صراع الدولة واللادولة في العراق... من المواجهة المسلحة إلى "التفتيت الهادئ"

الأربعاء 22 يوليو 202007:10 م

لم يكمل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شهره الثالث، إلا أن مجموعة عوامل ضاعفت الأحلام المعلّقة عليه. الرجل القادم من رئاسة جهاز المخابرات يعدّه كثيرون الخيار المرّ على الأذرع الإيرانية في العراق، هو الذي اتهمته كتائب حزب الله، أقرب الجماعات المسلحة إلى طهران بتسهيل اغتيال قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس.

بالرغم من وصول الكاظمي إلى منصبه الجديد باتفاق سياسي، وفقاً لأعراف تشكيل الحكومات بعد 2003، إلا أن كثيرين يعتبرونه خيار الساحات الشعبية. وعمل رئيس الحكومة على كسب ود المتظاهرين لإعطاء انطباع إعلامي بأنه يمثلهم، من خلال اختيار ناشطين ميدانيين وإعلاميين وصحافيين مساندين للاحتجاج للعمل في مكتبه، ما ساهم في ترسيخ هذا التصوّر.

فقد أوكل الكاظمي ملفات عدّة تتعلق بالانتخابات المبكرة والاحتجاجات للناشط البصري المعروف كاظم السهلاني والخبير القانوني مهند نعيم، واختار الصحافي مشرق عباس للعمل في مكتبه، وعيّن أشهَر مقدّمي البرامج السياسية في العراق، أحمد ملا طلال، الداعم للاحتجاج، ناطقاً رسمياً باسم الحكومة.

حول محاولة تمتين قاعدة الكاظمي الشعبية، يقول الأكاديمي دياري الفيلي لرصيف22: "لم تُقنع حكومة الكاظمي لغاية الآن الجمهور بقدرتها على مواجهة التحديات المصيرية التي ترتبط مباشرة بحاضر ومستقبل البلاد".

ويضيف: "جزء من الأزمات التي حصلت تتحمل المسؤولية عنها الحكومة بسبب تقاعسها عن تنفيذ خطوات استباقية لتفادي نتائجها السلبية على أرض الواقع، ما يعطي انطباعاً بأن الكاظمي غير مهيأ للتعاطي معها"، مشيراً إلى أن "محاولة صناعة نجاح سريع أثره سلبي على أداء الحكومة والجمهور".

برأي الفيلي، "هذا السياق في العمل يجعلنا نشعر بأن قوة الحكومة هي على وسائل التواصل الاجتماعي فقط، ما يدفعنا باتجاه رفع لغة التحذير من إمكانية إقحام جماعات مسلحة تابعة لأحزاب في الصراع بين الكاظمي والقوى التي لا تريد له النجاح"، مرجحاً أن يشهد العراق "احتجاجات ضد احتجاجات" و"نموذج سلطة ضد سلطة".

ينتقد فيلي تشكيل الكاظمي لفريق واسع من المستشارين، ويقول: "لم يتمكن أعضاؤه من البرهنة على وجود عقلنة في صناعة القرار السياسي. الحكومة، رغم عمرها القصير، تُشعرنا بأنها تتعامل مع الأحداث بطريقة انفعالية، ما يدعونا إلى مراجعة تفاؤلنا الحذر الذي كنا عليه في بداية تشكيلها".

مسارات متشابكة

ترتكز الحملة الإعلامية لفريق الكاظمي على تسويقه كشخصية تريد تحجيم الأذرع الإيرانية، وفرض هيبة الدولة وحصر السلاح بيدها، في صراع "الدولة واللادولة" بحسب وصفهم. ويدور جدل حول الأسلوب الأمثل للفوز بهذا الصراع: المواجهة المسلحة أو المعالجة الهادئة عبر حزمة إجراءات ترتكز على التضييق المالي واللوجستي؟

خيار المواجهة المسلحة فشل في أول تجربة. ففي 19 حزيران/ يونيو، داهمت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب مقراً لكتائب حزب الله في منطقة الدورة، جنوب بغداد، وعثرت فيه على ورشة لتصنيع صورايخ قيل إنها من النوع الذي يُطلق على السفارة الأمريكية، واعتقلت الموجودين هناك.

لكن بعد ساعات، ردّت كتائب حزب الله بشكل محرج للحكومة، إذ تحركت مجموعات مسلحة تستقل آليات حكومية نحو مقرات حكومية داخل المنطقة الخضراء وخارجها و"احتكت بها تجاوزاً"، على حد تعبير بيان قيادة العمليات المشتركة التي وصفتها بـ"جهات لا تريد أن تكون جزءاً من الدولة والتزاماتها وتسعى إلى البقاء خارج سلطة القائد العام للقوات المسلحة".

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ. بعد أيام قليلة، كشف القائد العسكري لكتائب حزب الله، أبو علي العسكري، عن إطلاق سراح المعتقلين في "ليلة الدورة"، واصفاً العملية بأنها نُفّذت بدافع أمريكي، وموضحاً أن "الكاظمي أُجبر على تسليم المختطفين إلى قوة من الحشد الشعبي وقد تم نقلهم بالتفاهم معنا إلى أحد مقرات الحشد مطلَقي السراح بدار ضيافة".

هذه التجربة سلّطت الضوء بشكل واضح على القدرات الأمنية للدولة وإمكانياتها العسكرية، خاصة في ظل نفوذ الفصائل المسلحة التي يتوغل فيها النفوذ الإيراني، وفي ظل انقسام الأجهزة الأمنية وفقاً لنظام المحاصصة الطائفية والحزبية.

تفتيت هادئ

بعد نتائج "ليلة الدورة"، باتت ملامح مسار "التفتيت الهادئ" واضحة. تؤكد مصادر مطلعة أن الكاظمي يعمل على خطين متوازيين: الأول هو الخط الاقتصادي-السياسي ويهدف إلى تعظيم واردات الخزينة العامة وتجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة، من خلال ضبط المنافذ الحدودية التي تتقاسمها الفصائل المسلحة، ووقف التهريب عبرها، والتي يعتبرها اقتصاديون أوسع أبواب الفساد؛ والثاني هو خط تفعيل التحقيقات الجنائية في ملف غسيل الأموال وبيع الدولار لإيران من خلال مزاد العملة عبر مصارف أهلية، يقول مراقبون إنها تعود إلى رجال أعمال على علاقة وطيدة مع الحرس الثوري.

وبدأ الكاظمي من منفذيْ المنذرية ومندلي الحدوديين مع إيران، إذ وجّه قيادة العمليات المشتركة لفرض الأمن وتوفير الحماية لإدارتهما، وتلا ذلك السيطرة على معبري الشلامجة (مع إيران) وصفوان (مع الكويت)، ومنفذ زرباطية في واسط، فضلاً عن تكليف قيادة القوة البحرية بالسيطرة الكاملة على المنافذ البحرية في ميناء أم قصر.

ومن خاصرة العراق الاقتصادية، محافظة البصرة، أكد الكاظمي بعد ترؤسه جلسة لمجلس الوزراء عُقدت هناك، أن موانئ العراق ستكون تحت سلطة الدولة، مشيراً إلى أن الجيش سيحمي المنافذ، وأي ضابط بغض النظر عن رتبته لا يعمل بشكل صحيح سيُنقل.

بالرغم من وصول مصطفى الكاظمي إلى منصبه بتوافق سياسي، إلا أن كثيرين يعتبرونه خيار الساحات الشعبية. وعمل رئيس الحكومة العراقية على إعطاء انطباع إعلامي بأنه يمثل المتظاهرين، من خلال اختيار ناشطين ومساندين للاحتجاج للعمل في مكتبه

سياسياً، يحاول الكاظمي دفع إيران للقبول بتفاهمات مع الولايات المتحدة والسعودية حول الشؤون العراقية، فقد زار طهران بعد يومين من زيارة وزير خارجيتها محمد جواد ظريف إلى بغداد، وكان قد بدأ بالتحضير لجولة إقليمية، كان من المفترض أن تبدأ من الرياض، لكنها تأجلت بسبب تدهور الحالة الصحية للملك سلمان بن عبد العزيز.

ويعتقد مراقبون أن الكاظمي يعمل على وضع إيران أمام الأمر الواقع لضبط أذرعها المسلحة في العراق، مقابل منحها مطالب تحتاج إلى توسط الحكومة العراقية مع الولايات المتحدة.

وعلى خط آخر، يعمل الكاظمي على ترتيب أوضاع المؤسسة الأمنية، من خلال إجراء تغييرات في المناصب العليا وتعيين قيادات موالية له، لضمان تنفيذ الأوامر وتفادي أي محاولة للعصيان، خاصة وأن معظم القيادات الأمنية مقسمة بين القوى السياسية.

ويقول مصدر مطلع على كواليس عمل فريق الكاظمي: "يدرك الكاظمي تماماً واقع توغل إيران في المؤسسة الأمنية، ما يجعله بلا قوة يطمئنّ لها، سوى جهازي مكافحة الإرهاب والمخابرات".

ويضيف: "كانت خطوته الأولى الإصرار خلال مفاوضات تشكيل الحكومة على اختيار وزيري الدفاع والداخلية بنفسه، ثم ألحقهما بإنهاء تكليف فالح الفياض بمهام مستشار الأمن الوطني ورئاسة جهاز الأمن الوطني، وقصر دوره على رئاسة هيئة الحشد الشعبي".

ويتابع المصدر الذي تحدث لرصيف22 بشرط عدم الكشف عن اسمه: "يكاد الكاظمي يفرغ جهاز المخابرات من القيادات التي عمل معها خلال فترة إدارته للجهاز، بسبب نقل جزء كبير منها إلى جهاز الأمن الوطني، الذي أحاله رئيسه السابق فالح الفياض إلى مقاطعة عشائرية وطائفية، بالإضافة إلى اختياره للفريق الركن عبد الغني الأسدي رئيساً للجهاز، وقاسم الأعرجي صاحب الخلاف الكبير مع إيران لرئاسة مستشارية الأمن الوطني".

"لم تُقنع حكومة الكاظمي لغاية الآن الجمهور بقدرتها على مواجهة التحديات المصيرية التي ترتبط مباشرة بحاضر ومستقبل البلاد"

ويشير إلى أن "جهاز مكافحة الإرهاب غير كافٍ مقارنة بقوات الشرطة الاتحادية التي يبلغ حجمها ضعفه، والمجهزه بأسلحة ومعدات متقدمة، والتي تُصنَّف ضمن دائرة التوغل الإيراني"، مبيناً أن "هذا المسار ليس معبّداً أمام الكاظمي، فهو تراجَع عن تغيير بعض القادة مثل مسؤول أمن المنطقة الخضراء الذي سمح بدخول المسلحين في ليلة الدورة، ومثل قائد القوة المسؤولة عن أمن منطقة اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي، فضلاً عن قادة آخرين في الشرطة الاتحادية".

ويلفت المصدر إلى أن "الكاظمي فهم اغتيال الخبير الأمني هشام الهاشمي بأنه رسالة تحدٍّ له شخصياً، بحكم علاقتهما الوطيدة، فضلاً عن ثقل الهاشمي وعلاقاته الدولية، ما جعله يشكل لجنة رفيعة المستوى للتحقيق بالاغتيال".

في المقابل، يعتبر الاكاديمي دياري فيلي أن الإنجازات التي تحققت حتى الآن بسيطة، ولا ترتقى إلى مستوى التطلعات المأمولة من الحكومة، ويقول لرصيف22: "حتى ملف المنافذ الحدودية مستوى العمل فيه بطيء، والمنافذ التي بدأ منها غير مجدية من الناحية الاستراتيجية ولا توازي شيئاً مقارنة بالمنافذ الأخرى".

يرجّح الفيلي أن "الكاظمي لا زال غير قادر على تحييد القوى التي بدأت تتزايد حدة تصريحاتها ضد سياساته، وهذا يضع مستقبل حكومته على محك يقوّي احتمالية سحب الثقة منها".

ويقدّر أن "الشهرين القادمين قد يشهدان تزايداً للتعبئة المجتمعية ضد الحكومة، وكانت أبرز رسائل هذه التعبئة ما حدث في تظاهرة محتجزي رفحاء في مدخل العاصمة، ويفترض بفريق الكاظمي أن يفكر بطريقة مستقبلية ويعدّ لكل سيناريو آليات مناسبة للتعامل معه، وليس انتظار وقوع الأزمة والبدء بوضع المعالجات".

ومحتجزو رفحاء هم الهاربون من العراق بعد فشل الانتفاضة الشعبانية ضد نظام صدام حسين عام 1991، واحتجزوا في مخيم في مدينة رفحاء السعودية، ويُعَدّون من جمهور الأحزاب الشيعية. وقد تظاهروا مؤخراً بعد إيقاف صرف رواتبهم ورواتب السجناء السياسيين، وإيقاف مبدأ الجمع بين راتبين حكوميين وإلغاء امتيازات أخرى جاءت ضمن قوانين العدالة الاجتماعية.

معارضة... موالاة

واحدة من أهم نقاط الضعف التي تؤخذ على الكاظمي هي افتقاره لغطاء برلماني يمنع سحب الثقة من حكومته، ويساعده في تمرير مشاريعه، ما جعل كثيرين يفهمون تشكيل رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، الذي "يعرف بأنه عراب تكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة"، لـ"تحالف عراقيون" على أنه محاولة لتأسيس جبهة موالاة للحكومة، خاصة في ظل تداول أنباء عن حراك دؤوب تخوضه قيادات "تحالف الفتح" المقرّب من إيران لإعلان المعارضة البرلمانية للحكومة بالتنسيق مع "ائتلاف دولة القانون" بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.

وعن دينامية المعارضة والموالاة، يقول الفيلي: "المعارضة السياسية طبيعية وشهدتها الحكومات السابقة، لكن سيناريو انضمام تحالف الفتح بجميع القوى المنضوية تحته إلى المعارضة سيقود إلى إنتاج وضع محرج، ولن يكون تحالف عراقيون بزعامة الحكيم متماسكاً لدرجة تؤهّله حماية حكومة الكاظمي، ما يضاعف الحاجة إلى الدعم المجتمعي للكاظمي، وحتى اللحظة يبدو أنه غير قادر على فهم المعادلات السياسية التي تحكم جغرافيا احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر الأخيرة".

تسوية دولية

لم يعد الحديث عن غسيل الأموال وتهريب العملة إلى إيران مقتصراً على الأروقة الخاصة، فارتفاع عدد المصارف الأهلية المملوكة لأحزاب سياسية وانتشار محال الصيرفة أدى إلى إدراج العراق على لائحة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال من قبل المفوضية الأوروبية، في محاولة للتضييق على الجماعات المسلحة.

وأدرجت المفوضية الأوروبية العراق، إلى جانب دول أخرى مثل أفغانستان، وباكستان وسوريا واليمن وإيران وكوريا الشمالية، على قائمة الدول التي "تشكل تهديداً كبيراً على النظام المالي للاتحاد"، بسبب قصور في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويعزو الخبير الاقتصادي سلام الشمري ذلك إلى "ارتفاع عمليات غسل الأموال وتجارة المخدرات والتهريب وتمويل العمليات الإرهابية كأحد الحلول التي تتخذها الإدارة الإيرانية لمعالجة وضعها المالي بعد العقوبات الاقتصادية على طهران".

ويشيرون إلى أن "تشديد الإجراءات الرقابية على المعاملات المالية الصادرة والواردة بين العراق وأوروبا يؤثر كثيراً على القطاع الحكومي والخاص، فضلاً عن تأثيره على جذب الاستثمارات الأجنبية التي تأمل الحكومة تنشيطها عبر حزمة تسهيلات تعمل على إطلاقها، فضلاً عن تأثّر قطاع الطيران الحكومي".

يرهن مصدر مقرّب من فريق عمل الكاظمي نجاح الأخير في "التفتيت الهادئ" والمضي بالإصلاح الأمني والاقتصادي، بنجاحه في عقد تفاهمات مع طهران وواشنطن، فالأخيرة بحاجة إلى خطوات عملية لضبط السلاح ومنع رشقات الكاتيوشا على مصالحها في العراق، فيما تطمح إيران إلى وساطة عراقية مع واشنطن تمنحها "طوق نجاة" فضلاً عن مكاسب اقتصادية توفّر لها العملة الصعبة.

ويشير إلى أن "الكاظمي يعمل على إقناع إيران بعقلنة أذرعها المسلحة"، مرجحاً أن "تزهد ببعض الأجنحة المسلحة التي لا تمتلك تمثيلاً سياسياً، كعربون حسن نية، وتساعد على تقوية شعبية الكاظمي".

لكنّ الأكاديمي دياري الفيلي يعتبر أن "التسوية بين أمريكا وإيران وانعكاسها على المشهد العراقي تعتمد على استعدادهما للدخول في جولات تفاوضية تفضي إلى نتائج ملموسة للجانب العراقي، ولا يرتبط الأمر بفاعلية المفاوض العراقي".

"نحتاج إلى تسوية شاملة لكل الأطراف الداخلية والخارجية"، يقول الفيلي ويضيف: "دون ذلك سيستمر الصراع، خاصة وأن تصريحات الجانب الأمريكي الأخيرة حول تأييد حكومة بغداد بقاء قواته في البلاد، ستتسبب للكاظمي بإحراج شديد وستضاعف التوتر مع الفصائل المتبنية لمقاومة الاحتلال".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard