ليس أشرف مروان... "الضابط المصري الجاسوس الذي أنقذ إسرائيل في حرب 1973"

الجمعة 25 سبتمبر 202004:56 م

زعمت وسائل إعلام إسرائيلية أن ضابطاً مصرياً جنّده جيش الاحتلال قدم في اليوم السابع لحرب أكتوبر عام 1973 "معلومات ذهبية" ساهمت في "تغيير مجرى الحرب بل تاريخ إسرائيل كله" و"إنقاذ دولة إسرائيل من الهزيمة"، استناداً إلى معلومات مفرج عنها من الأرشيف العسكري الإسرائيلي في وزارة الأمن.

لم يذكر اسم الجاسوس المزعوم أو كنيته الحركية حتى ضمن المعلومات التي قيل إنها تُكشف للمرة الأولى.

وفي هذا التوقيت من كل عام، أي مع اقتراب ذكرى انتصار الجيوش العربية على العدو الصهيوني في المعركة التي باغتت فيها مصر وسوريا بالهجوم لاستعادة أراضيها التي استولت عليها إسرائيل في حرب عام 1967، تنشر إسرائيل قصصاً مشابهة تعزز زعمها الدائم بأنها كانت متفوقة في المعارك وقبلت خيار السلام من موقع قوة لا موقف ضعف.

"منقذ إسرائيل المصري"

كانت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أول من نوّه بقصة  الجاسوس المصري المزعوم، قائلةً إن "أشرف مروان الجاسوس الكبير الذي حذر إسرائيل من أن الحرب على وشك الاندلاع (وفق الرواية الإسرائيلية التي تكذّبها رواية مصرية مضادة) لم يكن وحيداً إذ كان هناك جاسوس مهم آخر نشط في الجيش المصري".

وادعت "يديعوت أحرونوت" أن هذا الجاسوس الآخر "حذّر أيضاً من الحرب قبل خمسة أيام من اندلاعها، لكن أحداً لم يصدقه"، وأن "الأسرار التي كُشِف عنها للتو، للمرة الأولى، تؤكد أن ضابط التجسس غيّر تاريخ إسرائيل".

"ضابط مصري جاسوس أنقذ إسرائيل من الهزيمة وغيّر مسار حرب عام 1973، ومنح دولة الاحتلال قبلة الحياة"... الإعلام الإسرائيلي يزعم أن أشرف مروان لم يكن يعمل بمفرده لحساب جيش العدو إبان حرب تشرين الأول/ أكتوبر المجيدة

وأوضحت الصحيفة الإسرائيلية في الوقت نفسه أن هذا الجاسوس "لم يكن يعرف بأمره سوى عدد قليل في قمة نظام الدفاع والدولة (إسرائيل)".

أما صحيفة "يسرائيل هيوم" المقربة من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، فكتبت تحت عنوان: "الجاسوس: الضابط المصري الذي أنقذ إسرائيل من الهزيمة عام 73" أن الجيش الإسرائيلي هو الذي جنّد الضابط، الذي انتقل لاحقاً إلى عهدة الموساد وزوّد العاملين فيه معلومات ذات قيمة.

وأضافت: "في اليوم السابع من حرب يوم الغفران (كما يطلق عليها الإسرائيليون)، قدم هذا الضابط ‘معلومة ذهبية‘ عن استعداد المصريين للهجوم. وإلى اليوم، لا يمكن الكشف عن هوية الجاسوس الذي منع هزيمة محققة لإسرائيل".

في التفاصيل، تتناول الوثائق الإسرائيلية اجتماعاً عقدته رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك غولدا مائير لـ"المطبخ" الذي كان منوطاً به اتخاذ القرارات في القضايا العسكرية والسياسية في 12 تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، أي عقب سبعة أيام على اندلاع الحرب.

خلال هذا الاجتماع، طُرِح سؤال مصيري: "هل يجب عبور قناة السويس في الليلة التالية؟". ساهمت "المعلومة الذهبية" التي نقلها الجاسوس المصري المزعوم في هذا اليوم في "تغيير تفكير الجانب الإسرائيلي، واتخاذ قرار العودة إلى الوراء وليس التقدم كما خُطِط مسبقاً وبدت المعلومة الذهبية تؤتي ثمارها خاصة مع منع الخسارة الإسرائيلية على الجبهة الجنوبية".

"نسفت معلومة الضابط الجاسوس أيضاً اختيار البدائل الأخرى داخل ‘المطبخ السياسي الأمني‘، بالإضافةً إلى تطرقها إلى ‘أسباب إجلاء الخبراء وأسر الدبلوماسيين من سوريا إلى الاتحاد السوفياتي‘"، وفق موقع "آي 24" الإسرائيلي.

اعتُبرت المعلومة المشار إليها مهمة على نحو خاص بعدما تمكن الجيش الإسرائيلي من صد الجيش السوري عند هضبة الجولان وتجاوزه خط الحدود، محوّلاً، إثر ذلك، مركز ثقل الحرب إلى الجنوب، حتى غدت "تلك اللحظات حاسمة على الجبهة المصرية".

ارتباك القادة الإسرائيليين

تسلط الوثائق الإسرائيلية الضوء على حالة الارتباك والقلق التي ترقى إلى العجز الذي كان عليه القادة الإسرائيليون آنذاك. وكان اجتماع "المطبخ" قد ضم رئيس الموساد تسفيكا زامير، وقائد الجبهة الجنوبية ورئيس الأركان السابق حاييم بارليف، وقائد القوات الجوية اللواء بيني بيليد.

وفق "يسرائيل هيوم"، كانت الخيارات المطروحة في المناقشة صعبة إذ "أعرب رئيس الأركان وقائد جبهة الجولان دافيد إلعازار عن قلقه بشأن الاستنزاف غير الحاسم (للجيش الإسرائيلي)، الذي سيزيد من تآكل القوات، واقترح طلب وقف إطلاق النار. وقال بيليد إن سلاح الجو فقد عدداً كبيراً من الطائرات وإنه يقترب من الخط الأحمر المتمركز على 220 طائرة، ولدى الوصول إلى هذا الخط لن يكون سلاح الجو قادراً على مساعدة القوات البرية".

أثناء هذه المناقشات، استُدعي زامير لأجل مكالمة هاتفية عاجلة. وعندما عاد إلى غرفة الاجتماع، بشّر الإسرائيليين بأن لديه "معلومة ذهبية"تفيد بأن الجيش المصري يعتزم إنزال قوات المظلات على خط العبور في غضون يوم أو يومين. كان منطقياً استنتاج أن الفرق المدرعة ستتبع خطى المظلات.

آنذاك قالت غولدا: "أعتقد أن زامير أنهى المناقشة بالنسبة إلينا".

"أدت المعلومة الذهبية التي قدمها الضابط المصري الجاسوس في النهاية إلى تحول جذري في مسار الحرب: الجيش الإسرائيلي الذي فشل في تحقيق أي شيء على الأرض على الجبهة الجنوبية حتى ذلك اليوم، بدأ بالهجوم، وذهبت مصر إلى موقع الدفاع، ولم يهاجم الجيش المصري مرة أخرى حتى انتهاء الحرب"

بعد ذلك تحوّل الجيش الإسرائيلي إلى "الاحتواء" والتربص بالقوات المصرية، بدلاً من مباغتتها بالهجوم كما كان مطروحاً.

طُرحت هذه التفاصيل في السنوات الأخيرة، لكن لم يُشِر قط إلى من وقف وراء "المعلومة الذهبية". وقد أوضحت الصحف الإسرائيلية أنه "حتى اليوم، بعد مرور 47 عاماً على الحرب، تخشى الرقابة العسكرية الإسرائيلية (وحدة في مديرية الاستخبارات العسكرية لجيش الدفاع الإسرائيلي تراقب نشر المعلومات المتعلقة بالشبكة العسكرية) الكشف عن تفاصيل عنه، ولا توافق على نشر حتى اللقب الذي حصل عليه"، بحسب "يسرائيل هيوم".

في أثناء ذلك، لا تزال إسرائيل تؤكد أن المعلومة التي قدمها "أدت في النهاية إلى تحول جذري في مسار الحرب: الجيش الإسرائيلي الذي فشل في تحقيق أي شيء على الجبهة الجنوبية حتى ذلك اليوم، تمكن من أخذ زمام المبادرة بنفسه".

"عرش أفضل جاسوس"

صباح 14 تشرين الأول/ أكتوبر، شن الجيش المصري هجوماً على ست مناطق رئيسية بفرق المدرعات والمشاة والمدفعية والقصف الجوي ومقاتلي الكوماندوز، وخلافاً لما أفاد به "المصدر الذهبي"، لم يكن هناك مظليون.

الجيش الإسرائيلي الذي كان متأهباً لوصول المصريين، صدهم في جميع القطاعات وأوقع إصابات جسيمة بهم. كان ذاك أول انتصار إسرائيلي في معارك سيناء. تغير الواقع في ساحة المعركة: بدأت إسرائيل بالهجوم، وذهبت مصر إلى موقع الدفاع، ولم يهاجم الجيش المصري مرة أخرى حتى انتهاء الحرب.

لا يعتقد أن الجيش المصري اكتشف أمر الجاسوس الذي "أخذ سره معه إلى القبر".

وذكرت "يسرائيل هيوم" أن من أطلقت عليه "المصدر الذهبي" "لم يلقَ صدى إعلامياً أو عاماً على عكس أشرف مروان الذي اشتهر بـ‘الملاك‘".

ونقلت عن الباحث في حرب 73، موشيه شيفاردي، قوله: "الجميع يتحدثون عن مروان، ولا أحد يتحدث عن ‘مصدر الذهب‘، الذي يجب أن يجلس بجانب الملاك على عرش أفضل جاسوس"، زاعماً أنه قدم لإسرائيل "خبرين من ذهب، وليس واحداً".

وأوضحت الصحيفة أن الضابط الجاسوس أبلغ الموساد في 30 أيلول/ سبتمبر عام 1973، أي قبل نحو أسبوع على اندلاع الحرب وقبل أسبوعين من تقديمه "المعلومة الذهبية" التي غيرت مسار الحرب، بأن مصر وسوريا بصدد التجهيز لشن هجوم مباغت، وأن كبار المسؤولين الأمنيين في إسرائيل لم يصدقوا المعلومة ولم يتعاملوا معها بشكل صحيح.

وبينما يشاع أن "المصدر الذهبي"  توفي في هجوم للقوات المصرية في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، أشارت الصحيفة الإسرائيلية إلى أنه "مات في ظروف طبيعية، بعد الحرب بعدة سنوات". ونقلت عن عقيد متقاعد زعم أنه جند ودرب هذا الجاسوس أنه لا يعتقد أن الجيش المصري اكتشف أمر الجاسوس الذي "أخذ سره معه إلى القبر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard