"الحُسين ثورة وليس بكاءً فقط"... عاشوراء تُحفّز الاحتجاجات في العراق

السبت 29 أغسطس 202010:34 ص

مساء الخميس، في 27 آب/ أغسطس، جلس رجل الدين المعمم الشيخ صلاح الرستيماوي على كرسي بسيط في ساحة التحرير الشهيرة وسط بغداد. هذه المرة الأولى التي يظهر فيها رجل دين وهو يخطب في هذا المكان.

لطالما ألقيت الاتهامات على المحتجين في ساحة التحرير منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر 2019 بـ"الفسوق" و"الدعارة" و"الوقوف ضد الدين".

قرأ الرستيماوي عن مظلومية الإمام الحسين، وركّز كثيراً على فكرة أن الحسين خرج من أجل أن يكون حراً، وليس عبداً، وأن يقول للظلم لا، وحاول قدر الإمكان الابتعاد عن البُكائيات والتقليل منها.

كانت مجموعة من الشباب المحتجين تجلس أمامه وتستمع إليه، وكانت مجموعة أخرى من أسر الضحايا موجودة أيضاً. صور قتلى الاحتجاجات عُلّقت حول منبر الشيخ. كُتب على واحدة منها "شهداء ثورة تشرين".

استثمر الرستيماوي، وهو أحد المحسوبين على مرجعية السيّد علي السيستاني المعتدلة، أيام شهر محرم لـ"مواساة" عوائل قتلى الاحتجاجات الذين سقطوا خلال الأشهر الـ11 الماضية ويُقدر عددهم بـ600 قتيل، وفقاً لإحصاءات الحكومة العراقية.

وتعيش العاصمة العراقية بغداد ومدن الجنوب هذه الأيام ذكرى مقتل الإمام الحسين، وفي ذات الوقت تغلي المحافظات ذات الطابع الشيعي ضدّ الحكومة والطبقة السياسية.

مع اقتراب يوم العاشر من محرم وهو يوم "أسود" بالنسبة إلى المسلمين عموماً، والشيعة تحديداً، علَت أصوات الشباب المحتجين المُتهمين بـ"العمالة" للسفارة الأمريكية، وراحوا يستثمرون في ثورة الإمام الحسين لإدامة زخم ثورتهم.

"بدأنا نعمل على استثمار يوم العاشر من محرم وتحفيز الناس على رفض الظلم ورفض الفساد والقتل الذي يتعرض له الشباب في ساحات الاحتجاج"، يقول جاسم العامري، أحد المحتجين في محافظة البصرة.

العامري يقتبس من ثورة الإمام الحسين قوله: "إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً"، ويتحدث لرصيف22 عن "سعي المحتجين لتوعية الشارع العراقي بضرورة عدم السكوت عن حقوقهم".

هذه ليست المرة الأولى التي يربط فيها المحتجون "ثورتهم" بثورة الحسين. هناك صورة شهيرة لمجموعة محتجين يحملون صورة الإمام وهم يقفون أمام قوة أمنية مدججة بالسلاح وخراطيم المياه.

صارت هذه الصورة أيقونة للاحتجاجات. ومع اقتراب العاشر من محرم هذا العام، بدأ ناشطون ينشرونها على حساباتهم ويربطون بين ما يحدث الآن وبين ما حدث في واقعة الطف.

يُمثّل الإمام الحُسين وثورته جزءاً من حياة الشيعة، المؤمنين والملحدين، الإسلاميين وغير الإسلاميين، وربط المحتجون بين ثورته وبين احتجاجات العراقيين، خاصة وأنها احتجاجات لا تحمل لوناً غير العراقي، على عكس احتجاجات 2011 و2015 ذات الطابع العلماني.

يقول ولاء الغرابي، وهو أحد الناشطين في الاحتجاجات في محافظة الديوانية جنوبي العراق، إن "توظيف الثورة الحسينية في الاحتجاجات واضح من أجل إدامة زخمها ومن أجل تعريف الناس بأن الحُسين ثورة وليس بكاء فقط".

ويضيف لرصيف22: "الثورة العراقية رفعت منذ بدايتها الكثير من الشعارات الدينية والحسينية".

يربط الشباب المحتجون، وأغلبهم من المحافظات الجنوبية الشيعية، بين مقتل القاسم ابن الحسن في ليلة عرسه، وشباب الاحتجاجات والقوات الأمنية، ويُرددون دائماً القصيدة الحسينية الشهيرة للرادود الحسيني باسم الكربلائي: "يمه ذكريني من تمر زفة شباب من العرس محروم، حنتي دم المصاب، شمعة شبابي من يطفوها حنتي دمي والچفن ذاري التراب".

"تعرّض الحُسين لتخوين لأنه طالب بالإصلاح، وللتسقيط، وهذا ما تعرضنا له نحن. نحن لا نُشبّه أنفسنا بهذا النبراس، لكننا نقتدي به، ومظلوميتنا امتداد لمظلوميته" (محتجّ عراقي ضد فساد النظام)

يعتقد هؤلاء الشباب أن مستقبلهم "سُرق" باسم الثورة الحُسينية أو باسم الدفاع عنها، وهي شعارات ترفعها أيضاً الأحزاب الشيعية المسيطرة على الحكم، ويعتبرون أن "الثورة الحُسينية ومبادئها لا تتعارض مع التطور ومع الوطنية ولا مع حياتنا الشخصية".

يُحاول هؤلاء، وأغلبهم من جيلي التسعينيات والألفية الثالثة، أن "يُشذبوا" ما وصلهم من أفكار عن الحسين أو أن يضعوه في سياقات أخرى غير السياقات المعتادة. يُريدون حُسيناً لهم، دون أن يملي عليهم سياسي أو رجل دين كيف يفكرون فيه، فهم يعتقدون أو يجزمون في أحيان كثيرة بأنهم "خُدِّروا" باسم الدين.

"لا يُمكن أن تأتي مظلومية مثل مظلومية الإمام الحسين، لكن هناك جزئيات ومشتركات بين ثورتنا وثورة هذا الإنسان العظيم"، يقول عباس الكوخي.

الكوخي وهو أحد محتجي محافظة واسط وأصيب بطلق ناري في رقبته بداية الاحتجاجات، يضيف لرصيف22: "تعرّض الحُسين لتخوين لأنه طالب بالإصلاح، وللتسقيط، وهذا ما تعرضنا له نحن. نحن لا نُشبّه أنفسنا بهذا النبراس، لكننا نقتدي به، ومظلوميتنا امتداد لمظلوميته".

ومع بدء دخول المواكب الحسينية إلى صحن الحسين، فاجأ موكب للمحتجين الجميع. دخلوا يشكون الساسة العراقيين إلى الإمام، رافعين شعار "هيهات منّا الذلة".

المحتجون هتفوا: "كون اليصرخ هيهات، يعرف معناها"، في إشارة إلى ضرورة أن يتحول شعار هيهات منّا الذلّة إلى تطبيق وليس شعاراً فقط.



لطالما استُخدمت الشعارات الحُسينية سياسياً، خاصةً عندما كان الشيعة يعانون كطائفة من الظلم، ولكن الآن يستخدمها معارضون شيعة ضد طبقة سياسية شيعية أيضاً، وهي اليوم تُكتب وتُرفع بشكل كبير، حتى أن هتافات خرجت بالقرب من العتبة العباسية قبل أيام تُندد بإيران، وهذا ما لم يكن يحدث سابقاً.

مع بدء دخول المواكب الحسينية إلى صحن الحسين، فاجأ موكب للمحتجين العراقيين الجميع. دخلوا يشكون الساسة العراقيين إلى الإمام، رافعين شعار "هيهات منّا الذلة"، وهتفوا: "كون اليصرخ هيهات، يعرف معناها"، في إشارة إلى ضرورة أن يرتبط الشعار بالتطبيق

يرد في كتاب "الاحتجاجات التشرينية في العراق - استحضار الماضي واستعصاء الجديد" لمجموعة باحثين عراقيين، أن "الثيمات الحسينية برزت في اليوم الأول من احتجاجات تشرين الأول في ساحة التحرير في بغداد، فإلى جانب شعار الشعب يطالب بإسقاط النظام، ظهر أيضاً شعار هيهات منا الذلة، في استرجاع لمقولة الحسين في رفضه الاستسلام في كربلاء لإملاءات الحكم الأموي".

ويضيف أن "ثيمات التحريض الحسيني على الثورة ضد أوضاع جائرة حالياً كانت شائعة منذ بداية احتجاجات تشرين، وأن الربط بين واقعة كربلاء التاريخية والاحتجاجات كان تلقائياً".

لم يقف المحتجون عند تسيير مواكب حُسينية تُشارك في العزاء الحُسيني الطويل، بل اتخذوا قراراً بمنع أي موكب تابع لحزب سياسي أو فصيل مُسلح من المشاركة في العزاء.

ويُمكن القول إن إسقاط الشعائر الحُسينية وترديد مظلومية الإمام الحسين في الاحتجاجات ومحاولات إيجاد "تناص" بين الشعارات، يُحرج الأطراف التي ترفع لواء "الدفاع" عن القضية الحُسينية لكنها في ذات الوقت تقف بالضد من المحتجين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard