاص في مستشفيات خاصة أو خارج البلاد، لذا قد يُعاني بعضهم من إعاقات مستدامة ما لم يحصلوا سريعاً على مساعدة".

أسر كثيرة كانت معاناتها أقسى. فقدت أبناءها ولم تعرف مصيرهم. فحتى الآن ما زال هناك عدد من المختطفين أو المخفيين الذين لا يُعرف مصيرهم، أبرزهم المحامي الشاب علي جاسب في محافظة ميسان، وسجاد العراقي الذي أثارت قضيتة الجدل في العراق خلال الأيام الأخيرة. ورغم أن الحكومة تعرف الضحايا لكنها لم تحدّد الجُناة.

ما زال والد علي جاسب الذي اختُطف في الأسبوع الأول من الاحتجاجات في محافظة ميسان، جنوب شرق العراق، يبحث عنه في كل مكان، ويطرق أبواب الجميع لعلّه يسمع أي خبر يتعلق بابنه.

يخرج وهو يحمل صورة ابنه ويقف مع المحتجين، وناشد أكثر من مرة رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي للقائه، إلا أن ذلك لم يحدث.

لا يستطيع والد علي الحديث كثيراً، لكنه ما زال يأمل عودة ابنه. يقول لرصيف22: "لم ينقطع الأمل. نُريد معرفة مصير ابننا، ونُطالب الحكومة بمساعدتنا في ذلك".

اليوم ومع مرور الذكرى السنوية الأولى لأبرز احتجاجات في تاريخ العراق الحديث، يُحضّر الشباب العراقيون خطة يرفعون من خلالها سقف مطالبهم.

السماوي والأعرجي ورضا يؤكدون أنهم سيذهبون للمطالبة بإقالة حكومة الكاظمي وإسقاط النظام الحالي ما لم تتحقق مطالبهم.

ستكون تظاهرات الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2020 وفقاً للمحتجين تذكيراً بالمطالب وستوجّه تحذيراً للحكومة. أما الحشد الكبير فسيخرج في الخامس والعشرين من ذات الشهر لإعادة زخم الاحتجاجات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard